إذا لم تحدث أية تغييرات في اللحظة الأخيرة، سيتم إخراج رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس من المستشفى في الأيام القادمة، وأفادت مصادر قريبة منه أنه قد يخرج يوم السبت.

حالته على ما يرام، كما يقولون. ليس لديه ارتفاع في درجة الحرارة، يقف على قدميه ويمشي وكل شيء طبيعي، ويحصل على تحديثات طوال الوقت في الشؤون الدبلوماسية والأمنية.

باختصار، بعد حوالي أسبوع من رقوده في المستشفى في رام الله، تصر المصادر الآن على أن عباس البالغ من العمر 83 عاما لا يواجه خطرا يهدد حياته.

السرعة في الوصول إلى المستشفى يوم الأحد بعد أيام فقط من خروجه بعد جراحة طفيفة في الأذن، فضلا عن التعتيم الذي حاصر مسألة صحته في الأيام الأولى، والشائعات والإنكار المتفشيين، خلق شعورا أن مسألة خلافته أكثر أهمية من أي وقت مضى.

ومع ذلك لم تظهر أي إجابة واضحة.

رئيس اتحاد كرة القدم الفلسطيني جبريل رجوب يعقد مؤتمرا صحفيا في 12 أكتوبر، 2016 في مدينة رام الله في الضفة الغربية. (Abbas Momani/AFP)

وقد تم الاستشهاد بأسماء لا حصر لها في وسائل الإعلام العبرية، ومعظمها مألوف: رئيس قسم الرياضة الفلسطيني جبريل الرجوب، زعيم حركة فتح محمود علول، رئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمدالله، رئيس الجناح المسلح في تنظيم فتح مروان البرغوثي المسجون لدى إسرائيل، وربما حتى رئيس أمن غزة السابق في المنفى محمد دحلان. لكن في حين أن المرشحين يتنافسون، والمحللون الإسرائيليون يلعبون لعبة التسمية، يبدو أن الفلسطينيين العاديين في الضفة الغربية لا يهتمون للأمر.

إنهم لا يشعرون بالقلق من تغييرات الموظفين في السلطة الفلسطينية: بل يركزون أكثر على الاقتصاد والوظائف والتشبث بالهدوء النسبي في السنوات الأخيرة.

الرئيس المصري السابق حسني مبارك يلوح لمؤيديه من شرفة غرفته في مستشفى المعادي العسكري في القاهرة في 29 نوفمبر، 2014. ( AFP/AL-WATAN NEWSPAPER/MOHAMED NABIL)

من نواح عديدة، المحادثة الإسرائيلية التي تحيط بورثة عباس تشبه المناقشة التي جرت في إسرائيل عام 2011 حول خلفاء محتملين للرئيس المصري حسني مبارك: هل سيكون ابنه جمال، ابنه الثاني علاء، ربما رئيس جهاز المخابرات السابق عمر سليمان، أو ربما رئيس الجيش السابق محمد طنطاوي؟

أصبح هذا النقاش موضع خلاف؛ لكن تمت الإطاحة بمبارك.

هل يمكن أن هناك شيئا مماثلا لم نلاحظه في الضفة الغربية عام 2018؟ في الوقت الذي يتفحص فيه الإسرائيليون مختلف مرشحي فتح الذين يبدو أنهم مستعدين للجلوس على كرسي عباس، هل هناك نسخة فلسطينية من الربيع العربي تنتظر في أجنحة اليوم التالي بعد عباس؟

يختلف الوضع في الضفة الغربية كثيرا عن ما هو عليه في مصر قبل ثورة 2011. لكن إذا كان هناك درس واحد يمكن تعلمه من مشاهدة الشرق الأوسط في الآونة الأخيرة، فمن المؤكد أنه لا يمكن وضع الكثير من الثقة في اليقين الظاهر في الماضي.

هناك العديد من العوامل الرئيسية التي يبدو أنها تجعل حدوث تغيير جذري غير محتمل – أو، إذا كان هناك تحول دراماتيكي في مرحلة ما بعد عباس ، فإن ذلك يمكن أن يخفف من أي تداعيات.

أولا، الوضع الاقتصادي في الضفة الغربية أفضل بكثير منه في مصر أو غزة. معظم الفلسطينيين في الضفة الغربية يفضلون الوضع الراهن على ثورة أو انقلاب ضد السلطة الفلسطينية – في المقام الأول لتجنب العودة إلى الفوضى التي سادت المدن الفلسطينية في بداية الألفية، مع الجماعات المسلحة في الشوارع وزيادة في الهجمات ضد الإسرائيليين التي جلبت زيادة مماثلة في التوغلات العسكرية الإسرائيلية في المراكز السكانية الفلسطينية. كانت تلك فترة من الإنهيار الاقتصادي لا يرغب سوى القليل من فلسطينيي الضفة الغربية في العودة إليها.

ثانيا، كما اكتشفنا في سياق “أزمة” عباس الصحية الحالية، فإن ما يصفه الفلسطينيون بـ”النظام” – السلطة الفلسطينية كجسم، ككيان – لم يتوقف عن العمل. على العكس من ذلك، استمر كل شيء في العمل بشكل طبيعي. لقد أظهر المسؤولون الذين يديرون الأقسام الإدارية للسلطة الفلسطينية، وفصيل فتح الذي يسيطر على السلطة الفلسطينية، أنه يمكن الوثوق بهم للوفاء بوظائفهم حتى بدون إشراف يومي مباشر من الأعلى. قد يبدو ذلك واضحا بالنسبة للمؤسسات السياسية والإدارية الأكثر رسوخا، لكنه يرقى إلى علامة إيجابية في حالة السلطة الفلسطينية.

ثالثا، لم يبد الجمهور الفلسطيني أي علامات للهلع أو القلق، وبالتأكيد لم يخرج إلى الشارع سواءً من أجل دعم أو معارضة عباس، أو خليفة له، أو أي نوع من الثورة.

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يحيي الحضور خلال اجتماع للمجلس الوطني الفلسطيني في رام الله، 30 أبريل، 2018. (AFP Photo/Abbas Momani)

يجب المدح في المكان المستحق. ليس الجمهور الفلسطيني وحده هو الذي ضمن الهدوء في الأيام الأخيرة. إن مؤسسة فتح – منظمة التحرير الفلسطينية تدرك جيدا أن هذه هي سنوات عباس الأهم وتعمل جاهدة لضمان الحفاظ عليها من خلال ضمان بقاء هذا الكيان. لقد أخفى الحديث المكثف عن الوريث إلى حد كبير هذا العامل الحيوي: النخبة الأوسع هي التي سوف تحدد ما يحدث. سوف يتحدون إما حول مرشح واحد، أو، إذا لم يتمكنوا من ذلك، سيتقاسم اثنان أو أكثر مسؤوليات عباس بينهم عبر مختلف المؤسسات التي يقودها: منظمة التحرير الفلسطينية، فتح، والسلطة الفلسطينية.

كيف يمكن أن يتجلى هذا؟ لا شيء مؤكد، بالطبع، لكن العديد من العوامل أصبحت واضحة.

إنها مؤسسات وقيادة فتح التي من شبه المؤكد أنها ستختار زعيم السلطة الفلسطينية المقبل، ربما من بين قائمة الورثة المحتملين المذكورين أعلاه.

محمود العلول، العضو ي اللجنة المركزية لفتح، 6 يناير 2010 (Issam Rimawi/Flash90)

العلول هو نائب رئيس حركة فتح، وهو شخصية محورية في أوساط نشطاء التنظيم في شمال الضفة الغربية (وهو مقيم ومحافظ سابق في نابلس). ومع ذلك، فإنه يفتقر إلى النفوذ في أجزاء أخرى من الضفة الغربية، وهو غير معروف إلى حد كبير في المجتمع الدولي – التي هي ساحة حيوية للزعيم الأعلى للفلسطينيين. هو أيضا غير معروف نسبيا في أوساط الجمهور الفلسطيني.

يملك الرجوب، الأمين العام للجنة المركزية لفتح، قاعدة دعم أقوى في جنوب الضفة الغربية. ينحدر من عشيرة في دورا، جنوبي مدينة الخليل، وهو ذو نفوذ في الخليل وبيت لحم. يتمتع بشعبية كبيرة بين نشطاء فتح، وقد جعلته سنواته كرئيس للإتحاد الفلسطيني لكرة القدم شخصية معروفة بين عشاق الرياضة وأنصار كرة القدم في الضفة الغربية.

كما يعتبر من بين القادة الفلسطينيين الأكثر خبرة على الساحة الدولية، على الرغم من تشاجره مع الحليف الرئيسي لحركة فتح – مصر. لديه أيضا خبرة كبيرة في التعامل مع إسرائيل.

رئيس وزراء السلطة الفلسطينية رامي الحمد اللخ يصل إلى اجتماع لمجلس الوزراء في مدينة غزة، 3 أكتوبر، 2017. (AFP Photo/Mohammed Abed)

الحمدالله، رئيس الوزراء تحت عباس، هو زعيم غير محتمل بعد عباس، لأن اختياره سيشمل اختيار فتح لزعيم ليس حتى عضوا، وهي امكانية غير محتملة على أقل تقدير.

في حين أنه من المهم الحفاظ على الإنفتاح والاستعداد للأسوأ، هناك سبب للإعتقاد بأن التوقعات المتشائمة حول الفوضى في “اليوم التالي ما بعد عباس” مبالغ فيها، وأن النخبة في فتح ستكون مستعدة وقادرة على تمرير الإسطوانة الى جيل جديد من دون الكثير من الدراما أو الشقاق الداخلي.

إذا حدث ذلك، فمن غير المتوقع أن يقوم أي من الورثة المحتملين لعباس بإجراء تغييرات رئيسية في السياسة أو الشروع في حل السلطة الفلسطينية.

السؤال الأكثر صعوبة، بالتأكيد على المدى الطويل، هو كيف سيكون رد فعل الشعب الفلسطيني، ولا سيما الشباب، عندما يفهمون بالضبط كم تغير قليل مع مرور عباس. هل سيكون هناك استياء وماذا ستكون عواقبه؟

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.