من منا لم يشنَف سمعه بالأنشودة النبوية الرائعــة ، ومطلـعـهـا :
ألف صلى الله على زين الوجود *** من سـكن طيبـة وخيّـم فـي زرود
الواقع إنَّ أول ما لفت انتباهي إلى الاسم ( زرود ) ليس النشيد ، وإنما هو قول أورده أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله في كتابه ( صيد الخاطــر ) إذ يقول في الصفحة 191 منه :
( لمْ يبقَ لتعب رمل زرود أَثَــرٌ إذا لاح الحرم ) !
وترد العبارة في السياق التالي : ( والله لو قال المالك سبحانه: إنما خلقتكم ليستدل على وجودي، ثم أنا أفنيكم ولا إعادة ، لكان يجب على النفوس العارفة به أن تقول سمعاً لما قلت وطاعة.
وأي شيء لنا فينا حتى نتكلم .
فكيف وقد وعد بالأجر الجزيل ، والخلود في النعيم ، الذي لا ينفد .
لكن طريق الوصول تحتاج إلى صبر على المشقة وما يبقى لتعب رمل زرود أثر إذا لاح الحرم .
فالصبر الصبر يا أقدام المبتدئين، لاح المنزل .
والسرور السرور يا متوسطين ضربت الخيم .
والفرح الكامل يا عارفين، قد تلقيتم بالبشائر .
زالت والله أثقال المعاملات عنكم، فكانت معرفتكم بالمبتلى حلاوة تعقبت شربة المجاهدة ، فلم يبق في الفم للمرِّ أَثَـر ) . فكأنّه أراد أنَّ المشتاق للحرم ينسى معاناته في قطع رمال ( زرود ) من أول نظرة يكحِّل بها عينيه بمنظر الحرم ويرى بهاء الكعبة المشرّفة ، زادهـا الله مهابة وجلالاً .
ولكن أين تقع ” زرود ” التي خـيَّـم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتي يقطعها الحاج للوصـول إلى الحرم المكي المقدَّس ؟ وماذا عنهــا من معلـومـات ؟
تقع زرود اليوم في شمال شرق مدينة حائل بالمملكة السعودية العربية ، على بُعْـد ما يقارب مئة وستين كيلاً ، وعن المدينة المنوّرة تبعد حوالى خمسمئةٍ وثمانين كيــلاً .
ومن أسماء أجزائها القديمة .. الهاشمية ، ووسيط ، وترد في محطات طريق الحج المكي الكوفي باســـم
“الخزيمية ” أحياناً ، وإنْ كان هناك من يفرّق بينهما ، فالخزيمية تقع إلى الغرب من منطقــة زرود ، وقد
طغى اسمها في زمن من الأزمان على ” زرود ” . و أرضها منبسطة ، ورمالها حمراء غير متماســكة ، وهي الامتداد الطبيعي لصحراء النفوذ ، وقيل عن سبب التسمية ، لأنها تزدرد (تبتلع) المياه التي تمطرها السحائب وبها آبار ماء ليست بالعذبة ( غير شروبة) ، وقد نزلها قبل ذلك سعد بن أبي وقاص مع جيشه في طريقه إلى القادسية سنة 14هـ \\ 635 م ، وعاج بها الخليفة الرابع عليّ رضي الله عنه .
وزرود من أشهر منازل العرب في الجاهلية والإسلام ، واسمهـا باق إلى اليوم لم يتغير منه حرف واحـد ،
وهي من مناهل العرب القديمة ، كما أنها من أشهر منازل الحاج العراقي بعد الثعلبية وقبل الأجفُر للمتجه إلى مكة المكرَّمــة .
قال الإمام الحربي في كتاب المناسك : وزرود قبل الخزيمية بميل ونصف ، وهي لبني أسد وبني نهشل
وفيها من الآبار العامرة والمندفنة نحو عشرين بئرا ، ماؤها أيضا غليظ وبها قصر وحوانيت وبركة ماء وحوض على بئر كبيرة ، قلت : والماء الغليظ هو ما يُعَبَّر عنه عند الجغرافيين والكيميائيين بالماء العَسِـر ، أو غير الصالح للشرب نتيجة تراكم الأملاح المحلولة فيه بكميّاتٍ كبيرة .

كما يطلق زرود على كثيب من النفود مشرف على هذا الموضع المنخفض ، كما يطلق هذا الاسم أيضا على موضع جلد يقع شرق هذا الرمل غير بعيد منه ، شرق البئر يدعى شامة زرود ، ويقال شامات زرود
وهذا الموضع يقع بين عرقين ، يعرف الشرقي منهما بعرق لزام والغربي بعرق الأشعلي .
وعنها يحدثنا ياقوت الحموي في معجم البلدان فيقول :
زَرُودُ: يجوز أن يكون من قولهم جمل زرور ( بالراء وليس الدال ) أي بَلوغ ، والزرد البَلْع ( تقول العرب : زرد العير وازدرد لقمته، أي ابتلعها ) ولعلها سُمِّيت بذلك لابتلاعها المياه التي تمطرها السحائب لأنهـــا رمال بين الثعلبية والخزَيمية بطريق الحاج ، من الكوفة ،وقال ابن الكلبي : عن الشرقي زرود والشُقْرَة والزَبَذَة بنات يثرب بن قانية بن مهليل بن رخام بن عبيل أخي عوض بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام وتسمى “زرود العتيقة ” ، وهي دون الخزيمية بميل وفي زرود بِركة وقَصْر وحوض . قالوا أول الرمال الشيحة ثم رمل الشقيق وهي خمسة أجبل : جبلا زرود وجبل الغـرّ ومُربخ وهو أشدها وجبل الطريدة وهو أهوَنها حتى تبلغ جبال الحجاز .
ويوم زرود من أيام العرب مشهور بين بني تغلب وبني يربوع ، وقد روي أن الرشيد حجَّ في بعض الأعـوام فلما أشرف على الحجاز تمثَّـل بقول الشاعـر:
أقول وقد جُزْنا زرودَ عشـيّةً *** وراحتْ مطايانا تؤمُّ بنا نجدا
على أهل بغداد السلام فإنني *** أزيد بسيري عن بلادهم بُعدا
وقال مِهيار :
ولقـد أحِـن ُّ إلـى زرود وطيـنـتـي *** من غير ما جُبلَت عليه زرودُ
ويشوقني عجف الحجاز وقد طفا *** ريف العراق وظلُّـــه الممدودُ
ويُغـرِّد الشــادي فـلا يهتــــزُّ بـي *** وينــال مني الســائق الغــرِّيدُ
ما ذاك إلا أنَّ أقـمـــار الحِـمَـــــى *** أفلاكُـهــن إذا طـلـعْـــن البـيـدُ
وضبطّ ( زرود) البكريُّ في ” معجم ما استعجم ” ( 2 \ 697 ) فقال : بفتح أوله ، وبالدال المهملة فى آخره. ، ونقل عن ابن دريد قوله :
زرود: جبل رمل، وهو محدد فى رسم عالج ، وفى رسم الوقيظ ، وهو بين ديار بنى عبس وديار بنى يربوع ، متّصل بجدود ، قال أبو داود :
زرود جدود خير من أراطى *** ومن طلح اللّحاء ومن إبــــال
اللّحاء: موضع . والطلح : شجر من العضاه ( قلت : لعلَّـه الموز العُماني المعروف ، والمذكور في القرآن الكريم ). وإبال: موضع قريب من أراطى المحدد فى موضعه . ومن جبال زرود مربخ .
وفي زرود أغار حزيمة بن طارق التّغلبىّ على بنى يربوع ، فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزمت تغلب ، وأسِر حزيمة ، أسَرَهُ أنيف بن جبلة الضّبّيّ ، وكان نقيلا فى بنى يربوع ، وقال :
أخذتك قسرا يا حزيم بن طارق *** ولا قيت منّى الموت يوم زرود
وقال ابن الكلحبة اليربوعىّ وكانت كلمت فرسه ( أي جُرِحَت )، فتراختْ به حتّى أسَـره أنيف دونه :
تدارك إرخاء العـرادة كلمهـــا *** وقد جعلتنى من حزيمة إصبعــا
وفيها يقول :
فقلت لكأس ألجميهــا فإنّمــــا *** حللنا الكثيب من زرود لنفزعـا
وهذا يوم زرود الثانى . وأمّا الأوّل فكان بين بكر وعبس ، ورئيس بكر الحوفزان ؛ هُزمت فيه بنو عبس ، وصُرع عمارة بن زياد العبسى . وقتل هو وابناه سنان وشدّاد، فهو يوم زرود الأوّل . إذن هناك يوْمَـا زرود اثنان بحسب البكري ، وليس واحداً كما قال الحموي ، والبكري حجة آكد من الحمويّ .
وبالعودة إلى محاكمة الجذور ، يقول ابن منظور في اللسان :
الزَّرْد والزَّرَد حِلَقُ المِغْفَر والدرع والزَّرَدةُ حَلْقَة الدرع والسَّرْدُ ثعقْبها ،والجمع زرود والزَّرَّادُ صانعها وقيل الزاي في ذلك كله بدل من السين في السَّرْد والسَّرَّاد والزَّرْد مثل السَّرْد وهو تداخل حلق الدرع بعضها في بعض والزرَد بالتحريك الدرع المزرودة وزرده أَخذ عنقه وَزَرده بالفتح يَزْرِدُه ويَزْرُده زَرْداً خنقه فهو مَزْرُود والحَلْق مَزْرُود والزِّرادُ خيط يُخْنَق به البعير لئلا يَدْسَع بِجِرَّته فيملأَ راكبه ،وزَرِدَ الشيءَ واللقمة بالكسر زَرَداً وزَرَده وازدَرَده زَرْداً ابتلعه أَبو عبيد سَرَطْتُ الطعام وزَرَدْتُه وازدَرَدْتُه ازْدِراداً .. ومن نوادر الأَعراب (طعام زَمِطٌ وزَرِدٌ )أَي لين سريع الانحدار ،والازدرادُ الابتلاع والمَزْرَدُ بالفتح الحلق والمَزْرَدُ البُلْعُوم ،،، ومُزَرِّدُ بن ضرار أَخو الشماخ الشاعر وزَرُودُ موضع وقيل زرود اسم رمل مؤنث قال الكَلْحَبَة اليربوعي :
فقُلْتُ لِكَأْسٍ أَلْهِميها فإِنما ***حَلَلتُ الكَثِيبَ من زَرُودَ لأُفْزعا

وقال في الوسيط ( مادة : ز ر د ) : زرَدَهُ زَرَداً( بتحريك الراء) : خنَقه. ويُقال: زرَد حَلْقَه. وـ عينه على صاحبه: ضيّقها لا يفتحها حتى لا يملأها منه. وـ الدِّرْع: سرَدَها.( زَرِدَ ) اللُّقْمَة ـَ زَرَداً، وزَرْداً: بلِعَها. فهو زَرِد.( ازْدَرَدَ ) اللقمة: ابتلعها.( الزِّرَادَةُ ): حرفة الزَّرَّاد.( الزَّرَدُ ): حِلَقُ المِغْفَرِ والدِّرْع. وـ الدِّرْع. ( ج ) زُرود.( الزَّرِدُ ) من الطعام: اللّيّن السريع الانحدار.( الزَّرَدِيَّةُ ): أداة يشكل بها الصانع السلك أَو يقطعه.( الزَّرَّادُ ): صانع الزَّرَد.( المَزْرَدُ ): الحَلْقُ. ( ج ) مَزارِد . والمزارد المبالع ، ( وفي حوران الآن يقولون للبلعوم زردوم )، وما يهمنا من كلام الجذوريّين أن الزرد هو الابتلاع ، ورملة زرود ( بمعنى بلـوع ) ، إنما دُعيت بهذا لابتلاعهـا مـاء المطر الذي ينزل عليها ، فهي رمال عطشى لا تُمسك ماء ، ومن هنا كان المشي عليها من أصعب أنواع المشي ، ســواء كان الماشي ممتطياً بعيره أو راجلا ً ، صعوبة المشي فوق زرود يُضارعهـا صعوبة أن تجد ماءً في طريق الحج ، لذلك قالوا عن الشيء الصعب، كماء طريق الحج . وفيه قال الشاعـر :

كمــاء طريقِ الحجّ في كلِّ منهَـلٍ *** يُذَمُّ علــى ما كـــانَ منه ويُشرَبُ
===============
وكالة اخبار المراة

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.