هناك الكثير من المسائل التي يمكن إنتقاد رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بشأنها: عدم تنديده المباشر بهجمات “الذئب الوحيد”، وعدم إتخاذه أية إجراءات لوقف التحريض من قبل مسؤولين في حركة “فتح”، ودعوته مؤخرا منفذ الهجوم الأردني ب”الشهيد” وإرساله رسالة تعزية إلى عائلته، وهلم جرا.

ولكن أحيانا يستحق عباس أيضا الإشادة. يوم الجمعة، في جنازة الرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيريس، كان هو الزعيم العربي الوحيد الذي تحلى بالشجاعة للمشاركة في المراسم. إن هذا عمل من أعمال الشجاعة السياسية والدبلوماسية والشخصية. جاء برفقة وفد مكون من مسؤولين فلسطينيين رفيعي المستوى، وهو يعرف ويدرك أن الصورة التي تم نشرها من الجنازة ستخدم خصومه من الداخل (فتح) وفي الخارج (حماس).

لقد جاء إلى القدس على الرغم من معرفته بأن زعماء عرب آخرين – مثل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أو ملك الأردن عبد الله الثاني – لم يخططوا للحضور. وحتى مجموعة أعضاء الكنيست تلك التي تُسمي نفسها “القائمة (العربية) المشتركة” اختارت البقاء بعيدا عن جنازة أحد الأشخاص الذين عملوا أكثر من أي شخص آخر على تحسين ظروف الوسط العربي في إسرائيل.

مقابل هذه المجموعة من البرلمانيين الإسرائيليين الجبناء، لم يقم عباس بالمشاركة في الجنازة فحسب، بل قام أيضا بمصافحة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وتحدث مع زوجة نتنياهو سارة، وحضر خطابات الشخصيات المحلية والأجنبية خلال مراسم الجنازة كاملة.

قراره، الذي اعتبره البعض في “فتح” بالجبان، يبرز أكثر في النظر إلى أن مكانة عباس في صفوف الرأي العام الفلسطيني في أدنى مستوياتها. الثلثين منهم يريدون رؤية إستقالته. هناك ضغينة بينه وبين بعض الشخصيات القوية في “فتح” مثل محمد دحلان؛ فقط يوم الخميس، قام عباس بطرد أربعة من الشخصيات المقربة من دحلان من الحركة. علاقة زعيم السلطة الفلسطينية بمصر، الداعمة لدحلان، لم تعد كما كانت في السابق، كما أظهرت مؤخرا أقوال لوائل الصفتي، المسؤول عن الملف الفلسطيني في المخابرات المصرية، الذي وصف عباس بـ”الجمل”.

بإختصار، لعباس، الذي اختتم يوم الخميس مؤتمرا للجنة الثورية التابعة لحركة “فتح”، كانت كل الأسباب السياسية التي تمنعه من المشاركة في الجنازة. ومع ذلك اختار الحضور.

إن قرار القيام بالرحلة القصيرة من رام الله إلى القدس لم يكن بسيطا. يوم الأربعاء، بذل المسؤولون في السلطة الفلسطينية جهودا كبيرة لتجنب تأكيد ما إذا كان عباس سيشارك في الجنازة. بدا واضحا، مساء الأربعاء، عندما قامت وكالة الأنباء الفلسطينية “وفا” بنشر تقرير عن قيام عباس بتوجيه رسالة تعزية إلى عائلة بيريس، بأن الرئيس الفلسطيني لا يخطط للحضور.

ولكن بحسب ناصر اللحام، رئيس تحرير وكالة “معا” الإخبارية، قام عباس بتغيير رأيه بعد تلقيه مكالمة هاتفية من تسفيا فالدن، ابنة بيريس، التي ألحت عليه لحضور الجنازة، كما فعل عدد من المسؤولين الإسرائيليين الآخرين الذين حثوه على المشاركة حتى لو كان ذلك فقط لإقناع الإسرائيليين بأن “هناك شريك” على الجانب الآخر من الجدار الفاصل.

في النهاية قرر عباس القيام بالبادرة الإنسانية من أجل رجل (وأفراد عائلته) الذي كان شريكا على مدى عقود، في دائرة الضوء وخارجها.

وهو يدفع ثمن قراره هذا.

منذ نشر خبر قراره حضور الجنازة، يواجه عباس إنتقادات شديدة اللهجة على مواقع التواصل الإجتماعية الفلسطينية. المتحدثون بإسم “حماس”، كما هو متوقع، لم يتوقفوا عن مهاجمته، ولكن بشكل غير رسمي، بعض المسؤولين في “فتح” يشاركون هم أيضا آراءهم السلبية حول قراره. قناة تابعة لحركة “حماس” قامت بنشر صورة له وهو يميل إلى الأمام وقالت بأنه كان يبكي على بيريس. (المقربون من عباس قالوا بأنه كان يصغي إلى ترجمة أحد الخطابات). بحلول ظهر يوم الجمعة، نشرت “فتح” رسالة دعم لقرار قائدها في حضور الجنازة. ولكن الضرر كان قد وقع.

الجلبة التي على عباس مواجهتها في الداخل على “جريمة” حضوره للجنازة تبرز إلى أي درجة تصرف حكام مصر والأردن كسياسيين جيدين ولكنهم فشلوا كقادة، في قرارهم في إرسال وزراء نيابة عنهم.

التعقيد في السياسة الداخلية يجعل من قرارهم مفهوما وربما معذورا. على عكس ذلك، من الصعب – ومن المحال تقريبا – تفهم سلوك أعضاء الكنيست من “القائمة (العربية) المشتركة” برئاسة أيمن عودة. ومن اللائق، بين الفينة والأخرى، الإشادة بعباس.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.