في ما يتعلق بالنقد المدمر الذي قدمه مايكل وولف للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومجموعته الكئيبة من مخططي البيت الأبيض والساسة المتآمرون المصوّرون في كتاب “نار وغضب”، يبدو لي أن ستيف بانون، مصدر معلومات المؤلف، هو في الواقع الشخصية الشريرة في الجانب الإسرائيلي في الكتاب.

تم تصميم قصة وولف بوضوح لإظهار الرئيس ترامب في أسوأ صورة ممكنة، لكن في الأغلب وبالتأكيد ليس فقط على أساس المواد التي قدمها بانون – وفعلا قال وولف منذ النشر أنه يعتقد أن الكتاب سيخرج ترامب من السياسة. من يعلم؟ قد يحدث ذلك.

لكن بشأن إسرائيل، حسب قصة وولف الساحقة لترامب، يتضح أن الرئيس قاوم تحذيرات رئيس استراتيجيته المخلوع، وحتى الآن، تماشى على خط الذي لقي ترحيبا واسعا من قبل الإسرائيليين على طول الطريق عبر الطيف السياسي ويعكس الكثير مما وعد به خلال حملته الإنتخابية.

بنيامين نتنياهو مذكور ثلاث مرات فقط في كتاب “نار وغضب”. رون ديرمر، سفير نتنياهو الموثوق به لدى الولايات المتحدة والمحاور المتكرر مع الإدارة، لم يذكر على الإطلاق. زيارة ترامب لاسرائيل والأراضي الفلسطينية مذكورة في جملة واحدة. ومع ذلك فإن معظم “نار وغضب” يدور حول القضايا الإسرائيلية واليهودية.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يصافح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال حفل أقيم في متحف ياد فاشيم التذكاري للمحرقة في 23 مايو 2017 في القدس. (MANDEL NGAN / AFP)

ترامب لا يظهر معززا من المواد ذات الصلة بإسرائيل. لا يوجد دليل على تفكير عميق أو صنع سياسات مستنيرة من جانبه. بل على عكس ذلك تماما. وولف لم يكن مهتم في نشر دليل من هذا النوع حتى لو كان موجودا. لكن بانون يقتبس صياغة أقواله بشكل حر، والفجوة بين ما كان يريد أن يفعله الرئيس و ما فعله الرئيس هو أمر سهل للجميع أن يراه – بشكل يضر بمصداقية بانون.

“هل يعرف دونالد؟”

بشكل حاسم، في بداية الكتاب، يقتبس وولف على نطاق واسع من بانون في محادثة مع “معلمه في وقت ما”، رئيس “فوكس نيوز” السابق روجر آيلز، في يناير 2017 – أي قبل ما يزيد قليلا عن أسبوعين قبل التنصيب. يكتب وولف أن بانون ينقل لآيلز ما قاله فيما يخص “برنامج” ترامب وما يسميه المؤلف نفسه “أجندة ترامب” حول إسرائيل والفلسطينيين. “في أول يوم، سوف ننقل السفارة الأمريكية إلى القدس”، يقول بانون. “نتنياهو موافق تماما. شيلدون – ملياردير الكازينو، اليميني المتطرف المدافع عن اسرائيل ومؤيد ترامب – موافق تماما. نعرف أين نتجه في هذا الشأن”.

ايلز غير مقتنع على ما يبدو من أن ترامب قد انضم، لأنه يسأل: “هل يعرف دونالد؟”

وتبين أن شكوكه لها أساس. كما وصفها وولف، فإن برنامج ترامب،  كان من الواضح أنه قد تم تقديمه بشكل أكثر دقة على أنه برنامج وأجندة بانون: “تقريبا مع غمزة – واستمر، دع الأردن تأخذ الضفة الغربية، دع مصر تأخذ غزة. دعهم يتعاملون معهم. أو اغرق وأنت تحاول. السعوديون على حافة الهاوية، المصريون في الهاوية، كلهم ​​خائفون حتى الموت من بلاد فارس … ”

وكتب وولف: “عرض بانون كل هذا مع شيء من الحماسة – رجل يعيد تشكيل العالم”.

في الواقع، كما نعرف، لم ينقل ترامب السفارة الأمريكية إلى القدس في “أول يوم”. بل أخذ وقته، مشيرا إلى المحاورين في غضون أيام من توليه منصبه، مع سذاجة مدهشة حتى لو كانت بصراحة مقبولة، أن القدس في الواقع أكثر تعقيدا مما كان يتصور. قال لشبكة البث المسيحية، “أتعلمون، انه قرار كبير جدا”. “نحن نفعل دراسات مفصلة جدا في الموضوع، وسوف نخرج قريبا جدا. أكره أن أفعل ذلك لأن هذا ليس أنا عادة: القيام بدراسات. عادة ما أفعله هو ما يعتبر صحيح. ولكن هذا الشان له جانبان. ليس سهلا.”

بعد أشهر من ذلك، لم يتمكن ترامب من اتخاذ قرار، حيث كان متحيّرا بين القيام بما وعد به، وإعطاء اقتراح فريق السلام الذي لم ينته بعد أفضل فرصة للنجاح. “أود أن أعطي هذا الأمر فرصة قبل ان أفكر في نقل السفارة الى القدس”، قال ترامب آخر مرة في أوكتوبر.

فقط بعد عام تقريبا من تولي منصبه، اعترف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، في خطاب 6 ديسمبر المبني بعناية وبدون شك فيه قد أهلع بانون المستقيل الآن. قدم الرئيس هذه الخطوة في خطاب ملحوظ للرعاية والفروق الدقيقة التي ظهرت فيه، مؤكدا أنه لم يحدد معالم السيادة الإسرائيلية في المدينة المقدسة، لم يرسم الحدود، لم يحكم مسبقا على مفاوضات الوضع النهائي، وأنه على وجه التحديد لا يؤيد أي تغيير في الوضع الراهن في الأماكن المقدسة.

أما فيما يتعلق بتأكيد رئيس الاستراتيجيين المتجدد، على أن الضفة الغربية وقطاع غزة سيتم توزيعهما إلى الأردن ومصر، فإن ترامب لم يحاول شيئا من هذا القبيل. بدلا من ذلك، بالنظر إلى اليأس المفترض لبانون واليمين الإسرائيلي، ولا سيما نتنياهو، توصل بحماس إلى محمود عباس، وهو الشخص الذي لا يتزعزع على الدوام، ومع ذلك فإنه يبدو أنه أقرب شيء لزعيم فلسطيني. دعا ترامب عباس الى واشنطن وزاره في بيت لحم، حيث عامل رئيس السلطة الفلسطينية بدرجة من المصداقية والاحترام التي أفزعت الكثير من الاسرائيليين، وأعطاه الفرصة لبيان اي سلاسة في صنع السلام، لخّص الكاتب.

ولمزيد من رعب أنصار بانون، أدلسون، واليمين الإسرائيلي وآخرون، حث ترامب علنا ​​نتنياهو على “التراجع عن المستوطنات قليلا”. ذهب إلى حد أن يشهد لعباس علنا، مع استدعاء نتنياهو ليصغي في جانبه، في الخطاب الأخير لزيارته الإسرائيلية. بعد دقائق من قيام نتنياهو بعرض الرئيس للجمهور في متحف إسرائيل وتقديم عباس كممول للإرهاب، خرج ترامب من نصه المعد للإعلان أنه بعد “عقد لقاء عظيم” مع عباس قبل ساعات قليلة، وأعرب عن اعتقاده بان الفلسطينيين مستعدون للموافقة على اتفاق سلام: “اعرف انكم سمعت ذلك من قبل”، قال ترامب. “انا اخبركم. هذا ما افعله. انهم مستعدون للتوصل الى السلام”.

فبدلا من التسرع في سلسلة من الأعمال الأحادية الجانب من النوع الذي كان يدعي له بانون، كان ترامب يريد بوضوح أن يرى بنفسه ما إذا كان هناك طريق إلى صفقته النهائية المرغوبة التي يمكن الوصول اليه عبر الطريق الأقصر والأكثر مباشرة من الناحية النظرية: رام الله. كما افترض أنه كان قلقا من تجنّب خلق انطباع لدى السعوديين والمصريين، الذي كان يأمل أن يساعدوه على الضغط على الفلسطينيين للتوصل إلى حل توفيقي، أنه يعتبر نفسه تجسّد جديد لهؤلاء المستعمرين المتخلفين من الماضي، وإعادة رسم خرائط المنطقة بشكل الذي من المحتمل أنه لا يراعي الحقائق على أرض الواقع. بدلا من “إعادة تشكيل العالم”، كما كان يودّ بانون، يبدو أنه يظهر نوعا من الصفة التي وولف، ومعظم مراقبي ترامب المهنيين الأخرين، بالتأكيد لن ينسبوها له عمدا: التواضع.

وولف يعطينا رئيس ميؤوس منه من عمقه. كما أنه يعطينا رئيس الذي في نهاية المطاف يقرر أنه من الأفضل عدم التمسك باثباتات بانون الأيديولوجية العالية.

مغادرة الرئيس الامريكى دونالد ترامب والزعيم الفلسطينى محمود عباس عقب مؤتمر صحفي مشترك في قصر الرئاسة في مدينة بيت لحم بالضفة الغربية فى 23 مايو عام 2017. (AFP/ MANDEL NGAN)

تماما كما توقّع معظم اللاعبين والخبراء المخضرمين، بطبيعة الحال، رد فعل عباس بشكل هستيري على اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لاسرائيل. ومع ذلك، ترامب لم ينتقده.

أعلن عباس أن ترامب، بسبب جريمته بشأن القدس، قد أهمل نفسه كوسيط للسلام وأعلن مقاطعة الإدارة الأمريكية بأكملها، ورفض حتى استضافة نائب الرئيس وفريق ترامب للسلام بأكمله، وسمح “لأيام الغضب” في الأراضي الواقعة تحت سيطرته، والعودة إلى مفاوضات الوحدة مع حماس، التي دعت علنا ​​إلى انتفاضة جديدة عنيفة “لتحرير” القدس. اعلن مسؤولو ترامب بشكل متفهّم انهم يعرفون ان تحرك القدس سيثير استجابة مريرة وسيحتاج الى فترة “تهدئة” معينة واكدوا على تصميمهم الثابت على محاولة المساعدة في التوسط في اتفاق سلام يمكن أن يرضي الجانبين.

فقط بعد أن عبث عباس بفرع الزيتون هذا، اعترف ترامب بما اعترف به المراقبين ذوي الخبرة ولخّصوا منذ فترة طويلة أن عباس ليس أنور السادات أو الملك حسين، وأن رئيس حركة فتح لم يكن مستعدا لمواجهة القصة الكاذبة عن عدم شرعية إسرائيل التي زرعها ياسر عرفات بشكل استراتيجي بين الفلسطينيين، وأنه لا يوجد في الواقع أي طريق سريع للتوصل إلى اتفاق.

فقط بعد ذلك قام ترامب بالتعبير عن غضب تجاه عباس عبر تويتر، مشيرا إلى أن إسرائيل كانت ستضطر إلى “دفع” تنازلات من تلقاء نفسها مقابل اعتراف ترامب بالقدس، ولكنه يتساءل الآن بمرارة عن سبب إعطاء الولايات المتحدة مبالغ سنوية ضخمة إلى القيادة الفلسطينية التي تعبر عن امتنانها بصفع للولايات المتحدة في وجهها.

الرئيس الأمريكي باراك أوباما، يمين، ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يعقدان اجتماعا في المكتب البيضاوي للبيت الأبيض في واشنطن العاصمة يوم الاثنين 17 مارس / آذار 2014. (Saul Loeb/AFP)

لم يسمح باراك أوباما، على مدى فترتين كاملتين في منصبه، لنفسه أبدا بالوصول إلى النتيجة التي لا مفر منها بأن عباس – الذي كان قد أوقف عرض إيهود أولمرت في مناورة السلام في عام 2008 – لم يكن لديه الشجاعة، وربما ليس الميل ، لتقديم تنازلات شجاعة من أجل لقضية الكبرى المتمثلة في قيادة شعبه إلى إقامة دولة. أكمل ترامب تلك الرحلة في أقل من عام. ليس بالقول إلى الجحيم منذ البداية، كما كان بانون قد طلب منه، لكن من خلال محاولة لفرض بعض التقدم.

هذا الكاتب لا يحمل شعلة لترامب. لقد كتبت ما يلي في ديسمبر 2016: “مشكلتي مع الرئيس المنتخب ليست مع سياساته. أنا لا أعرف كيف ستكون … مشكلتي أساسية أكثر من ذلك بكثير: انها مع ترامب الرجل، المتعصب الفغري … الرئيس المنتخب ترامب، ترامب الذي رأيناه حتى الآن، ليس نموذجا يحتذى لأطفالنا، على الرغم من أنه محبوب على اطفاله. من المؤسف أن نتساءل ما هي نسبة شبابنا الطموحين سوف ينظرون إلى ترامب، حين يروا أنه فاز بالرئاسة، ويعتقدون أنه هو نموذج للنجاح”.

من الناحية الجوهرية، في المسائل الشرق أوسطية أيضا، من الواضح أنه من التهور أن تلقي على صهرك الذي لا يتمتع بالخبرة، وليس لديه التجربة، الدور الرئيسي للإشراف على الضغط لعملية السلام العربية الإسرائيلية شبه المستحيلة. من المؤكد تقريبا أنها هزيمة ذاتية أن يصدر إعلان القدس الخاص بك قبل الأوان إذا كانت خطتك الإسرائيلية – العربية الشاملة للسلام تنص على التعاون مع إسرائيل ومصر والسعودية للتعامل مع إيران ثم الاعتماد على القاهرة والرياض في الضغط على الفلسطينيين من أجل معاهدة سلام. ثم مرة أخرى، بالرغم من كل الاهتمام المضني والمعرفة التفصيلية للرئيس بيل كلينتون، لم يستطع التوصل إلى حل تنازل من ياسر عرفات، كما لم تستطع العبارات التعاطفية التي لا نهاية لها من باراك أوباما في إبراز الروح العلمية.

وبالطبع، أورثنا أوباما الاتفاق النووي الإيراني غير الكافي، وهو موضوع لم يكشف عنه بالكاد في “نار وغضب”، ومجال آخر ترامب الذي تألم بسببه ترامب العام الماضي، مفرتضا أنه فهم أنه “ليس سهلا”.

ما ينتظرنا في المستقبل؟

لا يسع المرء إلا أن يأمل، وإن كان يتوقع، أن يتوجه الرئيس في نهاية المطاف نحو الوسيلة الوحيدة الصالحة لإعادة صياغة المنطقة حقا، وفعلا تهميش المذهب الإسلامي المتطرف الذي يستهدفنا جميعا – عبر الطريق الطويل والمضني للتعليم: باستخدام النفوذ الدبلوماسي والاقتصادي للولايات المتحدة وحلفائها في العالم الحر في حملة استراتيجية متضافرة لهزيمة التطرف الذي نشره الزعماء الروحيون، المسؤولون التربويون، الشخصيات السياسية، والأنظمة بأكملها، ونشرها عبر وسائل التواصل الإجتماعي.

ولسوء الحظ، من المرجح جدا أن يكون لدينا في المستقبل الكثير من سنوات إراقة الدماء والمرارة. في هذه الحالة، أنها رحمة صغيرة أنه لم يعد لدينا، بفضل رئيس الولايات المتحدة، كبير الاستراتيجيين وعضو سابق في مجلس الأمن القومي، بانون الذي بعد مقتل الرئيس بشار الأسد لكثير من الأطفال السوريين في أبريل 2017 في الهجوم أسلحة كيميائية، دعا إلى “انعزالية بقبضة حديدية”. يكتب وولف، “بانون، مؤمنا بالحاجة إلى تحول جذري في السياسة الخارجية، اقترح مذهبا جديد: اللعنة لهم”.

ترامب لم يصلح سوريا. بل أثار معارضة عامة نادرة جدا من نتنياهو بسبب تردده الظاهر في مواجهة الطموحات العسكرية الإيرانية في سوريا. هذا عمل محفوف بالمخاطر جدا بالنسبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي أراهن أنه يقضي الكثير من الوقت غير المبلغ عنه على الهاتف مع الرئيس الأمريكي. وبعد أن كشف ألوانه بقوة على سارية ترامب، بما في ذلك حين أخذ على نفسه اخراج ترامب من أي نزعة معاداة السامية من خلال الإعلان أن “ليس هناك مؤيد أكبر للشعب اليهودي من ترامب” – أين سيكون نتنياهو، في الواقع أين ستكون إسرائيل، لو كان الرئيس، الذي لا يتكرم للمعارضة العامة، تحول ضده؟

الغلاف الأمامي لكتاب “نار وغضب: داخل بيت ترامب الأبيض” للكاتب مايكل وولف. (Henry Holt & Co.)

وفي شهر ابريل، تجاهل ترامب تحذيرات ستيف بانون، ووافق على إطلاق 59 صاروخا من طراز توماهوك كروز على القاعدة الجوية السورية التي أطلق منها الهجوم بالأسلحة الكيميائية يومين قبل ذلك. شكلت تلك الغارة أول هجوم مباشر من الولايات المتحدة على قوات الأسد في ست سنوات من الحرب الأهلية.

في ذلك الوقت تقريبا يذكرنا وولف بأن هناك رسالة إلكترونية مجهولة تم تعميمها في البيت الأبيض وما بعده تصف ترامب وبيته الأبيض بأنه مختلة وغير ذي كفاءة الى درجة “سيئة لا يمكن تصورها” وأن الرئيس “أحمق محاط بالمهرجين”.

بعد قراءة كتاب مايكل وولف، يمكن للمرء أن يستنتج فقط أن بانون نفسه كان واحدا من هؤلاء المهرجين.

في الواقع، فن افتقار بانون للحكم ينعكس في المقام الأول في قراره بالإنفتاح على نطاق واسع وبمرارة شديدة لمؤلف “نار وغضب” – في الكتاب الذي، حتى الآن على الأقل، كان له تأثير بتدمير حياة مصدره المركزي بدلا من هدفه

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.