إنها أوقات سيئة لمساعي بناء الديمقراطية في إسرائيل. خلال الأسابيع القليلة الماضية، تعرض استقلال المؤسسات الأكاديمية، النظام القضائي، المجتمع المدني، الفنون، ووسائل الإعلام لهجوم مكثف من جانب صانعي القرار المكلفين بدعم روح إسرائيل الديمقراطية. لقد حاول وزراء التعليم والعدل والثقافة وحتى رئيس الوزراء التفوق على بعضهم البعض في إسكات الانتقادات, رفض الاستياء وتقييد الأصوات التي تشكك في سياسات الحكومة والتي تقترح اتجاهات بديلة للبلاد.

تتبع هذه الجهود نمطا خبيثا, والذي أصبح الآن مألوفا. هدفهم هو نزع شرعية المعارضين، تشويه سمعة جهودهم وخلق رادع فعال لأولئك الذين يجرؤون على التشكيك في الرواية المهيمنة من أولئك الذين يسيطرون على الحكومة في العقود الأخيرة. في هذه العملية، فإنهم يخدمون أيضا الأهداف السياسية المباشرة لداعميهم: كلما كانت المخططات فاحشة وسافرة وضارة أكثر لإغلاق المساحات العامة المفتوحة، يأمل كتابها في كسب المزيد من رأس المال السياسي ( مبادرة بينيت بوضع مدونة سلوك أكاديمية على الأرجح حثّت نتنياهو على تشجيع المزيد من القيود على منظمات حقوق الإنسان؛ كما أن محاولات ميري ريجيف الأخيرة لاستبعاد الأحداث الثقافية وفناني الأداء مناقضة للنظرة القومية التي عينت نفسها لحمايتها تعززت عدنما سعت آيليت شاكيد إلى قلب نظام الأقدمية في المحكمة العليا وبالتالي اضعاف استقلاليته). بشكل منهجي ومستمر، فإن الحملة المتعددة الأوجه لسماسرة السلطة الحالية في إسرائيل تنجح في تجريد الحياة الإسرائيلية من قشرتها الليبرالية تدريجيا.

عادة ما تبدأ عن وعي الوتيرة المتسارعة للانزلاق الديمقراطي عن طريق تقديم – في كثير من الأحيان متخفية – بإدخال مبادرات سياسية محددة تحت الرادار العام في حين يتم تحويل الانتباه إلى مكان آخر. إذا تم تبنيها دون استجابة عامة فائضة إلا من جانب المتضررين، فإنهم حينها يزدادون قوة – على الجر أيضا.

الحرية الأكاديمية، هي الحجر الأساسي في المجتمعات المفتوحة، وهي الحالة الأكثر وضوحا في هذا الصدد. في هذه الأيام، تدور في جميع أنحاء البلاد مناقشات حول المقترحات الفاضحة التي قدمها البروفسور آسا كاشر للقضاء على قلب الحرية الأكاديمية – غرس الشك من أجل الكشف عن حقائق جديدة – تحت ستار منع التسييس في الجامعات الإسرائيلية. لكن لم يكن هناك أي رد فعل خارج البرج العالي, عندما وافق مجلس إسرائيل للتعليم العالي في 23 أيار / مايو (يوم زيارة دونالد ترامب للقدس) على برنامج مدته خمس سنوات بقيمة 15 مليار شيكل لزيادة إمكانية وصول اليهود الاورثوذكسيين إلى الجامعات والكليات من خلال ترسيخ التمييز الصارخ بين الجنسين. بالنسبة لأولئك الذين ربما لم يسمعوا الأنباء، أصبح الأمر الآن رسميا: لن يدرس الرجال والنساء في أطر منفصلة في مؤسسات التعليم المتقدم فقط، ولكن أذكى النساء في إسرائيل سوف تحظر الآن من بعض قاعات المحاضرات من أجل تجنب إهانة مشاعر اليهود الأرثوذكسيين.

هذه هي الطريقة التي أعيد بها الفصل بين الجنسين رسميا في إسرائيل في عام 2017. لسنوات، كان قطاع الحريدي غائبا تقريبا عن ممرات التعليم العالي (في عام 2010 كان هناك ما بين 5،500 و 6،000 من الطلاب الأرثوذكسيين في جميع الأطر). وقد بدأ في عام 2011 برنامج تجريبي جدير بالاهتمام ولكن معيب عمليا لزيادة عددهم بهدف زيادة خياراتهم للاندماج في السوق العاملة وتعزيز مساهمتهم في الاقتصاد الإسرائيلي. بعد خمس سنوات، اتخذ قرار بإدراج نسخة موسعة في الخطة الجديدة للتعليم العالي والتي مدتها خمس سنوات (2016-2022)، على الرغم من أن المحاولة الأولية لم ترق إلى مستوى التوقعات. ارتفاع عدد الطلاب إلى 11،000 فقط مثّل جزئيا 75٪ من الأهداف المعلنة. 35٪ فقط من الطلبة الحرديم المسجلين هم من الذكور وكان معدل تسربهم أكثر من 50٪. على الرغم من إنشاء أطر جديدة، فإن إدماجهم في المؤسسات المخصصة لم ينفذ إلا جزئيا. مع ذلك، تم توسيع المنهاج، وبذلت جهود متضافرة لرفع المعايير الأكاديمية، التي لم تزل أقل بكثير من تلك التي في الجامعات والكليات في البلاد.

وفي جميع هذه الأوضاع، تم الفصل بين الجنسين بين الطلاب والطالبات، وفي حين سمح للمحاضرين الذكور بالتدريس في جميع الفصول الدراسية، كانت المحاضرات ممنوعات من إلقاء المحاضرات على الرجال. أسفرت الاحتجاجات عن نداءين إلى محكمة العدل العليا وأحكاما منحت مزيدا من الشفافية في التخطيط لمراحل أخرى.
بالفعل, عندما نشر مجلس التعليم العالي تقريرا وتوصيات لبرنامج موسع يهدف إلى رفع عدد اليهود الأرثوذكسيين إلى 19،000 بحلول عام 2022 (6٪ من عدد الطلاب المتوقع، والتي تضم اليوم أكثر من 315000 طالب)، والتي ستزيد عدد الرجال, وتعزز الإندماج الهيكلي والموضوعي والحفاظ على الفصل بين الجنسين من أجل اجتذاب المزيد من الطلاب الحريديم إلى المؤسسات الأكاديمية والقوى العاملة المتقدمة، عقدت جلسات للاستماع إلى الاعتراضات. في نهاية المطاف، في حين اعترف مجلس التعليم العالي بأن استمرار عدم المساواة بين الجنسين خلق “مشكلة معقدة للغاية” – اختارت مرة أخرى التضحية بمبدأ المساواة على مذبح الدمج الحريدي، في حين خصصت 10 مليون شاقل إسرائيلي جديد لتصحيح قضايا عدم المساواة بين الجنسين ، والتي قد تفاقمت الآن. فقد وجهت ضربة ساحقة لفكرة المساواة بشكل عام.
إن إضفاء الطابع المؤسسي على التمييز القسري بين الجنسين في قاعات الأكاديمية هو أمر مبالغ فيه. ففي المقام الأول، فإن منع المحاضرات من دخول الفصول الدراسية المخصصة للرجال فقط يسهم حتما في تمثيلهن المتضرر أصلا في الطبقات العلوية من الأكاديمية. تشكل النساء حوالي 58 في المائة من الطلاب في جميع مؤسسات التعليم العالي في البلد (أكثر من 56 في المائة من طلاب اللقب الأول؛ و 58.6 في المائة من طلبة اللقب الثاني و 58.4 في المائة من المرشحين للدكتوراه). ومع ذلك، فإن تمثيلهن كعضوات في هيئات التدريس يتضاءل أثناء تسلقهن السلم الأكاديمي: ففي حين تشكل النساء نحو 50 في المائة من المحاضرين غير الدائمين, فإنهن يشكلن 36 في المائة من المحاضرين القدامى, و 27 في المائة من الأساتذة المساعدين و 16 في المائة فقط من المحاضرين الدائمين. لم يتمكنّ، على الرغم من مؤهلاتهن، من كسر السقف الزجاجي السميك. من المؤكد أن البرنامج يؤثر سلبا على سبل معيشتهن, فرصهن في الترقية, كرامتهن ومكانتهن الاجتماعية.
التأثيرات الأكاديمية من هذا التمييز ليست أقل تدميرا. من خلال عدم كشف بعض الطلاب للعمل الأكاديمي النسوي ووجهات نظر النساء فان البرنامج يسلبهم فرصة معرفة آخر المستجدات والاراء لأفضل وألمع العقول في البلاد. وهذا لا يمكن إلا أن يؤثر على المعايير الأكاديمية في هذه البيئات الجنسانية، وبالتالي، في مكان العمل.
مع ذلك, فإن الأضرار التي لحقت بالمؤسسات الأكاديمية (التي تعتمد بشكل موحد تقريبا على التمويل العام والتي قد تفقد دعما كبيرا ورواتب طلاب في حالة عدم تطبيق معايير البرنامج)، تبعث على القلق بوجه خاص. البرنامج يرسخ التمييز بين الجنسين كقاعدة، ومن ثم يحد من التبادل المفتوح الذي هو في صميم الحرية الأكاديمية. إن الضرر الهيكلي والأخلاقي الناتج لا يمكن تقديره. وبالفعل، فإن الاستعداد للالتزام بأكثر العناصر تطرفا في مجتمع الحريدي، في نطاق أوسع، يتجاوز الأكاديمية بكثير إطار ويتغلغل في المجتمع ككل.
مما لا شك فيه أن توسيع فرص حصول جميع قطاعات المجتمع على التعليم العالي أمر حيوي لتنشيط الاقتصاد وتنمية التعددية والتسامح. غير أن الاعتبارات الاقتصادية والسياسية الضيقة لمن هم في القمة لا يمكن أن تعفي توجيه الأموال العامة لقضية ما – مهما كانت مهمة – التي ينطوي تنفيذها على ممارسات التي تتحدى جوهر ونبض الحياة الديمقراطية.
وبالتالي فإن العواقب المترتبة على الديمقراطية في إسرائيل هي موجعة. إن فرض الفصل بين الجنسين في العالم الأكاديمي يضع قيودا هيكلية على الحرية الأكاديمية مما يسهل فرض قيود سياسية في شكل مدونات سلوك تمليها الحكومة. ما ينساه مبرري هذه الغارات ينسى هو أن الحرية الأكاديمية ليست ترفا للنخبة المتعلمة؛ بل هي أساس المجتمعات الديمقراطية. فبدون الديمقراطية، لا يمكن لأي حرية أكاديمية – وبذلك الابتكار والإبداع – أن تزدهر. وينطبق الشيء نفسه على المساحات المفتوحة في وسائل الإعلام، والفنون والمؤسسات الثقافية. إن الانزلاق في منطقة ما ينطلق إلى مناطق أخرى، إلى أن تتعرض الديمقراطية نفسها للاعتداء.
هذا هو السبب في أن المساومة على المعايير الأساسية قد تفتح الباب لمزيد من التنازلات بشأن القيم ثم إلى شقوق ديمقراطية عميقة. أولئك الذين لا يعتقدون ان إطاحة النساء من الفصول الدراسية الأكاديمية تستحق الاستجابة بما فيه الكفاية عليهم الآن التعامل مع تقلص الأماكن العامة المفتوحة, بما في ذلك التفكير النقدي, وثقافة الإيمان التام بالقيم التي يشجعونها في مجموعة واسعة من مجالات. على الأقل الآن فإن الاعتراض من العامة أكثر وضوحا ومبدئي. إن نجاح هذا الاعتراض أمر حيوي لإنعاش روح إسرائيل الديمقراطية والإنسانية.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.