“أعطى [القائد] الأوامر: ’يا شباب، كل الدبابات في صف واحد، في مواقع إطلاق النار، معا باتجاه حي البريج […]”

أنا شخصيا سألت قائدي: ’أين نطلق النار؟’ قال لي: ’أختر ما يحلو لك’. […] وقال القائد على جهاز الاتصال ان هذا ما يدعى ’صباح الخير البريج’. ’نحن نقوم بتنفيذ “صباح الخير البريج” يا رفاق – كان هذا ما قاله. في الأساس لإيقاظ الحي، لنظهر لهؤلاء الرجال أن ’الجيش الإسرائيلي هنا’، ولتنفيذ الردع.[…]”.

وعندها قال القائد على الراديو: ’3, 2, 1, أطلقوا النار’ وقام الجميع بإطلاق قذائف أينما أردوا، من دون سبب. لم يقم أحد بفتح النار علينا – لا قبل ذلك، ولا بعد ذلك، ولا خلال ذلك”.

هكذا وصف جندي إسرائيلي من سلاح المدرعات احد المواقف خلال عملية “الجرف الصامد” في الصيف الماضي في غزة. وقد بدأت وحدة المدرعات ذلك الصباح بقصف منسق على مخيم البريج للاجئين، وذلك على الرغم من أن القرية لم تشكل أي تهديد على القوات.

منذ العملية، تجولت مع زملائي من جمعية “كسر الصمت” في جميع انحاء البلاد للتحدث مع جنود وضباط شاركوا فيها. في المجموع قمنا بسماع 70 شهادة من مقاتلين وقادة خدموا في قوات البرية والبحرية وسلاح الجو. وصف الكثيرون منهم حالات مشابهة لتلك التي وصفها الجندي اعلاه من القوات المدرعة – حيث قام الجنود بإطلاق النار من دون اي هدف واضح ومحدد.
لكي نفهم هذه القصص الفردية، علينا ان نكون على دراية بالعقيدة العسكرية التي سمحت لهذه الحالات المتطرفة أن تصبح عادية بالنسبة للجنود. حيث أصبحت النار العشوائية أمرا روتينيا للقوات البرية.

شهادات الجنود الذين شاركوا في عملية “الجرف الصامد” تروي قصة جيش يستعد للذهاب للحرب. ولكن الأحياء مكتظة بالسكان كتلك الموجودة في قطاع غزة لا تلائم القتال الكلاسيكي الذي يحارب فيه جيشان بعضهما البعض بالدبابات والمدفعية والطائرات المقاتلة.

وقد بدا الحل لهذه المشكلة بسيطا: نحذر الفلسطينيين الأبرياء في المناطق التي نخطط دخولها تحذيرا مسبقا – وبعد ذلك نمضي قدما مفترضين أن كل من بقي في المنطقة هو إرهابي. كانت هناك حاجة لإسقاط منشورات من الجو لإنشاء ’ساحة معركة’، حيث اعتُبر كل من تبقى من السكان هدفا مشروعا. سيدة عجوز تم تركها هناك، رجل وحيد لم يكن يملك مكانا يذهب إليه، أو عائلة لم تتجرأ على ترك منزلها – أصبحوا جميعهم على الفور أهدافا.

قواعد الاشتباك ضرورية بهدف الحفاظ على أمن الجنود وذلك مع السماح باستخدام القوة المناسبة. بصفتي محارب مخضرم في الجيش الإسرائيلي، أعرف هذه القواعد جيدا. فهي تحدد الشخص كهدف مشروع فقط إذا كانت بحوزته الوسائل والنية والقدرة على إلحاق ضرر. الأوامر التي أُعطيت على الأرض خلال عملية “الجرف الصامد” جعلت من هذا المبدأ الأساسي الذي يقف وراء قواعد الاشتباك، باطلا. وكأنه من دون أهمية.

على سبيل المثال، تلك الطريقة التي وصف بها جندي (من وحدة مشاة مجهزة بالمركبات) قواعد الاشتباك خلال العملية: “كل من في الداخل هو تهديد. يجب تطهير المنطقة من الناس. إذا لم نر شخصا يلوح بعلم أبيض ويصرح ’أنا أستسلم’، فه يشكل تهديدا ولدينا الصلاحية بإطلاق النار”. قال جندي من لواء “ناحل”: “لا توجد قواعد لإطلاق النار. إذا رأيتم أي شخص في هذه المنطقة – فهو إرهابي”.

تحدث الجندي من القوات المدرعة التي شاركت في إطلاق النار في البريج عن شعوره بعد ذلك. “لقد ضايقني الأمر كثيرا. أشعر بعار كبير لقيامي بذلك”. ولكن هو وآلاف الجنود غيره لم يتصرفوا كأفراد. فهم مثلوا دولة إسرائيل وقاموا بما قاموا به باسمنا، وباسم المجتمع الإسرائيلي.

يدّعي المتحدثون الرسميون أنه خلال العملية قام الجيش الإسرائيلي بكل ما في وسعه لتفادي سقوط ضحايا من المدنيين. ولكن شهادات الجنود، التي جمعتها جمعية “كسر الصمت”، تكشف أن هذه الكلمات المموهة ما هي إلا أكاذيب، تهدف إلى إخفاء واقع بشع وعنيف. واقع بحسبه اي إصابة للمدنيين هي نتيجة محسوبة لسياسة متعمدة تخفف القيود على استخدام القوة من قبل جنودنا.

من الخطأ ان يتحمل الجنود الذين أدركوا أنه تم إرسالهم إلى غزة لإطلاق النار العشوائية على الأحياء المدنية عار سلوك الجيش الإسرائيلي لوحدهم.
علينا أن نسأل أنفسنا أذا كنا مستعدين ان نقف صامتين، في الوقت الذي يتم فيه محو قيمة حياة الإنسان في الجانب الآخر بصورة متزايدة بواسطة عقيدة القتال الخاصة بالجيش الإسرائيلي.
هل نختار أن نكون مسؤولين عن 2,000 أو 3,000 قتيل إضافي في العملية القادمة في غزة؟ لستُ، وليس عشرات المقاتلين الآخرين الذين خدموا في عملية “الجرف الصامد”، على استعداد ان نغمض أعيننا عن هذا الواقع. نختار كسر الصمت بصرخة “لا” مدوية.

تابعونا على تويتو
لنشر آرائك ومدوناتك في الموقع ارسل الى البريد الالكتروني arabic@timesofisrael.com

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.