شنت اسرائيل حملة شاملة ضد نشر التوجيهات الأوروبية التي تتطلب وضع العلامات على منتجات المستوطنات في الوقت نفسه التي قامت وزيرة العدل، اييليت شاكيد، عممت نص مشروع قانون يجبر ممثلي المنظمات غير الربحية الذين يتلقون غالبية تمويلهم من الحكومات الأجنبية (وخاصة الولايات المتحدة وأعضاء الاتحاد الأوروبي) لارتداء شارات تعلن مصادر دعمهم. كيف يمكن تبرير معارضة وضع علامات على المنتجات, بينما تستعد إسرائيل لسن قانون يضع علامة على بعض مواطنيها؟ الحقيقة هي أنها ببساطة لا يمكنها فعل ذلك، وهذا أفضل سبب ممكن لوقف هذه الحماقة قبل تقويض ما تبقى من الوجه الإنساني والديمقراطي لإسرائيل.

مبادرة شاكيد التشريعية الجديدة هي الاحدث في سلسلة مقترحاتها التي طرحتها خلال السنوات الخمس الماضية بهدف استفراد، تشويه السمعة، نزع الشرعية، وسحب التمويل وفي النهاية تدمير حقوق الإنسان والمجتمع في مجال الحقوق المدنية (ومعها إسرائيل والاتحادات الشعبية التي تبقيها على قيد الحياة والنضال من أجل المعاملة العادلة وديناميكية الانتقادات المهمة جدا لحيوية الديمقراطية). في أوائل عام 2011، سعى أفيغدور ليبرمان إلى إجراء تحقيق برلماني لمنظمات حقوق الإنسان، معتبرا اياهم “منظمات إرهابية تحرض على الإرهاب”. على الرغم من اسقاط هذه المبادرة في تصويت الكنيست، لا حزب ليبرمان (يسرائيل بيتينو) ولا حلفائه على اليمين- وعلى وجه الخصوص حزب هبايت هيهودي وحزب الليكود- قد تخلوا عن جهودهم المنهجية لتقييد تلك الجماعات المكرسة لضمان التزام إسرائيل بالمعايير الإنسانية العالمية.

لقد كانت اييليت شاكيد نشطة بشكل خاص في هذا الصدد. قبل انتخابها للكنيست، إلى جانب زعيم حزبها، وزير التعليم نفتالي بينيت، أسست وادارت الشبكة الاجتماعية MyIsrael (اسرائيلي) التي قادت حملة ضد جماعات حقوق الإنسان في البلاد. في الكنيست الأخيرة، لقد نصت اثنين من مشاريع القوانين الساعية إلى القاء ضرائب كبيرة على المنظمات الممولة من حكومات أجنبية (اسقط كلاهما خلال تصويت للكنيست). الآن, تمنح شاكيد دعما حكوميا رسميا لنسخة معينة خبيثة لتشريعات مناهضة للمنظمات غير الحكومية المقدمة في الأساس من قبل زميلها في الحزب، عضو الكنيست بتسلئيل سموتريتش (بذاتها مناورة مقترحة من قبل عضو كنيست آخر، ينون مغال).

يتم تبرير هذا الدعم الرسمي، على الأقل ظاهريا، كنتيجة طبيعية حيوية لحكومة ناجعة: الشفافية. وفقا لأنصارها، وضع علامات معينة على نشطاء المنظمات غير الحكومية ليس أكثر من مطابقة لادنى المتطلبات للانفتاح المطلوب لأي حكومة منتخبة وديمقراطية تحترم نفسها.

هذه حجة مخادعة بعض الشيء، مع ذلك، لا تثبت أمام أي اختبار واقعي أو منطقي. أولا، قانونا يلزم الكشف الكامل عن تمويل حكومي أجنبي موجود مسبقا (صدر عام 2011، يرغم جميع التبرعات من الكيانات السياسية الأجنبية على تبليغ فوري عنها لسجل المنظمات غير الحكومية حيث سيتم عرضها على الملأ على مواقع شبكة الانترنت). ان مشروع القانون الجديد غير حيوي بشكل مضجر. ثانيا، لانه لا يساعد على تفسير سبب السماح لأكثر من مليار يورو من التمويل الأوروبي للأبحاث الاسرائيلية في الجامعات والصناعات، في حين أن الدعم للجماعات المدنية، التي لا تقل أهمية لتعزيز ازدهار المجتمع، تعتبر تدخلا في الشؤون الداخلية لإسرائيل.

في السياق نفسه، ان ما يسمى اليوم ب “قانون الشفافية” يحجب الواقع: انه يميز بين التمويل الخارجي الخاص والعام: الأول، الذي يدعم المنظمات والمؤسسات والأحزاب اليمينية، لا يخضع لأية رقابة عامة؛ الاخر, يفحص بشكل تفصيلي ومكثف في حين يكون التمويل متجها للمنظمات التي لا تحظى بموافقة من هم في السلطة.

بقدر لا يستهان به من السخرية، إن لم يكن ذلك نفاقا محضا، انه يرافق ما يمكن أن يسمى بشكل أنسب ب”قانون التوسيم”. يتم بالكاد تفسير ذلك عن طريق الادعاء بأن الطلب ليظهر العملاء الأجانب أنفسهم بوضوح هو امر شائع في الديمقراطيات الأخرى (قانون الولايات المتحدة يتطلب من أولئك الذين يتلقون تمويل من مصادر خارجية لتسجيل انفسهم كعملاء أجانب الذي كان مطبق لسنوات). ما يهمل ذكره مؤيدي المبادرة الإسرائيلية الحالية عن هو أن المشروع الأمريكي يتطلب من المستفيدين من القطاع الخاص كما اولئك من القطاع العام متلقي التمويل الخارجي للاعلان عن انفسهم على هذا النحو ايضا (أو، في هذا الصدد، أن النموذج الحقيقي للتشريع الاسرائيلي المقترح يقابل مشروع قانون مطبق في روسيا عهد بوتين قبل عامين بالكاد, لاحباط المدافعين عن حقوق الإنسان).

اهتماما اكثر جدية، لذلك، يجب أن يعطى للأسباب الاعمق التي قدمتها وزيرة العدل شاكيد في محاولة لشرح القيود المقترحة على نشاط المنظمات غير الحكومية. يقترح أحد المبررات الرئيسية ان وضع علامات ترمز لمنظمات مثل منظمة بتسيلم، مركز عدالة وكاسري حاجز الصمت ضروري لحماية الديمقراطية في إسرائيل: “إن التدخل السافر من الحكومات الأجنبية في الشؤون الداخلية لدولة إسرائيل من خلال المال هو ظاهرة واسعة الانتشار غير مسبوقة والتي تنتهك جميع القواعد والمعايير في العلاقات بين الدول الديمقراطية”.

ادعاء كهذا، في هذه الأيام، يعتبر في أحسن الأحوال زائفا. بطبيعة الحال, لم يمتنع رئيس الوزراء نتنياهو عن المشاركة في النقاش الأمريكي بشأن الصفقة مع إيران (أو، في هذا الشأن، حول انتخابات الولايات المتحدة). وكذلك متبرعه الأمريكي، شيلدون اديلسون، لم ينأى بنفسه عن الشؤون الاسرائيلية الداخلية.

كما يعرض هذا الادعاء أيضا سوء فهم أساسي لمكان المجتمع المدني في الديمقراطيات. تؤدي الجمعيات المدنية أدوارا ديمقراطية أساسية: أنها تحد من سلطة الدولة. فهي تقدم صوتا لهموم الضعفاء والمحرومين والمهمشين. انها تعمم، من خلال وجودها، المشهد العام؛ وربما الأهم من ذلك، انها تقوم بتذكير من في السلطة بشكل مستمر, أنه يتوجب على الديمقراطيات العميقة تعزيز الحريات المدنية لجميع مواطنيها. تدعم الديمقراطيات النشطة المجتمعات المدنية، ونعم، تفعل ذلك دوليا ومحليا على حد سواء.

منذ فشل المسوغات الديمقراطية لتقييد منظمات حقوق الإنسان، ليس من المستغرب أن شاكيد التجأت مرة أخرى الى المبررات القومية: “الدعم المالي من الدول الأجنبية للمنظمات غير الحكومية التي تعمل في المجال الإسرائيلي الداخلي يزعزع سيادة دولة إسرائيل و يشكك في سلطة الحكومة المنتخبة من قبل الجمهور”. ولكن أيضا هنا، يفشل منطق الوزيرة. ليس فقط انها تنسى أن الجمعيات التي تدعمها تستفيد من تمويل أجنبي أكبر بكثير من الجماعات التي ترغب بفضحها. أكثر من ذلك، انها غافلة تماما ازاء المساهمة التي ما زالت تقوم بها المنظمات المدنية الإسرائيلية للتراجع السريع للشرعية الدولية لإسرائيل.

لذلك، ونظرا لهذه التناقضات، ماذا يمكنه بعد ان يشرح المبادرة الحالية؟ من الواضح أن الجواب يكمن تماما في المجال السياسي: استهداف جماعات حقوق الإنسان والحقوق المدنية – بالكاد من أنصار الحكومة الحالية – هو وسيلة لاسترضاء اليمين على هامش الائتلاف الحاكم وإخضاع الأصوات المتمردة في صفوفه. ان هذه خطوة يائسة أخرى, تهدف إلى الحفاظ على تحالف متعثر في جميع الاحوال.

استخدام القوة لإسكات المعارضين من خلال التشريع هو، قبل كل شيء، رمز على الضعف الحكومي. إذا تم تمرير مشروع قانون يجبر نشطاء المجتمع المدني لارتداء شارات في الواقع، كان سيساهم ذلك بشكل مباشر في تقرير الحكومة الحالية لتقويض النظام الديمقراطي الإسرائيلي الفاشل (على الرغم من أنه لن ينجح في احباط الاصرار المستمر للديمقراطيين الإسرائيليين المحليين). كذلك, سيكون ذلك مهينا لذكرى الملايين من اليهود المذلولين والذين قتلوا لاحقا بسبب الشارة اليهودية منذ جيلين بالكاد. على دولة التي تدعي انها ديمقراطية, ووطن الشعب اليهودي ألا تقوم, تحت أي ظرف من الظروف، بتوسيم مواطنيها. إن فعلت ذلك، فلا يمكنها عدم رؤية توسيم منتجاتها لرفضها الحقوق الأساسية للأشخاص القائمين تحت حكمها.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.