ملاحظات على هامش إحياء اليوم العالمي للمياه

بمناسبة إحتفاء الإنسانية باليوم العالمي للمياه، الذي تزامن هذا العام مع فقدان أكثر من ملياري إنسان من سكان هذا الكوكب لمصادر المياه النظيفة والصالحة للشرب، وفي فلسطين سجل عداد ضمور إمدادات المياه درجة جديدة من الخطورة بسبب سيطرة إسرائيل على مصادر المياه العذبة المتدفقة من أحواض الضفة الغربية.

هذه معطيات تذكرنا بالعديد من الحقائق الفريدة المميزة للصراع العربي الإسرائيلي؛ وفي مقدمتها أن المياه تؤدي دوراً غير الدور الفيزيائي الذي وجدت من أجله؛ وهو إطفاء ظمأ الإنسان وإطفاء النيران على حد سواء، فعلى قلتها لعبت المياه وما زالت دوراً رئيساً في إطلاق شرارة الحروب بين إسرائيل والدول العربية، لهذا شكلت أحد أهم نقاط الضعف في أي خطة تنمية فلسطينية تنشد الاستدامة، الأمر الذي مس مساً خطيراً بقطاع الزراعة كونه المكون الرئيس للاقتصاد الفلسطيني، وهذا المس طال باقي المكونات الاقتصادية الأخرى كالصناعة والسياحة؛ يعني ذلك ووفقاً لما جاء في الملخص التنفيذي للتقرير القطري المشترك عن حالة التنمية و (الضعف والحرمان) في فلسطين، المعد من قبل الأمم المتحدة، الذي أكد على أن نسب الفقر وشدة الضعف مرشحة لمزيد من الزيادة والتعمق في فلسطين، وهذ متغير لا ينبغي لدراسات المجتمع الدولي بما فيها (التحليل القطري المشترك) اغفال وجوده، لكي تلامس استراتيجيتها الانتاجية المأمولة.

إلى ذلك لم تفتني المعرفة المسبقة بأن مشكلة المياه في فلسطين هي مشكلة سياسية منبعها وجود الاحتلال الإسرائيلي، وتحكمه المطلق بمصادر المياه، حيث تستهلك إسرائيل ما يزيد عن 85% من مياه الضفة الغربية، وتبقي على أقل من 15% لاستخدام الفلسطينيين، الأمر الذي تسبب في تراجع معدلات الاستهلاك الأدمي للمياه في الأراضي العربية الفلسطينية المحتلة، علماً إن معدلات هطول الأمطار في القدس تضاهي مثيلتها في مدينة برلين وضواحيها؛ ومعدلات هطول الأمطار في مدينة رام الله تضاهي مثيلتها في باريس وضواحيها، يعني ذلك بأن المناخ في فلسطين ليس له صلة بالمشكلة أبداً، ويمكنني الاستناد إلى ما خلص إليه “كلمنس مسرشمد” الواردة في كتابه (أزمة المياه في فلسطين) حيث قال: “إن فلسطين من الدول القليلة في المنطقة التي تمتلك مصادر مستدامة ومتجددة للمياه”.

وهذه حقائق يجب أن تدفع الفلسطينيين للتفكير بحلول إبداعية للتغلب على معضلة ضمور مصادر المياه، لأن إسرائيل بالمقابل لا تتوقف عن التفكير في ابتكار طرق متجددة لسحب المياه من الأحواض الجوفية في الضفة الغربية، ومن الجدير ذكره هنا بأنه ما من خطوة عسكرية نفذتها إسرائيل إلا وشكل عنصر المياه أحد محاورها الرئيسة، فما زالت لغاية الآن تسحب مياه نهر الليطاني عبر قنوات فولاذية مطمورة تحت الصخور والتراب أسفل النهر إلى مجمعات مائية عملاقة في شمال إسرائيل، وهو المشروع الذي نفذته بعد اجتياحها لجنوب لبنان عام 1978م، وما زالت تسحب مياه (حوض البراجي) في شبه جزيرة سيناء إلى صحراء النقب، وحجزت خلف جدار الفصل أكثر من 90 مليون متر مكعب من مياه الضفة الغربية تضخ سنوياً لصالح المستعمرات وداخل إسرائيل نفسها.

حلول ممكنه لكنها بحاجة لدعم وثيق من المجتمع الدولي

من هنا يمكن التأمل بما لدينا من مصادر وموارد مائية على قلتها داخل منطقتي (A و B) للاستثمار فيهما وتطويرها، مستفيدين من نصوص القانون الدولي التي تمنح الفلسطينيين حق تطوير مصادرهم المائية.

المقصود هنا الحفر حول منابع قناتي (الفارعة والباذان)، لإنشاء بحيرة صناعية عملاقة، الغاية منها تجميع المياه الجارية في القناتين، وبناء خزان مياه استراتيجي (بحيرة) من المياه العذبة، مع سد (صناعي) بارتفاع 250 متر أو أكثر أو أقل وهذا يعني صناعة شلال للمياه قبل استكمال مسيرتها نحو مصبها في نهر الأردن، ومن شأن هذا المشروع تنظيم استهلاك المياه المتاحة كبديل للاستغلال الفظ للمياه في تلك المنطقة، مضاف إلى ذلك ضم الروافد واليانبيع الجديدة التي سيتم الوصول إليها من خلال الحفر العميق في باطن الأرض، وجر مياه سهل صانور (شتاءً) لهذا المجمع، وخاصة في ضوء فشل مشاريع المانحين لتوفير مياه الشرب للفلسطينيين، حيث أنخفضت معدلات استهلاك الفرد الفلسطيني عشرات المرات مقابل ارتفاعها لدى (المستوطنين) والإسرائيليين منذ التوقيع على اتفاقية أوسلو إلى الآن.

وتمتاز منطقة النبعين المذكورين بميزة جغرافية ومائية مهمة وهي إن خطوط التدفق المائي في الشمال الشرقي للضفة الغربية تسير باتجاه منطقة نبعي (الفارعة والباذان)، لتشكل المياه المتجمعة بحيرة صغيرة تحت تراب وصخور المنطقة ذاتها، وهذا يشير إلى إمكانية العثور على منابع اضافية في منطقة الحفر تثري عملية تجميع المياه وتخزينها، ومما لاشك فيه بأن هذه الخطوة هي خطوة ثورية بكل المعاني وتحتاج لكثير من الشجاعة ولكثير من المال؛ وجهد بحاجة لدعم وثيق من قبل المجتمع الدولي بقيادة هيئة الأمم المتحدة.
فوائد المشروع

1- توفير احتياجات المزارعين من المياه في مناطق (طوباس ونابلس والغور الشمالي وجنين ورام الله).
2- انتعاش الزراعة سيؤدي إلى دفع المستثمرين المحليين والوافدين إلى إنشاء مشروعات صناعية تخص القطاع الزراعي، وخلق فرص عمل وتشغيل جديدة.
3- المساهمة في حل معضلة البطالة، وتخفيض مستويات الفقر.
4- بناء مشروعات سياحية على جوانب المجمع المائي الجديد.
5- سيقدم للشعب الفلسطيني حل مستدام لمعضلة مياه الشرب والري.
6- يعزز إمكانية التوزيع العادل للمياه في شمال الضفة الغربية ووسطها.
7- وقف عمليات الهدر الفظ للمياه الجوفية من خلال بناء الخزانات الفردية والآبار المنزلية، والتي تستنزف المخزون الجوفي للمياه دون أي فائدة مستدامه.
8- بيع المياه وتوليد الكهرباء.
9- تغيير وجه المنطقة ورفعها لمرتبة المنطقة السياحية الأولى في فلسطين.
10- يمكن جر جزء من مياه السد المأمول لقطاع غزة عبر قنوات جر حديدية مطموره بعناية.

التحديات والمعيقات المتوقعة

1- العمل في المشروع لا يعني إيقاف نبعي (الفارعة والباذان) من الوصول إلى نهر الأردن.
2- تجنيد الدعم المحلي والدولي للضغط على إسرائيل للموافقة على تنفيذ هذا المشروع والمساهمة في تشييده.
3- شراء الأراضي الخاصة واستملاك العامة منها لغايات تنفيذ المشروع.
4- نقل السكان من أماكن سكنهم إلى أماكن سكن جديدة.
5- اقناع السلطة الوطنية بأهمية المشاركة في هذا المشروع.

المصادر والمراجع
ــــــــــــــــــــــــــــ

1- كلمنس مسرشمد، أزمة المياه في فلسطين، صفحة رقم 60
2- ناصر دمج، معضلات استراتيجية صفحة رقم 130
3- الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، الإحصاءات التراكمية للحسابات القومية.
4- الملخص التنفيذي للتحليل القطري المشترك لحالة التنمية في فلسطين
COMMON COUNTRY ANALYSIS 2016) ) Leave No One Behind: A Perspective on Vulnerability and Structural Disadvantage in Palestine. Executive Summary
(*) ناصر دمج
باحث ومؤرخ، ومختص في موضوع الصراع العربي الإسرائيلي، وموضوع الأسرى الفلسطينيين العرب والأسيرات.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.