إتفاق الأسبوع الماضي بين إيران والقوى العظمى، مع القضاء على التهديد النووي الإيراني في المستقبل القريب ورفع العقوبات عن نظامها المتطرف، يمهد الطريق إلىر شق أوسط مختلف كليا – وغير محدد حتى الآن.

رفض رئيس الوزراء نتنياهو المطلق للإتفاق – والذي ردده معظم السياسيين الإسرائيليين وغالبية الرأي العام الإسرائيلي – لم يساهم كثيرا في تحضير البلاد لهذا الواقع الجديد. بدلا من محاربة نتيجة الجهود الدولية لمنع التهديد النووي الإيراني (الذي جاء نتيجة لإلحاح القادة الإسرائيليين المتوالين)، يعتين على أولئك الذين يهتمون بأمر إسرائيل ومستقبلها أن يدرسوا بعناية تداعياته المختلفة والتأقلم وفقا لذلك.

يمكن القول أن خطة العمل الشاملة المشتركة التي تم التوقيع عليها في فيينا في 14 يوليو هي الإنجاز الأبرز للدبلوماسية الدولية في السنوات الأخيرة. الوثيقة الواسعة التي تم تسويتها على يد ممثلين لقادة مجموعة 5+ 1 تحدد بتفصيل ممل وتقني إغلاق برنامج الأسلحة النووية الإيرانية (على الأقل للعشر سنوات القادمة) ورفع العقوبات الإقتصادية التي أثرت بشكل كبير على إقتصادها ونموها. مما لا شك فيه أن الإتفاق بعيد كل البعد عن الكمال، لكنه أيضا من دون شك تتويج لتضافر الجهود الدولية لمنع تهديد نووي إيراني وشيك وكل ما ينطوي على ذلك.

من وجهة نظر إسرائيلية، على الرغم من الخطاب الرسمي، يأتي الإتفاق بارتياح كبير وقدر كبير من القلق. التهديد بإيران نووية – الذي ينظر إليه بإستمرار بأنه أكبر تهديد وجودي تواجهه إسرائيل – تمت تسويته. في الوقت نفسه، إستعادت إيران قدرا من الشرعية الدولية – إلى جانب أدوات إقتصادية لزيادة تأثيرها الضار في جميع أنحاء المنطقة. بالتالي فإن الإتفاق يمثل مجموعة متباينة من التحديات وليس فقط لإسرائيل، بل لبلدان أخرى في الشرق الأوسط وخارجه.

الطريقة التي قررت فيها حكومة نتنياهو (ومعظم من في المعارضة) التعامل مع فرص وتهديدات متوقعة كامنة في الإتفاق كانت، حتى الآن، قصيرة النظر. أطلق رئيس الوزراء هجوما شاملا على الإتفاق وواضعيه – جماعيا وفرديا على حد سواء. إصراره على رفض الإتفاق المطروح يُستخدم محليا لحشد الرأي الإسرائيلي حول تهديد مزعوم آخر ضد الوجود الإسرائيلي، وخارجيا لبدء حملة منسقة لإحباط تنفيذه. في كلتا الحالتين، نهج السيد نتنياهو خاطئ وسيأتي بنتائج عكسية.

خلال الأسبوع المنصرم، أظهرت الحكومة الإسرائيلية الحالية إصرارها على مهاجمة إجماع المجتمع الدولي من خلال التركيز بالتحديد على الإدارة الأمريكية الحالية وقائدها. وجه نتنياهو عينيه إلى الكونغرس آملا في حشد الأصوات الكافية ليس فقط لهزم الإتفاق في تلة الكابيتول، ولكن أيضا لتجاوز حق النقض الرئاسي في وقت لاحق. خلال هذه العملية أدار نقاشا علنيا مع الرئيس أوباما ووزير خارجيته جون كيري، معمقا تورط إسرائيل الحزبي مع قيادة الحزب الجمهوري، وسعى بوقاحة إلى تقسيم الحزب الديمقراطي، وبصورة غير معقولة زاد الإنقسامات في صفوف الطائفة اليهودية الأمريكية (“إيباك” إحتشدت حول رئيس الوزراء؛ “جيه ستريت” أيدت الإدارة الأمريكية).

على الأرجح أن تفشل هذه الجهود، التب ما كانت يجب أن تبدأ، في جميع الإحتمالات، في المقام الأول. حتى لو كان هناك إحتمال مستبعد أن تأتي بثمارها في نهاية المطاف وأن يصوت الكونغرس بأغلبية ساحقة ضد الإتفاق مرتين، هذا لوحده لن يوقف الإتفاق. لا يمكن وقف عملية بدأت تتحرك في أوروبا والأمم المتحدة؛ قد ينشر ذلك مزيدا من الفوضى فيما هو أصلا وضع متفجر في المنطقة.

بالنسبة لإسرائيل، فإن الضرر الذي أحدثته التكتيكات الغير مدروسة للحكومة قد يكون أكبر من ذلك بكثير. في المقام الأول، وضع إسرائيل بمعرفة مسبقة ضد العالم بأسره تقريبا – وخاصة حلفائها التقليديين – لا يمكن إلا أن يساهم في العزلة التي تحاول جاهدة منعها في السنوات الأخيرة (بالتزامن مع طرح المزيد من التساؤلات الغير مرغوب بها حول شرعيتها).

ثانيا، من خلال مواجهة الولايات المتحدة بشكل علني، تتصرف حكومة إسرائيل مباشرة لصالح إيران، التي يقوم قادتها بفرك أيديهم غبطة مع رؤيتهم للصدع بين عدويها اللدودين.

ثالثا، عدم إستعداد رئيس الوزراء بشكل مثير للإهتمام العروض الأمريكية لتحويل أسلحة معقدة في أعقاب إتفاقية فيينا قد يكون كلف إسرائيل غاليا (ولكن زيارة وزير الدفاع كارتر قد تشير إلى أن المؤسسة العسكرية منفتحة لمثل هذه المباردات).

أخيرا، والأكثر أهمية، من خلال تجنب التصالح مع تعقيدات ما يبدو، بكل معنى عملي، كإتفاق محسوم، قد يكون نتنياهو وأنصاره يساهمون بشكل كبير في المساس بمصالح إسرائيل الأساسية على المدى الطويل.

هذا هو السبب في أن نجاح رئيس الوزراء في حشد الرأي العام الإسرائيلي – إلى جانب دعم النخب الرئيسية من جميع ألوان الطيف السياسي – هو في أحسن الأحوال إنتصار باهظ الثمن. في الأيام الأولى بعد توقيع الإتفاق، لم يجد الإتئلاف صعوبة في اللعب على وتر المخاوف الكبيرة الموجودة أصلا فيما يتعلق بإيران. كان من السهل شن هجوم ضد ما تم تصويره رسميا كخضوع دولي ساذج لمكائد آية الله في طهران، على الرغم من أنه تم فعل ذلك على حساب إبراز جنون الإرتياب عميق الجذور وتمت رعايته بمهارة من قبل أولئك الذين يصرون على التأكيد على أن العالم بأسره ضد إسرائيل. هم يزعمون بأنه فقط من خلال عرض وحدة وطنية غير متزعزعة يمكن ضمان بقاء إسرائيل في هذه الظروف.

ومن المفارقات أن الحكومة حصلت على مساعدة من شخصيات في المعارضة. لقد إستخدموا الحشد ضد الإتفاق بإسم الفكرة الغامضة التي تتعلق بالأمن القومي كوسيلة لتسليط الضوء على فشل نتنياهو في منع تحقيقه (يائير لابيد) وكتبرير مفيد، على الأقل بشكل مؤقت، لتسهيل دخول الحكومة (يتسحاق هرتسوغ وتسيبي ليفني). مع إستثنائات قليلة – على الأخص بعض الأصوات في المؤسسة الدفاعية وعدد من السياسيين في اليسار – فإن الإجماع المحلي الذي تم تصميمه في الأسبوع الماضي عزز من قناعة تحركها الحكومة بأنه ما زال بالإمكان وضع حد للإتفاق الإيراني.

هذا وهم غير مسؤول وبالكاد يخدم إسرائيل إستراتيجيا. في حين أنه قد يساعد نتنياهو من خلال تحقيق إستقرار في إئتلافه الحكومي الضئيل، فهو في أفضل الحالات يؤخر الضرورة في مواجهة وضعية إسرائيل الجديدة بأشهر قليلة. في أسوا الحالات، فإنه يعيق الخيارات الإسرائيلية أكثر. الآن، وأكثر من أي وقت مضى، هو الوقت للتوقف عن النظر إلى الوراء والبدء في التطلع إلى المستقبل بطريقة مختلفة بعض الشيء. أولئك الذين يدعون بأنهم يرتدون عباءة القيادة التاريخية عليهم الإنخراط في إعادة تقييم جدي للبدائل الإسرائيلية في ضوء التحولات الوشيكة في ميزان القوى الإقليمي، وتكريس أنفسهم لإعادة تصميم دقيق لسياساتها.
مثل هذا التعهد – كما لمح بعض من في السلطة – لا ينبغي أن يبدأ مع خطاب شوفيني يقوم بعرض سيناريوهات عسكرية تساهم فقط في زيادة تقويض قابلية إسرائيل للإستمرار. بدلا من ذلك، ينبغي إلقاء نظرة أكثر قربا على إحتمالات التوصل إلى تفاهم مع بعض جيران إسرائيل.

في شرق أوسط جديد، حيث تم تعزيز القوة الشيعية المدعومة من إيران لمواجهة التوسع السني المتطرف على شكل تنظيم “الدولة الإسلامية”، ينبغي على إسرائيل دراسة إمكانية إبرام إتفاقيات مع دول عربية معتدلة فيما يمكن أن يكون نسخة محدثة لمبادرة السلام العربية. مفتاح تحالف كهذا لا يزال، بشكل غير مفاجئ، يكمن في التوصل إلى تسوية دائمة في الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي. هناك حاليا بعض الخطوات في هذا الإتجاه. ولكن هذه الخطوات ستكتسب زخما فقط في حال قامت إسرائيل بالتعاون مع الأطراف الموقعة على إتفاقية فيينا من خلال التنازل عن رفضها القاطع لبنودها، والإعتراف بأنها أكثر أمنا اليوم مما كانت عليه قبل أسبوع، والبدء بإصلاح علاقاتها مع القوى العظمة الموقعة على الإتفاقية – وخاصة الولايات المتحدة.

يقوم المنطق في الإتفاق مع إيران على تفضيل واضح للدبلوماسية البناءة. ستقوم إسرائيل بعمل جيد إذا إستوعبت هذه الروح الدبلوماسية مع تحليل حذر للواقع ما بعد الإتفاق والتعديل الإستراتيجي لسياساتها لتخدم إحتياجاتها وتطلعاتها في السنوات القادمة بشكل أفضل.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.