هجوم الطعن الذي وقع بالقرب من كارمي تسور صباح الأربعاء، فضلا عن أعمال الشغب التي وقعت في الأيام الاخيرة في جنين وبرقين، وخاصة في نابلس، تكشف الكثير عن اتجاه الرياح في الضفة الغربية. هذه الفترة تذكرنا بالأيام المصيرية في ديسمبر 1987 وأكتوبر 2000، عشية  اندلاع الانتفاضتين الأولى والثانية.

مع استمرار الجيش الإسرائيلي يوم الثلاثاء في عمليات البحث في نابلس عن المشتبه به بقتل الحاخام إيتمار بن غال في أريئيل، واجه الجنود نحو 500 متظاهر، بحسب تقديرات إسرائيلية، في مواجهات أسفرت عن مقتل شاب فلسطيني وإصابة 45 آخرين.

وقد شهدت اليامون وبرقين وجنين مواجهات عنيفة مماثلة، ولكن على نطاق أصغر، كانت جميعها متعلقة بمحاولات القبض على أحمد جرار، المشتبه به في قتل الحاخام رازيئل شيفاح في الهجوم الذي وقع في حفات غلعاد في الشهر الماضي. في أعقاب هذا الهجوم، نفذ الجنود الإسرائيليون مداهمة تلو الأخرى بحثا عن جرار المرواغ، الذي اكتسب شهرة متزايدة في الضفة الغربية. في الوقت الذي نجحت القوات الخاصة الإسرائيلية في الوصول إليه في مدينة اليامون قبل فجر يوم الثلاثاء، كان قد تحول إلى بطل بالنسبة للفلسطينيين في جميع أنحاء الضفة الغربية.

بالإمكان ايجاد صورة جرار كما يبدو على كل حساب في الشبكات الاجتماعية الفلسطينية. بالنسبة لمناصريه، كان هناك شقيّن لبطولته: فهو لم ينجح في قتل مستوطن فحسب، ولكنه أصبح أيضا بمثابة بطل خارق لنجاحه في الإفلات من القوات الإسرائيلية مرة تلو الأخرى.

جنود إسرائيليون يجرون عمليات بحث عن عبد الكريم عاصي، المشتبه به بقتل رجل إسرائيلي طعنا، في قرية كفل حارس الواقعة شمال الضفة الغربية، 5 فبراير، 2018. (Nasser Ishtayeh/Flash90)

على الرغم من تأكيدات الجيش على أن جرار قُتل في اليامون، يرفض العديد من الفلسطينيين تصديق خبر موته، حيث يقول الكثيرون إنه نجح في الهروب مرة أخرى.

في نهاية المطاف، تحول جرار والمشتبه به في تنفيذ هجوم أريئيل، عبد الكريم عاصي، إلى نموذج يُحتذى به بالنسبة للكثيرين في صفوف الشباب الفلسطيني. عاصي، الذي كان سيُدخل في أيام أفضل إلى بيت للشباب المعرضين للخطر، أو لمؤسسة تهتهم بالمراهقين الذين يعانون من مشاكل نفسية وعائلية خطيرة، ملأ الفراغ الذي تركه جرار وراءه بعد وفاته. بهذه الطريقة على الأقل ينظر إليه الرأي العام الفلسطيني، وخاصة الشباب منهم، الآن.

قد تكون الاحتجاجات العنيفة التي شارك فيها المئات، وأصيب فيها العشرات، في مواقع عدة في الضفة الغربية، مؤشرا على الأمور التي ستحدث مع وصول حكم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس البالغ من العمر 82 عاما إلى نهايته. من عدة نواح، بدأ الهدوء الذي ميز قيادته إلى حد كبير بالانهيار.

هدم منزل في جنين من قبل قوات أمن إسرائيلية خلال عملية لاعتقال أحمد جرار، المشتبه به بقتل الحاخام رازيئل شيفاح. (IDF)

للتأكيد، الشعور بفجر شيء جديد لا يمكن التنبؤ به لا يظهر في كل مكان. في رام يوم الثلاثاء، استمرت الحياة كالمعتاد. حافظت قوى الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية على النظام، وميدان منارة الشهير في المدينة عانى من الاختناقات المرورية المعتادة. ومع ذلك، في محادثات خاصة تجري في رام الله والخليل وبيت لحم مع مصادر يُعتقد أنها تمثل مقياسا جيدا للرأي العام الفلسطيني، يظهر هناك إحباط وقلق من الاتجاه الذي يسير فيه الشباب الفلسطيني.

يدرك الجميع أن حقبة عباس أوشكت على الإنتهاء؛ فهم فقط في انتظار مغادرته الفعلية. لا يعرف أحد كيف سيبدو “اليوم التالي”، ولكن هناك إجماع عام على أنه سيكون عنيفا ومضطربا. يُنظر إلى نظام عباس بعداء صريح، وحركة حماس تكتسب الدعم.

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يتلو صلاة قبل ترأسه لاجتماع لللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في مقر السلطة الفلسطينية في مدينة رام الله في الضفة الغربية، 3 فبراير، 2018. (AFP PHOTO / ABBAS MOMANI)

يوم الثلاثاء، نشرت وكالة “أسوشيتد برس” تقرير غريبا: المسؤول الكبير في حركة فتح توفيق الطيراوي، القائد السابق للمخابرات العامة الفلسطينية في الضفة الغربية من 1994 وحتى 2008، تقدم بدعوى ضد السلطة الفلسطينية بسبب سياسة مزعومة استمرت على مدى سنوات قامت فيها أجهزة الأمن الفلسطينية بالتنصت على قادة فتح وحماس بالطبع. من بين الأسماء التي تم استهدافها من قبل أجهزة المخابرات الفلسطينية عدد ليس بقليل من المرشحين المحتملين لخلافة عباس: محمود العلول ومروان البرغوثي ومقربين من محمد دحلان، والعديد من المسؤولين في حماس.

صديق فلسطيني قابل هذا المراسل في رام الله يوم الثلاثاء قال مازحا “كل كلمة تقولها هنا مسجلة، فاحذر”. لم تكن هذه مزحة تماما.

عبد الكريم عاصي في صورة له من موقع فيسبوك في 30 ديسمبر، 2017. (لقطة شاشة: Facebook)

هذه الأنباء تزيد من الإزدراء الذي يشعر به الفلسطينيون تجاه قيادتهم والسلطة الفلسطينية، وقد تدل على أن هذه المؤسسات لن تكون قادرة على ضمان الهدوء بعد تنحي عباس. لقد أصبح الجو مهيئا لحرب شاملة على خلافته بين قادة مختلفين في فتح والسلطة الفلسطينية، في الوقت الذي بدأ فيه الرأي العام الفلسطيني بالتنصل ممن كانوا مرة قادته. ومن شبه المؤكد أن النزاع الداخلي المقبل سيمتد إلى أعمال عنف خطيرة ضد إسرائيليين.

يدّعي البعض في اليمين الإسرائيلي أن ضم الضفة الغربية سيكون بمثابة ضربة قاتلة للآمال الفلسطينية لدولة هناك، وبذلك يضع حدا لجهود العنف التي تبذلها منظمات المقاومة بشكل دائم. ولكن حتى في الوقت الذي يتم فيه طرح مقترحات للضم في القدس، وفي حين أن القيادة الفلسطينية تبدو عازمة على إظهار عدم قدرتها على إقامة دولة لشعبها، فإن هناك عاصفة تلوح في الأفق. بالنسبة لإسرائيل، لا بد أن يشكل ذلك مصدر قلق حقيقي.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.