في وقت متأخر من الليلة الماضية، تلقيت مكالمة هاتفية متوترة من مدير مخيم صيفي يهودي. فقد شعر أعضاء مجتمعه المحلي بالاستياء بعد أن رفع علم فلسطيني إلى جانب العلم الإسرائيلي الذي يرفعونه يوميا، كإشارة للترحيب بمجموعة من شباب كيدز فور بيس إلى المخيم. جاء هؤلاء المراهقون، اليهود، المسيحيون والمسلمون، الإسرائيليون والفلسطينيون، إلى المخيم لمشاركة قصص حياتهم في القدس وعملهم الشجاع من أجل السلام.
خوفه من فقدان دعم مجتمعه المحلي بسبب العلم أثار سؤالا وجوديا أكبر – كيف يمكننا دعم إسرائيل، وفي الوقت نفسه نعبر عن رغبتنا في السلام الحقيقي؟ ماذا يجب أن أقول له؟

لقد نشأت في فقاعة يهودية أمريكية: حي يهودي، مدرسة يهودية، مخيم صيفي يهودي، حركة شباب يهودية. لقد مجّدت مستشاري المخيم الإسرائيلي ومعلمي العبرية – بشجاعتهم وإبداعهم وتجاربهم الدنيوية. في سن العشر سنوات، وعدت نفسي بأن أهاجر إلى إسرائيل، وهذه الهجرة بمعناها الحرفي بالعبرية تعني “الصعود”، وهو مصطلح الذي يصف الهجرة بشكل دائم إلى إسرائيل.

خلال التعليم الجامعي، حاولت أن أكون إسرائيلية قدر الإمكان. عندما أتيحت فرصة للسفر إلى بولندا، قال أصدقائي في المخيم الإسرائيلي أن علي الذهاب، تماما كما فعلوا في المدرسة الثانوية. في هذه الرحلة، واجهت تراث عائلتي للمرة الأولى – رؤية اسمي العبري الخاص محفورة على الحجر في معسكر موت نازي. هناك قد التزمت حقا بتعزيز تراثي (الذي فعلته بعد فترة وجيزة من خلال الدراسة في نيشمات، وهي كلية دينية صهيونية نسائية رائدة في القدس) والتزمت بالدفاع عن شعبي (ما فعلته في وقت لاحق عن طريق الانضمام للخدمة في الجيش الإسرائيلي).

في الصيف المقبل – مع استراحة بضعة أشهر بين المدرسة الصهيونية والجيش – تطوعت عشوائيا للعمل كمستشارة يهودية في مخيم الصيف Kids4Peace. لم يكن لدي أي فكرة أن هذا القرار في لحظة اتخاذه – حلول مكان إسرائيلية التي التي حرمت من تأشيرة الدخول – من شأنه أن يغير مسار حياتي إلى الأبد. بصفتي متعلمة جامعية, وقائدة شابة من المدرسة الصهيونية فإنني أدركت سريعا أنني لم أعرف شيئا عن الفلسطينيين فحسب، ولكني لم أكن قد التقيت أيا أبدا.

قلت مليون شيء خاطئ، وأدركت بسرعة أنه بدون اللطف والانفتاح من الزميل الفلسطيني سعيد، كنت سأضيع تماما. أظهر لي هويته وأوضح كيف أنه من القدس، ويعيش في القدس، ومع ذلك ليس له أي جنسية على الإطلاق – لا إسرائيلية ولا فلسطينية. أوضح تعقيد كونه لاجئا في أرضه. وعرض لي صورا لأطفاله وبيته، داخل مخيم قلنديا للاجئين بجوار الحاجز الرئيسي بين القدس ورام الله. رحب سعيد بجهلي وفضولي. علمني أنه في Kids4Peac، نحن لا نعتذر عن كوننا نحن؛ نحن نبذل قصارى جهدنا للعمل معا من أجل السلام. شعرت بتحدي لتعلم ما استطعت عن الصراع من كلا الجانبين والخدمة كتقديس للرب من خلال تكريس نفسي كيهودية متدينة لصناعة السلام في ظل الواقع الحالي الميؤوس منه.
* * *
في العبرية، الكلمة التي تعني واقع هي מציאות (metzi’ut)، والتي تأتي من جذر الكلمة “عثر”. اليوم في القدس، فإننا نجد أنفسنا محاطين بعنف مألوف، وذلك لا يتم تدريجيا. اليوم في القدس، أنا شخصيا أجد نفسي المديرة المشاركة الإسرائيلية لكيدز فزر بيس في القدس، مجتمع عريض القاعدة عبر الأديان والذي يزدهر في القدس، وفي الوقت نفسه، والدة طفلين إسرائيليين صغار ينشأون في جهاز التعليم الصهيوني الديني. الآن كعضوة مجلس إدارة كيدز فور بيس، سعيد يواصل توجيه رحلتي.

هناك نشاط نقوم به مع طلاب الصف الثامن كل عام وهم يستكشفون تحديات الهوية – نشاط يتضمن قطع الورق مع الكثير من الخيارات لتعريف الذات. كجزء من تدريب موظفينا، ونحن نتمرن على العديد من أنشطة الشبيبة ونمر في هذه العملية معا.
…يهودي. مسيحي. مسلم. إسرائيلي. فلسطيني. لاجئ. قارئ. كاتب. رياضي. فنان. مغامر. صديق. زعيم. تابع. صانع سلام. لاعب الكرة القدم. و أكثر من ذلك بكثير…
نأخذ هذه القطع من الورق ونصمم شكل مع كل القطع التي قررنا انها تعرف عنا. ثم نتجول، ننظر إلى تصاميم بعضنا البعض ونسأل الأسئلة لبعضنا البعض.
لتصميمي، أضفت هوية الأم على واحدة من قطع الورق الفارغة. اخترت يهودية. اخترت متدينة. اخترت صهيونية. اخترت ناشطة، صانعة سلام، وغيرها الكثير.
“لا، ميريديث. هذا ليس مقبولا. كيف يمكنك أن تكوني صهيونية وصانعة للسلام؟ هذا غير ممكن”، يتحدى صديق وزميل فلسطيني. بعد أن طلبت منه تفسيرا إضافيا, قررنا أن هذه فرصة هامة لإجراء محادثة حول من نحن وماذا يجلبنا لهذا العمل.

يقول لي أنه يؤلمه أنني أستخدم كلمة صهيونية لتعريف نفسي. أن هذه الكلمة محملة بالعنف، الألم، والاحتلال. كيف أجرؤ؟ يخبرني أنه من الصعب عليه أن يسمع عن خدمتي العسكرية في الجيش الإسرائيلي حيث خدمت في الإدارة المدنية في الضفة الغربية. هل لا يوجد عندي خجل؟
أنا أصغي. أسمعه. ومن المنطقي بالنسبة لي أن هذا مؤذ بالنسبة له، وأنا لا أريد أن أضرّ به. فهو يهمني. ولكن هذه أنا وما أؤمن به. إذن، ماذا نفعل من هنا؟
أوضح أني لا أريد أبدا أن أضر به أو بأصدقائي الفلسطينيين الآخرين. أكرر أن أقدّر صدقه، وأنه من المهم بالنسبة لنا أن نجري هذه المحادثات الحقيقية، ونمذجة العمل الذي نطلب من شبابنا وأولياء الأمور القيام به.
ثم أشرح ما تعنيه لي كلمة صهيون – وما أعتقد أنه من المفترض أن تعني. تستخدم صهيون في جميع أنحاء الكتاب المقدس والصلاة اليهودية، وتشير في الأغلب إلى القدس، وأحيانا إلى كل إسرائيل التوراتية. انها تستخدم عندما يتوق الشعب اليهودي إلى العودة إلى ديارهم في سلام، للترحيب بوجود الله المقدس في القدس التي أعيد بناؤها.

لقد استمع صديقي وزميلي الفلسطيني إلى كلامي بانفتاح. نحن نواصل كل يوم في النضال معا، والتحدث والاستماع بصراحة، والعمل جنبا إلى جنب من أجل السلام.
بينما انضممت إلى الملايين من المهاجرين اليهود العائدين إلى إسرائيل بعد 2000 عام في المنفى، أدرك أن هذه العودة معقدة. أقر بأن مصطلح الصهيونية قد استخدم في سياق سياسي وفي كثير من الأحيان عنيف. إنني أدرك معاناة أصدقائي وزملائي وجيراني الفلسطينيين. أنا أتعامل مع تعقيد علاقة شعبي بهذه الأرض وعلاقتنا مع الشعب الذي كان يعيش هنا عندما بدأنا في العودة إلى ديارنا. لا بد لي من القيام بواجبي، يوما بعد يوم، لخلق القدس السلمية التي أعتقد أننا ينبغي أن تكون ويمكن أن نعيش فيها معا.
الأمر صعب حقا. من الصعب عندما أخشى أن أذهب إلى المكتب. من الصعب أن يكون زملائي الفلسطينيون عالقين عند نقطة التفتيش. من الصعب عندما يكون زوجي أو أخي في واجب احتياطي. من الصعب عندما يشهد شبابنا ويتعرضون للعنف والإذلال. من الصعب عندما تكون ابنتي البالغة من العمر 4 سنوات مشوّشة حول ما تسمعه من أصدقائها في المدرسة، مقارنة مع ما تعرفه من مجتمعنا المحلي وأطفال كيدز فور بيس لدينا. لكني أعلم أننا بصدد شيء ما.

عندما أكون في مخيم كيدز فور بيس أسمع مجموعة من المراهقين يلعبون كرة القدم ويعلمون بعضهم البعض كيفية قول “هدف” و “كرة” في العبرية والعربية دون أي طاقم لقيادتهم، وعندما ترجتني الفتيات بتنظيم “ليلة الفتيات” حتى يتمكنوا من التعرف على بعضهن البعض في امسية تجديل الشعر وصناعة أساور الصداقة، وعندما تناديني طاولة غداء مليئة بالمارهقين البالغين من العمر 13 لكي أرى أنهم وجدوا أنفسهم يجلسون يهوديا، مسيحيا، مسلما، يهوديا، مسيحيا، مسلما فقط عن طريق الصدفة
في هذه اللحظات، أدرك أننا بصدد شيء كبير.

في كلية الدراسات العليا، تعلمت صياغة بيان مهمة ورؤية. مهمتنا في كيدز فور بيس هي تجسيد ثقافة السلام وتمكين حركة من أجل التغيير. قد يبدو طموحا مفرطا، لكننا نفعل ذلك فعلا.
ثقافة السلام عندنا آخذة في الازدياد. شبابنا ينمون معا – في منازل بعضهم البعض، ويتعلمون عن واقع بعضهم البعض، مع أهالي داعمين يمرون في عملية موازية، ومع شباب أكبر كقدوة هناك لتوجيههم والمسك بأيديهم عندما تصعب الأمور (وأنها فعلا تصعب أحيانا).

إن حركتنا من أجل التغيير هي حقيقية. نحن الآلاف قوية، ونفجر تأثير في العالم عند السير في شوارع القدس، والسفر في العالم للتحدث مع الجماهير، وتحدي القادة المحليين والدوليين في الاجتماعات الرسمية وغير الرسمية، والتحدث إلى الملايين – حرفيا الملايين عن طريق الاعلام الدولي، وزيارة المجموعات السياحية، ووسائل الإعلام الاجتماعية، والمخيمات الصيفية اليهودية الأمريكية والمدارس تماما مثل تلك التي نشأت فيها.
بالنسبة لي، في ليلة ذكرى خراب الهيكل في القدس، اليوم كلمة صهيون تعني البيت وأيضا الأمل. تماما كما يستخدم الراستافاريون “صهيون” للإشارة إلى المثالية السلمية، صهيون بالنسبة لي هو الحلم المثالي السلمي، التي أتوق له وأعمل من أجله بلا كلل كل يوم هنا في القدس. في كيدز فور بيس، أنا أصب جرأتي لصنع السلام مع جيراني الفلسطينيين الزملاء, الأصدقاء، حتى نتمكن من تربية أطفالنا سلميا في هذا الوطن الذي نتشاركه. أنا أفعل هذا لأنني أؤمن بكل قلبي الله الذي نؤمن به يريد منا أن نعيش في وطننا بأمان وسلام مع جيراننا.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.