لقد تم دفن أحد القرارات الأكثر أهمية بالنسبة لمستقبل إسرائيل الأسبوع الماضي تحت كومة من المسائل التي على ما يبدو ان تكون أكثر إلحاحا، بدءا من الحوادث الإرهابية المستمرة وحظر الكتب من المناهج الدراسية في المدارس الثانوية، حتى التحقيق وتوجيه الاتهام للمشته بهم في هجوم دوما القاتل على أسرة دوابشة. صوت خمسة وستين في المئة من أعضاء اللجنة المركزية لليكود على الموافقة على طلب بنيامين نتنياهو لتقديم موعد الانتخابات التمهيدية لزعامة الليكود إلى الشهر المقبل من أجل “تأجيل الانتخابات المقبلة [المقررة حاليا لعام 2019]، لاستقرار التحالف ولتعزيز الليكود”.

ليست هذه هي المرة الأولى التي يظهر فيها رئيس الوزراء مغيرا الجدول الزمني للانتخابات التمهيدية الداخلية داخل الحزب الحاكم. لكن في تسرعه لتأمين فترة اخرى (الخامسة) له في منصبه، تثير مناورته الحالية تساؤلات خطيرة حول كم من الزمن يمكن أن يستمر القادة المنتخبين في منصبهم دون الإضرار بشكل لا يمكن إصلاحه بالركائز الأساسية للأنظمة التي يسيطرون عليها. يوفر مسحا موجزا للقضايا التاريخية والنسبية الرئيسية جوابا مدويا: ليس لوقت طويل على الإطلاق.

لهذا السبب، حددت الديمقراطيات الأكثر رسوخا الفترات للمسؤولين المنتخبين – وخصوصا بالنسبة لأولئك المتزعمين الحكومة (التعديل الثاني والعشرين لدستور الولايات المتحدة يحدد للرؤساء حتى فترتين في المنصب, كمثال على ذلك). في الواقع، الديمقراطيات – حتى في معظم عروضها الجنينية الرسمية الخاصة – تحددت دائما وفق قدرتها على تغيير قادتها بصورة سلمية عبر صناديق الاقتراع. بما ان الافتراض الأساسي أن المنافسة الحرة هي مفتاح الانتقال المنظم، مانحة مزية غير مستحقة لمجموعة معينة أو لنظرة معينة. فرض حدود دستورية على شاغلي المناصب هو آلية مجربة لضمان تناوب القيادة. أهم من ذلك إلى حد كبير، انها أهم وسيلة للحفاظ على حيوية الديمقراطية على مر الزمن.

لقد أعيد انتخاب الزعماء العالميين الذين عقدوا منصبهم لاطول فترة زمنية مرارا وتكرارا (مع أغلبية عظمى) على مدى عقود. على سبيل المثال، بول بيا، حيث يحكم الآن سنته الاربعين كرئيسا للكاميرون. أو خوسيه ادواردو دوس سانتوس من أنغولا، الذي يكمل عامه السادس والثلاثين في المنصب؛ أو، روبرت موغابي من زيمبابوي، الذي يترأس بلده المدمر منذ خمسة وثلاثين عاما. قائمة اولئك الذين يشغلون منصبهم لاكثر من 20 عاما -عدا علي خامنئي الايراني وهون سين الكامبودي- تتكون من قادة أنظمة انتخابية جديدة نسبيا في أفريقيا (بما في ذلك أوغندا, تشاد, اريتريا وغينيا الاستوائية والسودان وغامبيا) وأوروبا الشرقية (خصوصا بيلاروس) وجمهوريات آسيا الجديدة طاجيكستان وأوزبكستان وكازاخستان. طهرت هذه الدول مجسدة الاستبداد والقمع والاضطهاد البشري المستمر تحت ستار المنافسة الانتخابية.

متعلمين الدرس من هذه الحالات المؤسفة، فرضت أنظمة ديمقراطية حديثة كثيرة حدود زمنية لأصحاب المناصب الذين يشغلون المنصب الرفيع. ينطبق هذا على معظم الديمقراطيات الانتخابية في أمريكا اللاتينية وآسيا، فضلا عن أنظمة افريقيا الديمقراطية الأكثر قوة (مثل جنوب أفريقيا وغانا). يملك معظم أعضاء أوروبا ما بعد الحرب ترتيبات مماثلة.

استوعبت جميع هذه البلدان الرسالة ان شغل المنصب لفترة مطولة والاستقرار الديمقراطي لا يسيران جنبا إلى جنب. الحد من المعارضة مع مرور الوقت, حتما يدعو الى اضطرابات مدنية (الاضطراب الداخلي اليوم في بوروندي يدور تحديدا حول الرفض الدستوري للرئيس بيير نكورونزيزا للتنحي بعد انتهاء ولايتيه). ، عمق المسؤولين المنتخبين لفترة طويلة سيطرتهم على البيروقراطية وضيقوا إبداعها وفعاليتها. انهم يضعفون التبادل الحر للأفكار ويقيضون الخطاب العام. يديمون الركود بموجب الاستمرارية. يعززون المتملقين الذين يحيون دون تفكير جميع خطواتهم. وفي نهاية المطاف يخلطون بين التفضيلات الشخصية ومصالح الدولة. باختصار: لم تبق اي دولة يحكمها زعيم منتخب (بغض النظر عن مدى موهبته وكاريزميته) لفترة طويلة جدا, ديمقراطية على مر الزمن. لا يمكن لأي بلد تجنب الاغتراب الداخلي، وفتور الهمة وفقدان الأمل.

اذا, لماذا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في الظروف الأكثر حساسية في التطور الديمقراطي في إسرائيل، قرر اتخاذ خطوة لضمان زعامته الليكود (و، من وجهة نظره، زعامة البلاد) للسنوات القادمة؟ وفقا لاقواله، لا بد لخطوة كهذه “أن تكون مستعدة لكل سيناريو”. كما أوضح عشية التصويت في رسالة إلى أعضاء اللجنة المركزية للحزب: “علينا تجنب الانقسامات الداخلية من أجل الاستمرار في قيادة البلاد على طول طريقنا المشترك بكل قوة”. ولكن هل هذه هي الأسباب الحقيقية التي دفعت الى مبادرة نتنياهو؟

جاء قرار رئيس الوزراء بشكل لا لبس فيه من خوفه المعروف (الذي يشارف على حدود جنون العظمة) من كل من يجرؤ على التشكك في سلطته. مع استعداد نير بركات للترشح ضده في الانتخابات الداخلية القادمة كما خصمه، جدعون ساعر، جامعان قوة في حين يقايضان على ولايته ويهمشاها, سارع نتنياهو لضمان قبضته قبل ان يجمع الآخرين أنصارهم ليشكلون تحد جدي. ثلثي اتباعه في الليكود، قلقين من معارضة رغبة زعيمهم بشكل صريح، ناسين بشكل واضح ملاحظة سيلفان شالوم قبل عدة سنوات، في مناسبة مماثلة، عندما احتج ضد إضفاء الطابع المؤسسي على “حزب البعث الإسرائيلي” وتجاهل رفض ساعر للمشاركة في ما يطلق عليه الاسم المخزي “مسرح العرائس”. مع ذلك, قد يثبت انتصار نتنياهو داخل الليكود، أن يكون قصاصه العادل.

في خطوة تهدف إلى إحباط الانتقادات الداخلية وتعزيز السيطرة – مثل تعيين النائب العام المقبل – أدى انعدام الثقة لدى زعيم حزب الليكود الى تجاهله الصارخ للأضرار المصاحبة المحتمله لهذه الإجراءات. الجمهور الإسرائيلي – في تعليقات صحيفية وفي الشبكات الاجتماعية يعلن- عن صبره المحدود للاجواء الملوكية التي تتبناها الأسرة الأولى واسلوب حياتهم المبذخ. مع استمرار الركود الاقتصادي وارتفاع تكاليف المعيشة وتقويض الفرص الشخصية، أصبح أكثر وأكثر من المواطنين أقل تسامحا تجاه تجاوزات رئيس الوزراء ووفده المرافق.

بشكل أعمق، تلقي القيود الشديدة المفروضة على المناقشة داخل الحزب (تسمح بنقاش جدي عام فقط) أ بظلال كثيفة على آفاق إسرائيل في السنوات القادمة. من الناحية الأمنية، عملت الأحداث الأخيرة فقط على تأكيد فراغ جهود نتنياهو لاستعادة قدر معين من الهدوء. خطابه – مليء باتهامات تحريضية من جانب خصوم محلية وكذلك خارجية – يكاد لا يدعي الى اعتماد بدائل سياسة بناءة (حتى عندما يتم تقديم هذه من قبل أعلى شخصيات المؤسسة الدفاعية). رفضه على أي مقترحات لجيران إسرائيل العرب (وخصوصا الفلسطينيين) في الجو المتقلب في المنطقة لا يمكن إلا أن يديم الوضع الراهن العازل على نحو متزايد والذي لا يمكن الدفاع عنه. وتغاضيه المنهجي عن محاولات مفرطة الحماس للحد من الانتقادات والمعارضة الغير مبشرة بالخير لاستمرار التيارات التعددية في البلاد.

التمسك العنيد بمثل هذا النهج تحت رعاية نتنياهو, يشكل وصفة مضمونة ليس فقط للمزيد من التدهور. بشكل ساخر، يبدو هذا كناقوس الموت لهيمنة اليمين الإسرائيلي – الذي لا يمكنه أن يستمر بعقده السلطة مع مرور الوقت إن أغلق نفسه بعيدا عن تجديد داخلي. في هذا الوقت، مع استمرار القمع وتعميق السخط، سيفقد الكثير من الاسرائيليين ببساطة ثقتهم بالنظام وبقادته.

لا يمكن لإسرائيل تحمل ترسيخ سلالة انتخابية. إن كان التنوع السياسي الإسرائيلي في الماضي, كافيا لمنع مخاطر التآكل الجوهري لطول فترة الحكم (كما في روسيا بزعامة بوتين وأردوغان في تركيا)، هناك حاجة اليوم إلى جهود واعية لمنع حدوثه. إسرائيل، مثل معظم الدول الديمقراطية التي تحترم نفسها، يجب أن تضع حدا لفترة حكم قادتها، لضمان ألا يشغل أي شخص منصب رئيس الوزراء لأكثر من ثلاث ولايات. حتى يتم تمرير قانون كهذا، سوف تستمر ديمقراطية إسرائيل في الانحسار، وسوف تستسلم قوتها الفريدة بالاختناق، توافق إثني، الذي كان موجها في البداية ضد الفلسطينيين خارج إسرائيل، ثم إلى المجتمع العربي داخلها، مؤخرا إلى المعارضة اليهودية، يصل الآن الى الأصوات المتنافسة داخل الحزب الحاكم.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.