عندما تعمل مع رئيس الوزراء مؤسس الدولة منذ بداياتها الأولى، وتبقى رجل الدولة الأبرز فيها بعد سبعة عقود، فسيكون لديك تأثير على حياة الكثير من الأشخاص. بشكل مباشر وغير مباشر، أثّر شمعون بيريس بالتأكيد على حياة إسرائيليين أكثر من أي شخص آخر. وإذا لم نصبح الأمة التي تعيش بسلام التي سعى إليها، فبكل تأكيد لم يكن السبب أنه لم يحاول.

بالنظر إلى الوراء عبر مقاطع فيديو اليوم، أدركت أنه لا بد وأنني أجريت لقاءات مع بيريس أكثر من أي شخص آخر. عام بعد عام عندما كان رئيسا؛ قبل بضعة أعوام من على منصة الجمعية العامة للإتحادات اليهودية في القدس؛ في قمة الإعلام اليهودي العالمية هنا في عام 2014؛ في الحفل الخيري الذي نظمه تايمز أوف إسرائيل في نيويورك أمام 1,200 شخص، وبعض المرات الأخرى. وتعرفت عليه فقط في مراحل متأخرة من حياته الإستثنائية.

الموضوع الثابت في حواراته، في سنواته الرئاسية وما وراء ذلك، كان أن السلام قابل للتحقيق. كان يقول، حتى في أسوأ الفترات، بأن محمود عباس هو “بكل تأكيد” شريك للسلام. كان ينتقد ضمنا رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو، وآخرين، لعدم بذلهم الجهود الكافية للدفع بالسلام. “إذا كنت قد اتخذت قرارا حول إقامة دولة فلسطينية، عليك إذا أن تحرص على حدوث هذا القرار”، كما قال لي مرة، وسألني بنبرة حزينة، “ما البديل إذا؟ أن تكون هناك دولة واحدة وأن تقرر الغالبية طبيعتها؟”

الرئيس الأمريكي باراك أوباما سارع إلى الإشادة ببيريس، بعد وفاته، واصفا إياه بأنه رجل غيّر مجرى التاريخ، وعلى أنه “جوهر إسرائيل نفسها”. كانت الثقة والمحبة متبادلتين. كان ذلك معتقد آخر من معتنقدات بيريس الثابتة في السنوات القليلة الأخيرة – أن إسرائيل بإمكانها وعليها أن تثق بأوباما، لضمان أمن إسرائيل إذا مضت قدما وعندما تمضي قدما مع الفلسطينيين، ولمنع إيران من الحصول على قنبلة.

منتقدو بيريس، الكثير منهم أصبح أكثر تقديرا واحتراما له مع مرور السنوات، سيقولون إنه كان ساذجا بشأن نوايا الفلسطينيين، وساذجا حول إيران. عندما كانت تتم مواجهته بذلك، كان يهز رأسه بشكل معتدل، من دون أن يبدو عليه الإرتباك المفرط ويقول بهدوء ولطف، ولكن بطريقته التي لا هوادة فيها، بأن قوى التكنولوجيا والطموح والشباب في نهاية المطاف تعود بالفائدة ولا يمكن مقاومتها. لا يمكن مقاومتها حتى بالنسبة لأنظمة مثل نظام آيات الله. “لا يوجد للحكومة الحالية في إيران مستقبل”، كما قال لي بقناعته الكاملة، في عام 2013. “مشكلة إيران هي التوقيت، وليس الحكم. إنها حكومة من دون رسالة – ليس فقط للبشرية، بل لشعبها أيضا”.

بعد عامين، في الحفل الخيري الذي قمنا بتنظيمه، فصّل كلامه أكثر: “إيران ستتغير أيضا. لا يمكن لنظام آيات الله أن يكون حكومة أبدية”. الضغوطات المطالبة بالإصلاح من قبل الشباب الإيراني ستكون من بين العوامل التي ستساهم في زوال النظام، كما تنبأ: “خلال 10-15 عاما، ستخرج إيران من المياه، وبالتالي من آيات الله، برأيي”.

مع مرور السنين، لانت وتيرة بيريس قليلا، أنماط خطابه أصبحت أبطأ. ولكن فضوله لم يبهت أبدا، ولا شغفه لكل ما هو وإبداعي. عندما زار أوباما إسرائيل في 2013، كان بيريس، 89 عاما في ذلك الوقت، هو الخيار الطبيعي لإرشاد الرئيس الأمريكي في معرض للتكنولوجيا الإسرائيلية المبتكرة في متحف إسرائيل . قبل ثلاثة أعوام من ذلك، أتذكر حديثه في مؤتمر في القدس، من دون مسودة، لأكثر من نصف ساعة حول التكنولوجيا. في مطعم الفندق في المساء الذي سبق حفلنا الخيري، أجرى حديثا عميقا مع معجزة الكمبيوتر الشابة كيرا رادينسكي، التي تستخدم المعرفة على شبكة الإنترنت وديناميكيتها للتنبؤ بأحداث مستقبلية.

كان بيريس وجه إسرائيل الذي يريد العالم رؤيته: دافئا وحكيما، مؤمنا بجوهر الخير في البشرية. في الواقع، لقد كان وجه إسرائيل الذي نريد نحن رؤيته – مع سعي دائم لمستقبل أكثر أمنا وأفضل وأكثر هدوءا.

لكن لم يكن جميعنا قادرا على مشاركته ثقته في ما يمكن تحقيقه. وهو ما كان رد بيريس عليه مرة في حديث له معي: “الشك هو ليس بسياسة. إن الشك هو لغز. إذا كنت تريد حل كلمات متقاطعة، فتفضل. عليك إتخاذ مواقف”.

وقال إنه من المفهوم والمقبول، بالنسبة لنا نحن الإسرائيليين، أن نشعر بالتهديد. وبالتالي، كما قال، “عمليا استعد بأفضل طريقة ممكنة للأسوأ، واستعد لتغيير الوضع إلى الأحسن. لا أقترح أن تقوم إسرائيل بالتقليص من قوتها. ولكنني لا أقترح أيضا أن تقلص إسرائيل من رغبتها للسلام”.

أثّر شمعون بيريس في حياة الكثير من الأشخاص خلال مشواره الفريد من نوعه. وهو بالتأكيد أثر بي. عندما كنت أفكر في تأسيس تايمز أوف إسرائيل، سألت مكتبه الرئاسي إذا كان مستعدا للقائي، ووافق من دون تردد. حضّني على تأسيس الموقع بطريقة ما في شراكة مع فلسطينيين، ولكن بعد أن شعر بأنني لا أنوي فعل ذلك، شجعني على الخطوة على الرغم من ذلك. صوت بيريس كان يتردد في مسمعي في مكان ما، بعد تأسيس الموقع ونجاحه، قررنا تأسيس نسخة عربية لتايمز أوف إسرائيل – ليس كوسيلة للدعوة إلى السلام، كما كان هو يرغب على الأرجح، ولكن كوسيلة لتمكين العالم العربي من فهم إسرائيل بطريقة أفضل من خلال صحافة مهنية ومنصفة، وهو أمر أعرف أنه احترمه أيضا.

مثل ملايين آخرين، سأفتقد أنا أيضا شمعون بيريس كثيرا. أرغب بالعيش في هذا العالم الأفضل الذي آمن، حتى يومه الأخير، بأنه في مكان وفي انتظار تحقيقه، لو تحلينا فقط بالرؤية والإرادة.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.