في مقاله مطولة، بعنوان نهاية الديمقراطية الإسرائيلية؟ (تايمز أوف إسرائيل، 6 أبريل، 2016)، يستخف حابيب ريتيج جور بالقلق المتزايد حول الركود الديمقراطي في إسرائيل (حيث يصر على نسبه إلى اليسار)، ويتهم الذين يتجرأون إلى الإشارة بأن الديمقراطية الإسرائيلية في خطر… مع “تحد للروح الأساسية للتضامن اليهودي الإسرائيلي”. مع ذلك، قال أنه يختار ليس فقط السرد المهيمن حاليا حول جوهر إسرائيل ويربط ديمقراطية إسرائيل ضد اللاصق الإجتماعي المتنوع الذي يربطنا معا، بل أنه أيضا يوجه أسفين أعمق وأكثر مباشرة إلى التضامن الذي يعتبره ضروريا جدا لمتانة إسرائيل.

إدعاء ريتيج جور قائم على ثلاث ركائز أساسية، أولها يتعلق بالتطور التاريخي لديمقراطية إسرائيل. معتمدا على تحليل فرانسيس فوكوياما حول الدروس النابعة من الأحداث المحيطة بتوقيع الماغنا كارتا في عام 1215 – حيث تعتبر على نطاق واسع أن تكون مهد للديمقراطية. ويشدد على كيف يمكن لسلسلة من المواجهات الجارية خلق توازن متوتر الذي بلور في نهاية المطاف هوية مشتركة وامكن تطور ما من أن يصبح نظاما ملكيا مع ديمقراطية ليبرالية قوية. وكيف يمكن لنوع مماثل من روح الجماعة أن يخلق تضامن إسرائيلي وبدوره صانعا للديمقراطية الإسرائيلية. “العناصر الأساسية في جذور الحريات الأنجلوسكسونية، كانت جميعها حاضرة في فجر النظام السياسي الإسرائيلي اليهودي: مسابقة لا يمكن الفوز بها بين الجماعات المتنازعة بشكل متبادل، مكبلة إلى بعضها البعض في روح موحدة من التضامن، ومد وجزر في وقت واحد الذي يجبر يهود اسرائيل على تقديم تنازلات تشكل ما يسميه الإسرائيليون “ديمقراطية”.

بالنسبة للمؤلف، تطور الديمقراطية الإسرائيلية – غياب الضوابط الرسمية والتوازنات، وترسيخ الديمقراطية البرلمانية، والظهور المتأخر والجزئي لحماية الحريات المدنية في القانون، فإنه يطلق عليها بشكل مستغرب اسم “شبه دستورية”. كما يقول: “إن إسرائيل تقليد ديمقراطي واقعي، حيث تعتبر الديمقراطية حلا لمشكلة معينة ومطولة من الإنقسام الإجتماعي والإعتماد المتبادل”.

من المؤسف أنه يلجأ بعدها لمناقضة أفكاره الخاصة عن طريق فصل ديمقراطية إسرائيل عن الجذور الإجتماعية. إن خدمت ديمقراطية إسرائيل كمفتاح لبقائها حتى اليوم، الإشارة إلى أن: “كثيرا ما ينظر إليها من قبل الإسرائيليين كآلية لضمان التضامن اليهودي وبقاءه من كونها قائمة لدوافع أخلاقية في حد ذاتها”، تضرب في وجه هذا المنطق. في الواقع، على العكس من ذلك، انها تتبع ذلك مؤدية الى حل العقدة المستعصية للتضامن والديمقراطية، مهددة استدامة إسرائيل على مر الزمن.

في هذه الظروف، ليس من المستغرب أن الركن الثاني لتحليل ريتيج جور يعتمد على وجه واحد تحديدا لطبيعة الهوية الإسرائيلية. في رأيه، “تكمن روح اللجوء في قلب التضامن الإسرائيلي”. مدعيا أن هذا التصور، يساعد في شرح كيف نجح الإسرائيليون اليهود في البقاء معا على الرغم من الخلافات الداخلية الهائلة، والتهديدات المستمرة من الخارج وعدم اليقين المستمر في الساحة العالمية. في هذه القصة الشائعة، الرابط المشترك – يتكون من تدابير متساوية من الهوية اليهودية وغرائز البقاء – يعتبر جوهر الولاء. الإمتثال بهذه النسخة للرواية الإسرائيلية أمر بالغ الأهمية لفهم التطورات الأخيرة، حتى هذه النقطة، معترفا بأن أحدث المناقشات حول الديمقراطية هي “ليس حقا نقاش حول الديمقراطية، بل نقاشا متعلقا بالتضامن والتقبل والتسويات الإجتماعية التي تأسس عليها المجتمع الإسرائيلي”.

قصة ريتيج جور مبسطة، ومع ذلك مضللة إلى حد كبير. إثنيا في أساسه – مشيرا فقط إلى المواطنين اليهود في إسرائيل ومتجاهلا العرب وغيرهم من المواطنين غير اليهود. إنها مولودة على أساس مخاوف الإنسان الفطرية وتحصن القومية اليهودية المعزولة؛ إنها تعادل التضامن مع الدعم اللامحدود لهذا التفسير للتاريخ الإسرائيلي؛ ونعم، فهي تقلل أيضا دور الديمقراطية في تشكيل وتطور هوية إسرائيلية حقيقية.

هذا المنظور، الذي ربما يعذر الدافع القومي المتطرف عن غير قصد، يتجاهل بسهولة قصة بديلة لإسرائيل، قصة التي منذ إنشائها ترى تأسيس الدولة ليست فقط كوطن للشعب اليهودي، ولكن أيضا كإطار لإنشاء مجتمع أفضل لجميع مواطنيها. عززت هذه الرواية الأرضية المشتركة للمؤسسين المتنوعين للدولة. انها مخفية في إعلان استقلال إسرائيل. وهي ضرورية لفهم نمو روح الديمقراطية الإسرائيلية، والحقوق والحريات الفردية والجماعية في البلاد.

هذا التفسير الديناميكي والشامل لمصادر التضامن الإسرائيلي الجديد ليس – كما يهرع ريتيج جور للقول – مسألة يمين أو يسار. أنه امر متشارك من قبل دان مريدور وزهافا جالون، من قبل رؤوفين ريفلين ويتسحاك هرتسوغ، وإن تجرأنا على القول، أيضا من قبل بيني بيغن وأيمن عودة. بالنسبة لهم، وبالنسبة للكثير من الإسرائيليين واليهود الآخرين في جميع أنحاء العالم، التضامن الإسرائيلي وديمقراطيتها الليبرالية متشابكة ومعقدة.

لهذا السبب ،الركن الثالث في مقال ريتيج جور، الركن الذي يوازي بين أولئك القلقين إزاء الديمقراطية الإسرائيلية، وأولئك الغير مكترثين لأهمية التضامن الطائفي، ركن هش بطبيعته. أشخاص مثل دانيال سوكاتش المدير التنفيذي لصندوق إسرائيل الجديد، ملتزمون بمستقبل إسرائيل كما يفعل منتقدو المنظمة. الإدعاء أن التشريعات المناهضة للديمقراطية، والتي تشكل قلقا لكثير من الإسرائيليين، غير مهمة أو عرضية، لا يظهر الكثير من الحساسية أمام الهجوم المستمر على الحريات المدنية الأساسية في السنوات الأخيرة، أو إلى الدور الأساسي لمجتمع مدني تقدمي في تنبيه الجمهور إلى التأثيرات السامة. انه يهمش جو التعصب والعنصرية الذي يتخلل المجال العام، معلنا بشكل مروع من خلال الجدل الدائر حاليا حول الفصل بين النساء العربيات واليهوديات في أقسام الولادة في المستشفيات العامة. إنه يتجاهل تماما الخطاب السياسي المتطرف الذي اكتسب نفوذا في وسائل الإعلام والضي يلحق ضررا غير عادي في الشوارع، تحديدا ذلك التضامن الذي وصفه ريتيغ غور. إنه يتغاضى عن الإعتداءات المنهجية على نظام المحاكم من قبل بعض كبار المسؤولين المنتخبين في البلاد، والهجمات المستمرة على الأكاديميين ووسائل الإعلام والفنانين والناشطين في مجال حقوق الإنسان. وفي الحقيقية، إنه يكاد يخلط بين النضال من أجل الديمقراطية الموضوعية مع انعدام التماهي مع الدولة والمجتمع الإسرائيلي ومعاييرهم الأساسية. إن هذا بالتأكيد ليس هدف هذه القطعة مترامية الأطراف.

للتأكيد فقط، يريد العديد من الديمقراطيين الإسرائيليين “حماية قانونية واضحة، وليبرالية مفصلة دستوريا وسياسة مدنية دولية”. ولكن هذا لا يعني بالضرورة أنهم يرغبون “في تبديل الحساسيات القومية التي تدفع اليوم الجسد السياسي الإسرائيلي”. في الواقع، إن المتحدثين المركزيين هؤلاء مدفوعون من قبل فكرة حول أشخاص منفتحين ومتسامحين إزاء التقاليد اليهودية والتاريخ اليهودي. هم يريدون الإعتماد على هذه الفكرة الإنسانية لليهودية، فكرة إرتوت منها التقاليد الليبرالية على مر القرون، لبناء وإضفاء الطابع المؤسسي على التضامن الإسرائيلي الذي يشمل جميع المواطنين. بعيدا عن “احتقار” إسرائيل، أشخاصا مثل تسيبي ليفني، ميراف ميخائيلي، ميخائيل إيتان، وعايدة توما-سليمان هم من يحملون هذه الهوية. تشكل الديمقراطية الليبرالية عنصر حاسم من الهوية اليهودية في جميع أنحاء العالم الحر؛ تمني ذلك لجميع الإسرائيليين هو السبيل إلى ضمان “مصير مشترك” أفضل وأكثر أمنا.

وبكلمات ريتيج جور الخاصة: “ديمقراطية إسرائيل، مثل تلك البريطانية، هي بالتالي في مفهومها العميق عرضية، متجذرة في الغرائز الجماعية لأمة اللاجئين هذه كما هو الحال في المفاهيم الذاتية الواعية للحرية الفردية أو السياسية”.
لسوء الحظ، لقد نسي الإضافة أنه على مر السنين، في إسرائيل، كما هو الحال في بريطانيا، الغرائز الجماعية والحريات السياسية قد تجتمع معا لتشكيل تضامن إسرائيلي محدد مبني على الهوية الشائعة – ديمقراطية ومميزة مع ذلك.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.