يعيش أبناء الطائفة الدرزية في الأيام الأخيرة حالة من التوتّر والنقاش الحادّ مصدرهما خبر إنهاء أوّل فتاة درزية دورة ضباط في الشرطة الإسرائيلية. ومن أجل الانصاف فإنّ هذه الفتاة لربما تكون الأولى التي تصل إلى هذه الرتبة في سلك الشرطة، ولكنها ليست الوحيدة، وبهمّة ودعم اللجان العاملة بدأب على تشجيع الخدمة الوطنية عند البنات في قرانا، فعلى الأغلب لن تكون الأخيرة، ونحن بصدد ارتفاع في نسبتهن المئوية في السنوات القريبة.

مقالي لم يأت ليضيف وجها أخر أو بُعدًا جديدًا للحوار حول أبعاد هذه الظاهرة؛ بل جاء ليعبّر في البداية وقبل كل شيء عن الخذلان والاستياء المتكرر اللّذَين يشهداهما أبناء الطائفة من قياداتها السياسية والدينية، واختفائها المفاجئ في كل مرة تهبّ رياح شمالية تطلب منها موقفًا صريحًا من قبلها. وليس شرطاً بأن يكون مناصرًا أو معارضًا لهذا الموضوع أو ذاك، بل من باب المسوؤلية الملقاة في الأساس على كل من يعرّف نفسه قائدًا، وقد نسي أنّ من ركائز القيادة قدرتها على اتخاذ موقف صريح تجاه مواضيعنا الاجتماعية والسياسية الحاسمة بشجاعة حتى لو كانت مناقضة للأغلبية من بيننا.

وفي ظل هذا الغياب المخجل جلّ ما نحتاجه هو العمل على تطوير نقاش إنسانيّ حضاريّ، يعتمد الصّراحة والمباشرة، نقاش يطرح قضايانا بمختلف مستوياتها لعلنا بذلك نتداولها بعمق ورغبة كبيرة للحفاظ على موروثنا من كل ما تهدد كياننا كمجموعة إثنية- ثقافية، وعن نفسي ضمن هذه القضية المقلقة فأنا أرفض التحاق فتيات من الطائفة الدرزية بأي جهاز أمنيّ كان. هذا الموقف ينبع من إيماني التامّ بأن مثل هذه الظاهرة تشكّل خطرًا بل قضاء على كياننا كمجموعة إثنية-ثقافية مميّزة في بلادنا على المدى البعيد.

موقفي هذا طبعًا لا يلقى الأثر الطيّب عند من هو منهمك في الأيام الأخيرة في جمع أكبر عدد من طلبات الانتساب إلى واحد من أحزاب اليمين اليهودية، ويجلس في صالون بيته تحت صورة “المرحوم” دافيد بين غوريون، ولكلّ من يرى بالدفاع عن أمن الدولة ومصالحها هدفًا ساميًا في حياته. لأنه في مثل هذه الحالة تتحول الدولة إلى فتاة حسناء لا يحقّ المسّ بشعورها، وكعاشق محبّ دائمًا على استعداد لتقديم جميع التضحيات وإن طال الأمر ليس فقط بتجنيد أبنتة بل زوجته وحماته أيضًا. في حين أرى بها أنا دولة كأي دولة أخرى في العالم، في الأساس جهاز لقوى سياسية متناحرة بينها على مصالح وقضايا قد ألتقي مع جزء من قيادتها في مواضيع معينة، وقد أتناقض مع أخرى إذا كان الأمر يضرّ بمصلحتي ومصلحة مجموعتي.

تشجيع المعارضة لموضوع التجنيد من قبل جزء ممن يُعرف بالرّفاق والقوى الوطنية، ومن المحسوبين على الفئة التي تطاولت على أبناء عشيرتنا خلال الحرب الأخيرة على غزة وحولتنا إلى المتّهمين الأوائل فيها، غير مرحب به. لأن موقفها المعادي لموضوع خدمة الفتيات في الشرطة غير منبثق من التناقض الكلي مع مواصفات مثل هذه الوظائف ومركّبات مجتمعنا الثقافية، وإنما في الأساس لأنهن يخدمن في مؤسسات إسرائيلية، في حين أنّه لا مانع عندهم فيما لو كُنَّ يخدمن في شرطة السلطة الفلسطينية على سبيل المثال.

من المؤسف أيضًا أن موضوع الخدمة في الشرطة أصبح بطاقة الدخول لعدد من النساء الفعالات من أجل رفع مستوى المشاركة النسوية عند النساء الدرزيات وحقوقهن. فهي تشبه حالة العبد الذي يحاول التحرّر من قيوده من خلال جلاده. الأنكى من ذلك أنهن بذلك يضحين بشركاء وموالين حقيقيّين ككاتب كلمات هذه المقالة التي تهدف لرفع مستوى المشاركة النسوية في جميع الأطر الاجتماعية والسياسية التي تجمعنا سويةً بما فيها السياسية، كالمجالس المحلية وحتى الدينية كالمجلس الديني وغيره، بل يشككون في استعدادهن الحقيقي ومصداقية اندماجهن من أجل تغيير جذري طالما أنهن يتسلحن بالقشور.

كلّ نقاش يدور حول موضوع الخدمة في الشرطة مع إنسان مادي، يقيم آراءه في مواضيع اجتماعية وسياسية حسب موازين البورصة، ويحتمي خلف مقولات مثل، “هل تنظيف البيوت والعمل في المصانع أفضل” هو نقاش لا يُجدي، لأنّ مثل هذه التبريرات تأتي من دوافع سطحية مادية بحتة. ولا يمكن تطوير قاعدة مشتركة حول الأبعاد الاجتماعية والثقافية.

النقاش في مثل هذا الموضوع يفقد جدواه إذا دار مع زميل من فترة الدراسة الجامعية اتخذ في السنوات الأخيرة من حيفا مسقطًا لرأسه وأصبح يعرف بأبو إيلان واسم ابنه الثاني يرون، وتكاد تكون علاقته الوحيدة مع أهل قريته بالكاد في المناسبات وعلى الأغلب الحزينة، ومرجعيته للحفاظ على بقاء مجتمعنا هي العجوز الإشكنازية بنت الثمانين عامًا وكلبها بوتشي، والتي تسكن في الطابق الخامس، والعائلة الروسية التي وصلت البلاد منذ عشر سنوات و”مقطوعة من شجرة” من الطابق السابع لنفس العمارة.

ليس الدافع الديني هو سبب رفضي لهذه الظاهرة، فأنا غير مطلع على ما تحويه نصوص الكتب الدينية عن خدمة الفتيات في سلك الشرطة، ولا حق لي بأن أبرر رفضي من هذا المنطلق، وأنا نفسي لا أمارس الطقوس الدينية التوحيدية، بل أخالف الوصايا العشر المنزلة في كثير من الأحيان.

كل ما في الأمر أني مؤمن بأنّ بقاء مجموعات وأقليات اثنية – ثقافية، مرهون بقدرتها على الحفاظ على مركباتها الثقافية، وأعرافها وعادتها التي تميزها عن باقي المجموعات الأخرى وتحديداً تلك التي تعيش في محيطها، وإلّا فإنها ستنصهر وخلال سنوات ستزول.

هذا الأمر هو الذي يحتّم على هذه المجموعات الثقافية والأقليات احترام المركّبات التي تميزها وعدم التنازل عنها. فيركع الإنجليز للعرش الملكي، ويعتزّ الأشوريون بملابسهم، ويربّي السيخ في الهند شعورهم، ويحتفل ألاوزراستيان بعيد النار، وتزيّن القبائل البرزيلية الأمازون ، ويمارس ألاكراد موسيقاهم، ويصارع الباسكيون الثيران، والتاميل في سرلينكا العجول وعشرات من الأمثلة الاخرى.

أفراد هذه المجموعات لا يخالفون ولا يتنازلون عن مركّباتهم الثقافية وعاداتهم المتبادلة لأسباب قانونية أو لأنهم غير مطلعين على الأنماط الحياتية لمجتمعات أخرى، بل يقومون بذلك من منطلق الإيمان التامّ بأن الحفاظ على هذه المركّبات تعدّ ركنًا أساسيًّا في الحفاظ على المجموعة كمجموعة ثقافية – إثنية مميزة.

من المحزن جدًا أن تبربر مصداقية الحفاظ على مركّبات ثقافية وعادات خاصة بمجموعتنا أصبح موضوعًا يجب البحث عن شروحاته في نصوص الدين أو في قانون العقوبات والجنايات. والمؤسف أكثر هو أنّ تهميش وتكسير هذه المركّبات أصبح موضة عند شريحة في مجتمعنا بما فيها نخبة من المثقفين أصبحت أكبر أنجازاتهم التصدي وكسر كل ما يجمعنا سوية.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.