جاريَ العزيز ،

يوافقُ اليومَ ذكرى أشدّ الأيامِ فظاعةً في السنة اليهوديّة ، يومُ التاسع من آب –  آب هو اسمُ الشهر الحادي عشرَ في السنة اليهوديّة – ، وهوَ يومٌ نصومُ فيهِ حِداداً وحُزناً كونهُ يُصادفُ ذكرى دمارِ الهيكلِ مرّتين. في المرّة الأولى هدمَ الملكُ البابليّ نَبوخذ نصّر الهيكلَ اليهوديّ سنةَ 587 قبلَ الميلاد، الأمرُ الذي أدّى إلى تهجيرِ اليهودِ إلى بابل – أو ما يُعرفُ بالسبي البابليّ لليهود – ، أما المرةُ الثانيةُ التي هُدمِ فيها الهيكلُ قكانت سنةَ 70 بعدَ الميلاد عل يدِ الامبراطورِ الرومانيّ تيتوس ، مُسبّباً بذلكَ شتاتَ اليهودِ في شتّى بقاعِ العالم. دامَ مَنفى اليهودِ في بابلَ مدة سبعينَ سنة ، حيثُ عادَ اليهودُ من المَنفى حينَ غزا الملكُ الفارسيّ سايروس دولةَ بابلَ وأمرَ بعودةِ اليهودِ إلى وطنهِم ، لكن مَنفى اليهودِ وتشتّتَهُم في شتّى بقاعِ العالمِ خلالَ حُكمِ الرومان دامَ قُرابةَ ألفَي سنة ، حيثُ عادَ اليهودُ إلى وطنهِم بعد قيامِ دولةُ إسرائيلَ عام 1948.

وبينَما أنا صائمٌ أحدّقُ بساعةِ يدي من وقتٍ لآخر مترقّباً بلهفةٍ انتهاءَ مِحنةِ ذلكَ اليومِ الشاقّ، أستذكِرُ شهرَ رَمضانْ، فأصدقائيَ المُسلمونَ الذينَ أعرفهُم يترقّبونَ بلهفةٍ حُلولَ هذا الشهر الفضيل. إنّهُ شهرٌ مميزٌ بالنسبة لهم، كونهُ يجسّدُ تجربةً دينيّة يَنغمسُ فيها المُسلمُ روحيّاً مُكرّساً وقتهُ للطاعاتِ والِعبادات. إن تذكّري لشهرِ رمضانَ أثناء صيامي في يوم التاسعِ من آب يَخفّفُ عنّي من عناءِ تلكَ المشقّة، ويُساعدُني في الإحتفاءِ بتلك التجربةِ الروحية القائمة على حرمانِ النفسِ مِنِ الملذات .

إنّ الحرارةَ المُنبعثةَ من الصحراءِ صباحَ هذا اليوم الجافّ من أواخر شهر تموزَ تزيدُ من مشقّة وعناءاً الصيام. على أيّة حال ، هذا ليسَ بالأمرِ المُستغرَبِ ، فالتقويمُ العبريّ يعكِسُ دورةَ الحياةِ الطبيعيّة على هذه الأرض ، أرضِ إسرائيلَ بالذّات. إننا نحتفلُ بعيدِ الفصحِ الذي يَرمزُ إلى الحريّة والتجدّدِ في بدايةِ فصلِ الرّبيع ، بينما نحتفلُ بِذكرى نزولِ التوراةِ  بعدَ سبعةِ أسابيع من ذكرى عيدِ الفصح في الفترةِ الزمنيّة التي ينتهيِ فيهِا فصلُ الربيعِ ويتلوها حصادُ القمح، في رمزيّة إلى الوقت الذي حصدَ فيهِ اليهودُ حصادَهُم الروحيّ المُتمثّلَ بنزولِ التوراة. ومن نفس المُنطلق، فإن صيام التاسعَ من آب يحلُّ في فصلِ الصيفّ الحار، الوقتُ الذي تبدو فيها الأرض جافّةً وكأنها يائِسة بائِسة.

توجّهتُ ليلةَ أمس لزيارةِ الحائطِ الغربيّ ، أي الجُزءَ الوحيدَ المُتبقّيَ من حطامِ  الهيكل حينَ هُدم في التاسع من آب. بَدَت ساحةُ الحائطِ المُعبّدةِ بالحجارةِ مكتظّة باليهودِ على اختلافِ طوائفِهِم ، في تنوّعٌ يكادُ يكونُ أقربَ إلى تنوّع البشريّة نفسِها، فيما جلسَ المتعبّدونَ على شكلِ دوائرَ وحلقاتٍ على الأرض يقرأونَ بكلّ لهجةٍ من لهجاتِ شتاتِنا كُتابَ الرّثاءِ الذي يَشرحُ كيفَ كانَت مدينةَ القدس – آنذاك – وحيدةً حبيسة ، ذلكَ الكتابُ الذي جُمعَ قبل قرابةِ الفين وخمسمئة سنةٍ لرثاءِ هدمِ مدينةِ القدس وخرابِ الهيكَل.

رأيتُ في الساحةِ الكثيرَمنَ اليهودِ الأرثوذوكسِ من جميعِ الطوائفِ ، وما يميّز كلّ طائفةٍ هو حجمُ وشكلِ القبّعةِ الخاصةِ بكلّ طائفةٍ ، اضافةً إلى طولِ الرّداءِ الأسودِ الذي يرتدونهُ. سمعتهُم يرتّلون بلهجةِ اليهودِ البولنديينَ والهنغارِ للغّة العبرية اليديشيةّ. رأيتُ أيضاً يهوداً من أصولٍ يمنيّة مُميزينَ بسوالفهِم المَجدولةِ الطويلة يرتّلونَ العبريةِ بحَشرَجةٍ حلقيّة صاخبةٍ تُحاكي النبرةَ العبريّة التي كان يتكلّمُ بها اليهودُ قبل أن يتمّ نفيهُم من هذه البلاد ، حيثُ ارتبطَت اللغة العبريّة بالطقوسِ والعباداتِ والدراساتِ الدينية ; تلكّ اللغةُ التي حُظرَ على اليهودِ أن يتكلّموا بها في الشتّات.

سمعتُ لغاتٍ عديدة أيضاً في ساحةِ الحائِط الغربيّ ; سَمعتُ اليهودَ الذي يتكلّمونَ باللغة الروسيّة والانجليزيّة واللغة الأمهاريّة الاثيوبيّة ، والأهمّ من هذا كلّه سمعتُ اللّغة الفرنسيّة، وأقولُ أهمّ من هذا كلّه كونَ اليهود الذينَ قدِموا من فرنسا يمثلونَ آخرَ اليهودِ المهاجرينَ القادمينَ إلى إسرائيلَ من الشّتات، حيثُ هربوا إلى هذهِ الأرضِ فارّينَ من العنفِ الذي تعرَضَوا لهُ في ظلّ ” الديمقراطيّة الغربية “.

وفي خِضمّ هذا الأجواء التي غلبَت عليها مشاعرُالحزنِ والرّثاءِ في كلّ ايماءةٍ وكلّ حَركة، لَم أشعُر بوجودِ معاناةٍ حقيقيّة بمعنى الكلمة . صَدحَ بعضُ المتدينّين بكلماتِ الرّثاءِ بينما كانت الدموع تذرفُ من عيونهِم ، إلا أنّ هذا بدا ليَ وكأنه حزنٌ مُصطَنَع، كونهُ يصعبُ عليكَ أن تعيشَ معنى حزنِ المنفى في الوقتِ الذي انتهى فيهِ منفاكَ.

 

صحيحٌ بأن اللهَ لم يَستَجب لجميعِ أدعيَتنا، وصحيحٌ بأننا عُدنا إلى وطنِنا، لكنّ مَشهدَ الجنودِ الإسرائيليينَ وهُم يحيطونَ بنا في باحةِ الحائطِ الغربيّ  بهدفِ حمايتِنا لا يُذكّرنا فقط باستعادتِنا للسّيادة على هذه الأرض، بل يُذكّرنا أيضاً بتهديدٍ متواصلٍ لوجودِنا عليها .هُناكَ بعضُ وجهاتِ الّنظر التي توضّحُ بأنّ جزءاً من عواقبِ خرابِ الهيكل في التاسع من آب قد  تمّ تداركُهُ فعليّاً من خلالِ انهاء الشتاتِ اليهودي وقيام دولةِ إسرائيل، إلا أنّ الجُزء الآخرَ من تلكَ التبعات لا زالَ موجوداً حتى اليوم ، والذي يَتمثلُ في عدم تحقّقِ الخلاصِ نفسه.  إنّ التقاليدَ والمُعتقداتَ اليهوديّة لا زالت غير قادرةٍ  على أن تحدّدَ الفترة التي ستفصلُ بين عودة اليهود إلى أرضِهِم ويومِ الخلاص  ، نظراً لوجوبِ تحقّقهما معاً . لذلك فإننا نقلّد ونكرّر طقوسَ الرّثاءِ والحدادِ بينما تتملكّنا الحيرةُ والتعبُ ، فها نحنُ عُدنا إلى ارضنا لكن لم يتحقّقِ الخلاصُ بعد.

وبالتنقّل من حلقةٍ لأخرى في ساحةِ الحائطِ الغربيّ ، انتابَني شعورٌ بالذهولِ من قدرتِنا على العودةِ إلى وطننا الأمّ كشعبٍ يهوديّ ، كونَنا آمنَا بقوّة بأنّ هذا سيحدُث وبأننا سنبني أنفسَنا مُجددً كشعبٍ واحدٍ بدلاً من مُجتمعات متفاوتةٍ مشتّتةٍ هُنا وهُناك.إنّ معظم الإسرائيليّين الذين أعرفهُم هُم أشخاصٌ مؤمنون ، حتى وإن لم يكونوا مُلتزمينَ دينيّاً إلا أنهُم بلا شكٍ أناسٌ مُلتزمونَ بحياةٍ ذاتِ معنى.

جاريَ العزيز ، يشعرُ الإسرائيليّونَ بأنّ تكلُمَهُم للّغةِ العبريّة في وطنهِم هو معجزةٌ بحدّ ذاتِها ; كونهُم أحيوا لُغتهُم الأم من جهة ، وعادوا إلى وطنهِم من جهة أخرى ، و كَما كُتب في سفر المزاميرِ الدينيّة – سفرِ داوود – :

عِنْدَمَا رَدَّ الرَّبُّ سَبْيَ صِهْيَوْنَ، صِرْنَا مِثْلَ الْحَالِمِينَ “

 لذلكَ ، فإنّ كونكَ انساناً اسرائيليّاً يَعني أن تستقيظَ لتجدّ حُلُمكَ وقد تحقّق.

أذكرُ في صباحِ أحدِ الأيّامِ حينَ كنتُ أقودُ سيّارتي مُصطحِباً ابني شاحار – الذي كان مراهقاً حينها – إلى المدرسة ، حيثُ  علِقنا في ازدحامٍ مروريّ في منطقة ليسَت بالبعيدة عن البلدة القديمة في القدس ، فقلتُ لابني شاحار : ” أَتَدري ، لِلحظةٍ معيّنة ، يتبادرُ إلى ذهني كيفَ أننا عالقونَ هُنا وسط هذا الازدِحام ، كأي شخصٍ عاديّ عالقٍ في ازدحامٍ مروريّ عاديّ في أيّ مدينةٍ أخرى مِن هذا العالم ، لكن هذه التفاصيلَ المُملّة من حياتِنا اليوميّة كانَت بمثابةِ أحلامٍ مُستحيلةٍ لطالما تمنّاها
أجدادُنا ” . لّم أكُن أتوقّع أيّ ردٍ من ابني شاحار – عازفِ الجازِ – كونهُ  لا يحبّ الخوضَ في المواضيعِ المتعلّقة بالتاريخ والأحداثِ التاريخيّة ، إلا أني فوجئتُ حين ردّ شاحار قائلاً : ” وأنا ايضاً ، كثيراً ما يتبادرُ إلى ذهنيَ نفسُ التفكير “.
أدركتُ بأنهُ هوَ الآخر هوَ يفكّرُ كثيراً بنفس الموضوع  ;إذ كيفَ ليهوديّ يعيشُ هُنا ألا يُفكّر في الأمورِ التي تُهدّدُ وجودَهُ على هذهِ الأرض؟

وفي موقفٍ آخر ، ذهبتُ في رحلةٍ إلى مدينةَ روما كجزءٍ من رحلةِ ” حجٍ ” زرنا فيها قوسَ تيتوس الذي يمثّل نصباً تذكارياً يوثّقُ دمارَ مدينةِ القدسِ وخرابَ الهيكَل. حينَ تنظرُ لذلكَ القوسِ تجدُ صورةً منقوشةً عليهِ تصوّر الدّمارَ الذي لحقَ بنا حينَها: صورةُ العبيدِ اليهودِ وهُم يحمِلونَ الشمعدانَ اليهوديّ في شوارعِ روما. خلالَ فترةِ الشّتاتَ ، حرصَ اليهودُ على عدمِ المرورِ أسفلَ ذلكَ القوسِ في رمزيّةٍ إلى رفضِ الإذعانِ والانصياعِ  للهزيمة ، لكنّي مَررتُ بذلكَ القوسِ وشرعتُ بتلاوةِ صلاةٍ من الصلواتِ التي نتلوها في المناسباتِ التي نشعرُ فيها بالامتنان ، كوني مُمتناً لأني أعيشُ في زمنٍ يمتلكُ فيه اليهوديّ ضمانةً للبقاء.

ولطالما جالَت بخاطري أسئلةٌ كثيرة :  كيفَ تمكّنَ اليهودُ منَ البقاء ؟ كيفَ حافظَ أجدادُنا على الأملِ في المَنفى ؟ لماذا حافظوا على ولائهِم لله رغمّ كلّ ما ألمّ بهِم من مصائب ، ورغمَ أن الأمر بدا وكأن الله نفسَهُ قد تخلّى عنهُم واستبدلَ اليهوديّة بالمسيحيّة والإسلام ؟ كيف قاومنا كلّ الضغوطاتِ التي كانَت تُمارسُ ضِدّنا بهدف اجبارنا على تركِ ديانتِنا واعتناقِ دياناتِ الدولِ التي كنّا نخضعُ لها ؟

إنّ بعضَ اليهودِ – بلا شكٍ –  قد تخلّوا عن الديانةِ اليهوديّةِ ، الأمرُ الذي قد يكونُ أحدَ الأسبابَ التي تُفسّر قِلِّة عدد اليهودِ في العالمِ ، فنحنُ بالكادِ نصلُ إلى أربعةَ عشرَ مليون يهوديّاً، أما أولئكَ الذينَ حافظوا على ديانتهِم اليهوديّة فهُم سلالةٌ تنحدرُ من رجالٍ ونساءٍ ذوي ايمانٍ معقّد ، ايمانٍ لربّما نعجزُ عن فهمهِ أحياناً ، كونَهُم – أجدادُنا المضطّهدونَ – قد أقنعوا أنفسهُم بالقصّة التي أخبرَهُم أجدادُهُم بها ، وأنّ عودةَ اليهودِ إلى وطنهِم أمرٌ سيتحقّقُ لا محالة . إنّ أحدَ أهمّ الأسبابَ التي تجعلُني يهوديّاً شديدَ الإيمانِ بعقيدتي اليهوديّة هو ذلكَ الإيمانُ القويّ الذي تحلّى به أجدادُنا وقتَ الشدّة.

 

 

إنّ ما ألَمّ باليهودِ في التاسع من آب قد أظهرَ الديانةَ اليهودية وقتما كانَت في قمّة مِحنتِها ، حيثُ مثّلَت أرضُ إسرائيلَ والهيكلُ معاً أركانَ الحياةِ اليهوديّة التوراتيّة في وقتٍ من الأوقات . بالتالي ، ماذا سيَحدُث حينُ تُهدمُ أركانُ تلكَ الحياة بطردِ اليهودُ من أرضِ إسرائيلَ مِن جهة ، وهَدمِ هيكلِهِم مِن جهةٍ أخرى ؟

أدركَ اليهودُ تدريجيّاً بأنّ الشتاتَ سيكون مُختلفاً هذه المرة، و خلافاً للسبي البابليّ ، لم توجَد أية مؤشراتٍ على وجودِ حدودٍ زمنيّة  تلوحُ في الأفقِ لتنبّيءَ بنهايةِ ذلكَ الشّتات ، إلا أنّ اليهود تفهّموا ذلكَ الواقعَ وتعاملوا معَ قضيّة النفيّ والشتاتِ بطريقةٍ مُتناقضة بَعضَ الشيء. فمن جهة ، رأوا في نفيهِم من أرضِ إسرائيلَ عِقاباً إلهيّاً لما ارتكبوهُ من خطايا ، لذلكَ استسلموا لقدرِهِم حتى يشاءَ اللهُ إنهاءَ ذلكَ الشّتات. إلّا أنّهُم – من جهةٍ أخرى – رفضوا الخنوعِ  الأبديّ للمنفى ورفضوا أزليّة ذلك الشتات ، فاستحضروا بهمّةٍ الأمَلَ والإيمانَ بالحقيقةِ المُحيّرة القائمةِ على حتميّة انتهاءِ الشتّاتِ يوماً ما حينَ يقرّرُ اللهُ عودةَ اليهودِ من أقصى بقاعِ الأرض إلى وطنهِم ، الأمرُ الذي بشّرَ وتنبّأ بهِ أنبياؤنا سابقاً.

ومع ذلك ، فإنّ احتمالّية انتهاء الشّتاتِ وعودة اليهودِ إلى وطنهِم كانَت شبه مُستحيلة  نظراً لاستبعادِ اليهودِ حدوثَ ذلكَ قبلَ مجيء المسيح المُخلّص – بحسبِ المُعتقداتِ اليهوديّة فإنّ المسيحَ المُخلّصَ هو ملكٌ مستبقليّ ينحدرُ من نسلِ الملك داوودَ  سَيحكمُ الأمّة اليهوديّة على الأرضِ في الفترة التي تسبقُ الحياة القادِمة – . فالمسيحُ المُخلّصُ هوَ الوحيدُ القادرُ على استعادةِ السيادة اليهوديّة وإرجاعِها للأمة اليهوديّة المشتّتة والمُستضعفةِ بينَ الأمم.

 

وخلالَ تلكَ الفترةِ الزمنيّة المُطوّلة والفاصلةِ بينَ التاسع من آب وموعدِ الخلاصِ ، وازنَ اليهودُ بينَ هاتين الاستراتيجيتين المزدوجتين والقائمتينِ على قبولِ الشتّاتِ كحقيقةٍ يجبُ التسليمُ بها من جهة ، ورفضِ أزليّة هذا الشتاتِ من جهةٍ أخرى. وفي خضمّ تلكَ الفترةِ ،اختلَفَت أمورٌ كثيرة في الحياةِ اليهوديّة ، حيثُ تولّى أحبارُ اليهودِ وحاخاماتهُم وعلماؤهُم ومشرّعوهُم وحكماؤهُم أمرَ اليهودِ كأوصياءَ يقعُ على عاتقهِم رعايةُ شؤونَ الحياةِ اليهوديّة ، ففي الفترةِ التي سبقَت خرابِ الهيكلِ تولّى الكهنةُ شؤون أداءِ الشعائر الدينيّة في الهيكلِ، الأمرُ الذي اختلفَ توّاً بعد خرابِه. إضافةً إلى ذلك ، أخمِدَ صوتُ أنبيائِنا بعدَ انقطاعِ الوحي الإلهيّ ، وهوَ أحدُ أكثرِ العباراتِ ألماً وتعبيراً عن فشلِنا الروحيّ ، نَظراً لأنّ النبوءةَ – تبعاً للمُعتقداتِ اليهوديّةِ – تُعطى لليهودِ على أرضِ إسرائيلَ فقط.

ونتيجةً لهذا ، أصبحَت الكُنُسُ اليهوديّةُ بديلاً للهيكلِ ، فيما حلّت الصلواتُ عوضاً عن التضحيةِ بالحيواناتِ كقرابينَ لله ; الأمر الذي اعتُبرَ خطوةً مهمّةً على طريقِ التطوّر الروحيّ للديانة اليهوديّة. ومِن خلالِ هذه التطوّراتِ في الحياةِ اليهوديّةِ والتي تمّ استحداثُها بعد خرابِ الهيكل ،عقدَ اليهودُ عَقدَهُم الذي يقضي بالتأقلمِ مع الشتّات والمَنفى خارجَ أرضِ إسرائيل.

ومعَ ذلك ، فقد بنى أحبارُ اليهودِ في ” يهوديّة المَنفى ” الأملَ ، أملاً عميقاً بأنّ يوم التاسعِ من آب سيتحوّلُ من يومٍ لذكرى خرابِ الهيكلِ إلى يومٍ يحتفي فيه اليهود بيومِ خلاصِهِم،  وبحسبِ أحدى الأساطيرِاليهوديّةِ  فإنّ المَسيحَ المُخلّصَ سَيولدُ أيضاً يومَ التاسعِ من آب.

لقد حملَ اليهودُ أرضَ إسرائيل في قلوبهِم في خضمّ ترحالهِم في بلدانِ الشتات، ، حملوا معهُم أوقاتَ كلّ موسمٍ من مواسمِ زرعِها ، حملوا قصَصها ونبوءاتِها ، وتجادلوا في البيوتِ التي درسوا فيها الديانةَ اليهودية بخصوصِ قوانين شميتا – قوانينُ شميتا تعبّرُ عن أمرٍ ألهي يقضي بعدمِ زراعةِ أرضِ إسرائيلَ وتركِها بوراً مرةً كلّ سبعةِ سنواتٍ لتستريح وتستعيدَ نُضرتَها-. وعلى الرغم من وجودِ اليهودِ في المنفى  إلا أنّهُم كانوا يعلَمونَ تماماً الأوقاتَ التي تُزرعُ وتُحصدُ فيها المزروعاتُ وكأنهُم فلاّحو تلكَ الأرضِ الذينَ لم ينقطعوا أبداً عن زراعتِها أو حصادِها.

 

 

وبعد الشتات ، انتقلَت العلاقةُ بين اليهودِ وأرضِ إسرائيل من علاقةٍ مكانيّةٍ إلى علاقةٍ زمانيّة. فبالنسبةِ لنا ،وُجِدت هذهِ الأرضُ في كلا الزمنين ، الماضي والمستَقبَل ، كذكرىً مَضَت سابقاً وأمرٍ لا زلنا نترقّبُ حدوثَه مُستقبلاً. ولهذا،  آمنَ اليهودُ بقوّةٍ  بأنّ الأرضَ ستبزُغُ مرةً ثانيةٍ وتعودُ علاقتنا بها من علاقةِ زمنيّة في المنفى ، إلى علاقةٍ مكانيّةٍ فوقَ أرضِ إسرائيل.

لقَد حافظَ اليهودُ على أرضِ إسرائيلَ في صلواتهِم أكثَر من أي شيءٍ آخر ، فقَد غلَبَت على الصلواتِ اليهوديّة ملامحُ الشوقِ والحنينِ إلى الأرض ، وتجربتي كطفلٍ صغير ترعرَعَ في بيتٍ متديّنٍ في بروكلين هيَ خيرُ برهانٍ على ذلك. لقَد أديتُ صلواتيَ مُستسقياً المطرَ في فصلِ الشتاء ، طالباً من الله أن يُنزلَ الندى والبركةَ على ما تُنتجُهُ الأرضُ في فصلِ الصيف، طلبتُ من الله أن يستجيبَ لتلكَ الدّعواتِ غير آبهٍ  بحالةِ الطّقسِ خارجَ نافذتي ; فبوصلةُ دعواتي تتجهُ صوبَ مواسمِ وفصولِ تلكَ الأرض البعيدة . لقد كنتُ أتضرّعُ إلى صهيون – صهيونُ تعني أرضَ إسرائيلَ – في صلواتِ الصباحِ والمساء ، في الصلواتِ التي نصلّيها بعدَ تناولِ الطعام . لقَد عرفتُ أرضَ إسرائيلَ كذاكرةٍ موروثةٍ قبلَ أن أعرفها كمكانٍ موجودٍ على أرضِ الواقعِ.

أذكرُ جيّداً حين وقفنا أنا وزوجتي سارة في حفلِ زفافِنا أسفلَ المظلّة التي تُنصبُ أثناءَ مراسمِ الزواج ، مُردّدينَ ما رددهُ اليهودُ من قبلنا منذُ قرونَ مضت ، ردّدنا هذه الآيةَ من سفر المزامير :

إِنْ نَسِيتُكِ يَا أُورُشَلِيمُ، تَنْسَى يَمِينِي ” 

 ثمّ كَسَرنا بعدَها كأساً زجاجياً مُستذكرينَ خرابَ الهيكلِ في أجملِ لحظةٍ من لحظاتِ حياتِنا.

لربّما يكونُ أكثرَ العباراتِ قوّة في التعبيرِعن شوقِنا وحنينِنا إلى العودةِ إلى أرضِ إسرائيلَ موجودةً في الأشعار الدينيّة التي ألّفها اليهودُ الذينَ عاشوا في البلادِ الإسلاميّة . فعلى سبيلِ المثال ، غنّى أهلُ اليمنِ قائلينَ : ” سوفَ أسألُ إلهي أنَ يفكَ أسرَ المأسورينَ ” ، قاصدينَ بهذا أنفُسهُم ، كونهُم يعيشونَ في أسرِالمنفى بعيداً عن أرضِ صُهيون. وفي مثالٍ آخر ، كتبَ الشاعرُ اليهوديّ الاسبانيّ الذي عاشَ في القرونِ الوسطى يهودا هاليفي – والذي لقّبَ نفسهُ بأبي الحسن اللاوي- دعاءً حزيناً اقتبَسهُ اليهودُ في شتّى بقاعِ العالم ، كتبَ هليفي : ” يا صهيون ، هَلا تكترثُ بما حلّ بأسرى هذه الأرض في
المنفى ؟ “. واضافةً إلى ذلكَ ، لطاما اجتمعَ يهودُ المَغربِ في كُنُسهِم في منتصفِ الليلِ سائلينَ الله أن يُعيدَهُم إلى أرضِ إسرائيل.

استحضرَ اليهود وخلالَ شتاتِهِم الكثيرَ من الشعائرِ الدينيّة التي تعبّرُعن الشوق والحنينِ إلى هذه الأرض ، وخيرُ مثالٍ على هذا هوَ أحدُ أعيادِ اليهودِ الاثيوبيينَ والمعروفِ بعيد ” السّغد ” ، حيثُ يصعدُ اليهودُ الاثيوبيّون من قُرى اقليمِ غُندار مرّة كل سنةِ في أواخر فصلِ الخريف إلى جبلٍ من جبالِ تلكَ المنطقة مرتدينَ اللباسَ الأبيضَ ، صائمينَ مولّينَ وجوهَهُم جهةَ الشمال ، تجاه أرضِ صَهيون ، سائلينَ اللهِ أن يُعيدَهُم إليها.

لقدّ تعرّفتُ على عيد “السّغد ” الاثيوبي ّعن طريق صديقي شمعون الذي هاجرَ إلى إسرائيلَ في نفس الفترةِ التي رحلتُ فيها أنا الآخرُ إلى إسرائيلَ في ثمانينيات القرن الماضي تقريباً . ورغمَ انتماءِ صديقي شمعون إلى أشدّ المُجتمعاتِ اليهوديّة فقراً وبُؤساً في الشتات – قاصداً يهودَ اثيوبيا – وانتمائي لأكثرِ المُجتمعاتِ اليهوديّة تَرَفاً – أي يهودَ أمريكا – ، إلّا أنّ كلانا ترعرعَ وكبرَعلى حبّ أرضِ صهيون. بالنسبة لشمعون ، فقد بدأ شوقُهُ إلى العيشِ في أرضِ إسرائيلَ مُذ بدأ عيدُ السغِد ، حيث حدّثني أنّهُ ، وبكلّ فخرٍ ، بدأ يلتزمُ بصيامِ هذا اليوم منذ كان عمرهُ ثمانية أعوامٍ.

عاشَ يهودُ اثيوبيا مُقتنعينَ بأنهُم آخرُ اليهودِ على وجهِ الأرض ، نظراً لانقطاعهِم عن باقي المُجتمعاتِ اليهوديّة في الشتات ، فيما عاشَ جيرانهُم المسيحيّونٍ في خوفٍ دائمٍ منهُم كونهُم كانوا يعتقدون بأنّ يهودَ اثيوبيا هُم مجموعةٌ منَ السّحرة ، لذا لقّبوهُم بالفلاشا ، أي الغُرباء. وهذا – بالمناسبةِ – هو نفسُ الاعتقادِ الذي سادَ بين مسيحيّي أوروبا في العصور الوسطى ، حيثُ كانوا يخافونَ من اليهود لاعتقادهِم بأنّ اليهودَ هُم عبدةُ الشيطان ومُسمّمو آبار المياه.

لُقّبَ يهودُ اثيوبيا أنفسَهُم بـ ” بيتا إسرائيل ” ، أي بيتُ إسرائيل ، وبانقضاءِ سنةً تلو الأخرى ، وقَرنٍ تلو الآخر ، كان يصعدُ يهودُ اثيوبيا إلى الجبلِ بعقيدةٍ متزنةٍ يملؤها الشوق لأرضِ صهيونَ من جهة ، والصبرُ على فراقِها من جهةٍ أخرى.

 

في يومٍ من الأيام عامَ 1983، انضمّ صديقي شمعون إلى عائلته وجيرانهِ  مُطلقينَ  العنانَ لرحلةِ العودةِ إلى القدس مشياً على الأقدام . مؤخّراً ، اعترفَ أحبارُ وحاخاماتُ اليهودِ في إسرائيل بيهودِ اثيوبيا ” بيتا اسرائيل “، وأقرّوا بكونهِم يهوداً، وهو أمرٌ كان موضعَ جدلٍ ونقاشٍ نظراً لانقطاعِ المجتمع اليهوديّ الاثيوبيّ عن باقي المُجتمعاتِ اليهوديّة في العالمِ لآلاف السنين ، فيما أعلنَ رئيسُ الوزراءِ الإسرائيليّ مناحيم بيغن – حينها – ترحيبهُ بيهودَ اثيوبيا وبعودتهِم إلى أرضِ وَطنِهِم إسرائيل.

انضمّ آلافُ اليهودِ الاثيوبيينَ إلى موجةِ النزوحِ إلى أرض اسرائيل مشياً على الأقدامِ  والتي استمرّت لأسابيعَ ، مروراً بالغاباتِ والصحاري. توفّيَ خلال هذه المسيرةِ العديدُ من كبارُ السنّ نتيجةَ الارهاقِ الشديد ، فيما تُوفّي الكثيرُ من أطفالهِم جوعاً.  نسبياً، لم يفقِد أي مُجتمعٍ يهوديّ في الشتات ضحايا بشريّة أثناءَ رحلةٍ العودةِ إلى أرضِ صهيونَ بقدرِ ما فقدَ يهودُ اثيوبيا.

لقد كانَت أوّلُ محطّةٍ توقفَ فيها شمعون وعائلتُهُ أثناءَ تلكَ الرحلة هيَ مخيمٌ للاجئينَ في السودان ، لكن خوفاً من الحكومةِ الإسلاميّة هُناك ، أخفى شمعون ورفاقهُ هويّتهُم كَيهودٍ وانتظروا عُملاءَ الموسادِ الإسرائيليّ ليقوموا بانقاذهِم. آنذاك ،  شاهدَ جنديّ سودانيّ شمعون واشتبهَ بكونهِ يهوديّاً ، فما كانَ من ذلكِ الجنديّ إلا أن سَحقَ رجلَ شمعون – الذي كانَ حافياً وقتها – بحذائهِ ذو المقدّمة المغلّفةِ بالفولاذ . ومنذ ذلكَ الحين حتى وقتنا هذا وصديقي شمعون يَعرجُ على قدمهِ مُتأثراً بتلكَ الضربة.

إنني أستذكرُ يهودَ اثيوبيا كلّما سمعتُ زعيماً شرقَ أوسطيّ  يتحدّثُ عن كون تعرّضِ اليهودِ للهولوكوست هوَ السببُ الوحيدُ الذي يقفُ خلفَ قيام دولة إسرائيل ، وبأنّ الفلسطينيينَ دفعوا ثمناً باهظاً لما اقترفهُ الغربُ تجاهَ اليهود. حقيقة ، لم يَسمَع الكثير من يهودِ اثيوبيا عن الهولوكوست حتى نزوحِهِم إلى أرض إسرائيل ، كما أنّ قرابة نصفِ اليهود الإسرائيليينَ أتوا إلى إسرائيلَ قادمينَ من العالمِ العربيّ ، تلكَ البلادُ التي لم يَنجح النازيّونَ في الوصولِ إلى معظمِها.

في الواقعِ ، لقد وُجدَتْ إسرائيلُ لسببٍ بسيط : وهو أنّها لم تتوقف أبداً عن الوجود ،حتى وإن كانَ ذلكَ الوجودُ في صلواتنا فقط . لقد استَعَدنا أرضَ إسرائيلَ بفعلِ قوّة شوقِنا وحنينِنا اليها ، تلكَ القوة المتراكمةِ منذ زمنٍ طويل ، لكنّ ارتباطنا بهذهِ الأرضِ لم يكُن محصوراً بشوقِنا إليها فقط . لقرونٍ عديدة مَضَت ، جاءَ اليهودُ من كلّ حدٍ وصوبٍ ، من الشرقِ والغربِ، ليسكنوا أرضَ إسرائيلَ ويُدفنوا فيها.

بعدّ أن دَمّر الرومانُ مملكةَ يَهودا ،حَظروا وجودَ اليهودِ في القدس ومنعوهُم من العيشِ فيها ،وهوَ الحظرُ نفسهُ الذي كانَ أشدّ وأقسى في فترة الحُكم المسيحيّ لمدينةِ القدس ، فيما كان الحُكّامُ المُسلمونَ للقدسِ أكثرَ رحمةً من غيرهِم ، فكانَ الخليفةُ المُسلمُ عمرُ بن الخطّابِ ، بعدَ كلّ ما سبق ، هو أوَل حاكمٍ يسمحُ بعودة بعض اليهودِ إلى القدس عقبَ سيطرتهِ على مدينةِ القدس عامَ 638 م. ، وإنني أرى في كَرَمُ الأخلاقِ هذا جزءاً لا يتجزّأُ مِن تاريخِنا المُشترَك.

 

بطبيعةِ الحال ، فقد أصبحَ الدافعُ لوجودِ تعبيرٍ سياسيّ عن حنينِ اليهودِ إلى وطنهِم وعودتهِم إليه – بتحويلِ العلاقة مع أرضِ صهيونَ من علاقة زمانيّة إلى علاقةٍ مكانيّة – أمراً مُلحّاً للغاية . لقد تعرّض يهودُ روسيا في القرن التاسع عشر – على سبيلِ المثال لا الحصر–  لموجةٍ  مُمنهجةٍ منَ التحريضِ ضدّهُم من قبلِ النظامِ الحاكمِ ، الأمرُ الذي هدّد وجودَهُم آنذاك ، مما دفعَ آلافَ اليهود الروسِ لتركِ بيوتهِم والفرارِ نحوَ الغَرب. لذلك ، فقد سعَت الحركة الصهيونيّة التي-  كانت حديثة الولادة حينَها – إلى ايجادِ حلّ يُعالجُ مشكلة  “جميعَ اليهودِ “، لا جزءاً منهُم ، حلاًّ جذريّاً يُخلّصُ اليهودَ من مُشكلةِ عدمِ وجودِ وطنٍ آمنٍ يأويهِم. وبغضّ النظر عن مدى سوءِ حالِ اليهود ، فإنّ معاداة الساميّة والحاجةَ إلى ملجأ ومأوى لم تحدّد ماهيّة الحركةِ الصهيونيّة ، فالحاجةُ جَعلَت من وجودِ الحركةِ الصهيونيّة أمراً ملحّاً للغاية ، إلا أنّ الشوقَ والحنينَ إلى أرضِ إسرائيلَ مَنَحَ الصهيونيّةً جوهَرها الروحيّ .

لقد جَسّدت الحركةُ الصهيونية  نقطةَ التقاءٍ بينَ الحاجةِ إلى أرضِ إسرائيلَ والحنين إليها ، وفي الوقتِ الذي تَعارضَت فيه “الحاجةُ ” مع “الحنينِ” – كما حدثَ في بداياتِ تاريخِ الحركةِ الصهيونية – فقد تغلّبَ حنينُننا إلى أرضِ إٍسرائيلَ على حاجتِنا إليها.

 

ففي عام 1903 ، فرغَت جُعبةُ الصحفي النمساويّ  ثيودور هِرتزِل – مؤسسُ الحركةِ الصهيونية – من كل الخياراتِ والحلول، حيثُ كانَ معروفاً عن هرتزل هَوسهُ الدائمُ بانقاذ اليهودِ مما كانوا يتعرّضونَ له آنذاك ،في الوقتِ الذي كانَ فيهِ هرتزِل يهوديّاً علمانيّاً غيرَ مُتديّنٍ ، بالتالي فقَد كانَ دافعهُ لتأسيسِ الحركة الصهيونيّة هوَ الحاجةُ إلى أرضِ إسرائيل ،لا الحنينَ إليها.

آنذاك ، فشلِ ثيودور هرتزِل في اقناع السلطانِ التركيّ  بالسّماح بالهجرةِ الجماعيّة لليهودِ إلى أرضِ إٍسرائيلَ ليعيشَ اليهودُ لاحقاً تحتَ الحكمِ العُثمانيّ ، فيما كانَ موقفُ بابا الفاتيكان مماثلاً لموقفِ السلطان العثمانيّ ; حيثُ ردّ البابا على مطلبِ هرتزِل قائلاً بأنهُ لن يتمكّن من دعمِ الحركة الصهيونيّة نظراً لأنّ شتاتَ اليهودِ في العالمِ هوَ عقابٌ إلهيّ لرفضِهِم لعيسى المسيح . لذلك ، فقد بَدت حركةُ هرتزِل وأحلامهُ البائسةِ مُتعسّرةً على أرض الواقع ، فقد تخلّى عنهُ مُعظمُ اليهودُ الأثرياء اعتقاداً منهُم بأن خُطّة هرتزِل لإنشاءِ دولةٍ يهوديّةِ قَد تُبدّدُ الجهودَ التي يبذلُها اليهودُ لقبولهِم في المجتمعاتِ غير اليهوديّة وتَجعلُها هباءاً منثوراً ، فيما اكتَفى يهودُ برلينَ وفينّا بالدّعاءِ لهِرتزِل وتمنّي التوفيقِ لهُ في ما يَطمحُ لتحقيقه.

لقد شعرَ هرتزِل حينها باليأس ، خاصةً وأنّ العُنفَ والهمجيّة كانَتا في تصاعدٍ مُستمرٍ تجاهَ يهودِ روسيا . كان حدسُ هرتزِل يحدّثُهُ بأنّ كارثةً لا يُمكنُ تصوّرهُا ستحلّ بيهودُ أوروبا ، كارثةً تفوقَ في فظاعتِها كُلّ العُنفِ المُمنهَج الذي تعرَضَ له اليهود.

لاحقاً ، حاولَ البريطانيّونَ التقرّب من هِرتزِل  من خلالِ عَرضٍ يتضمّنُ إقامةَ مُستعمرةٍ لليهودِ في شرقي أوروبا  ، حيثَ كانَ يطمحُ الانجليزُ من هذا العرضِ إلى ايجادِ مُستعمرينَ مُخلِصينَ لهُم ، مُستغلّينَ بذلكَ فكرةَ هِرتزِل التي تسعى لإقامةِ وطنٍ قوميّ لليهود وحاجةَ اليهودِ الماسّة إلى ذلك . كانَ هرتزِل يعلمُ جيّداً بأنهُ ستكونُ هناكَ مُعارضةٌ بين الصهاينةِ لما صارَ يُعرفُ لاحقاً باسم “حُطّة أوغندا ” ، إلا أنّه في الوقت نفسهُ كان يُدركُ بأنّ الحركةَ الصهيونيّة كانت حركةً براغماتيّةً واقعيّة ، فإن لم تكُن العودةُ إلى أرض صهيونَ أمراً مُمكناً ، فإنّ رفاقَ هِرتزِل في الحركةِ الصهيونّة سيوافقون على قبولِ ما هو مُمكِن ، وهذا ما كانَ هِرتزِل يأملُ حدوثَه.

عرضَ هِرتزِل خطّتهُ على الكونغرس الصهيونيّ – المؤتمرِ الصهيونيّ –  آنذاك عارضاً خريطةً لشرقِ أفريقيا على المنصّة مُؤكداً لِلحضوربأن لا مكانَ سيحلّ محلّ أرضِ صهيونَ في قلوبنا ، إلا أنّه حثّهُم على ضرورةِ الأخذ بعين الاعتبار المخاطرِ التي يتعرّض لها اليهود ، خاصة في روسيا ، وأنّ حاجتنا تسبقُ حنينَنا في ظلّ هذه الظروف.

قوبلَت خطّةُ هرتزل بصيحاتٍ من الغضبِ والمعارضةِ الشديدة ، خاصةً من قبلِ النّوابِ –  الذينَ كانوا صغار السن حينها – والذينَ كانوا يمثّلونَ مُختلفَ المُجتمعاتِ اليهوديّة في روسيا. في الوقتِ نفسهِ هرعَت شابةُ يهوديّة إلى المنصّة مُمزّقةً خريطةَ شرقي افريقيا من على الجدار، الأمر الذي شكلَ مفارقةً حينها نتيجةً لمعارضةِ الروسِ لخطة هرتزِل التي كانت تهدفُ إلى انقاذهِم بالدرجة الأولى.

غادرَ النّوابُ الروسُ الجلسةَ وعلى رأسهِم حاييم وايزمان الذي شغلَ منصبَ أول رئيسٍ لدولةِ إسرائيلَ . كان أغلبُ هؤلاءِ النّوابِ  يهوداً علمانيّينَ اشتراكيّينَ خارجينَ عن نمطِ الحياة الدينيّة التي ترعرعوا عليها في بيوتهِم. تجمّع هؤلاءُ في غرفةٍ مُجاورةٍ وجلَسوا على الأرض – التقليدُ الذي يؤدّيهِ اليهودُ في التاسع من آب أثناء وجودُهِم في الكنيس-  فيما أجهشَ بعضهُم بالبكاء. لقد كانَ هذا الحشدُ في حالةِ حزنٍ وعويلٍ ، لا على أرضِ صهيونَ بل على حالِ الصهيونيّة في ذلك الوقت.

اقتربَ هِرتزِل منَ الحشدِ الحزينِ فاحتضنوه ببرودٍ لطيف ، فهو بنهايةِ المطافِ زعيمَهُم المحبوبُ الذي يُعدّ أوّل يهوديّ  – منذ ألفي سنةٍ  – يُفكّر في حلّ عمليّ يُنهي شتاتَ الشعب اليهوديّ. إن خطة هرتزِل وطموحَهُ بإنشاءِ مُستعمرةٍ لليهودِ في أوغندا كانت بامكانها أن تَجلبَ الأمانِ للشعب اليهوديّ ، فيما كانت ستمثّلُ محطّةً انتقاليّةً للوصولِ إلى أرضِ صهيون.  نجحَ هِرتزِل قي تجنّبَ إحداثَ أيّ انقسامٍ في صفوفِ الحركة الصهيونيّة ، إلّا أنّ النّوابَ الروس ظلّوا مُصرّينَ على مُعارضتهِم لتلك الخطّة. وعلى أية حال ، ففي ختامِ جلسة المؤتمرِ تلكَ ، رفع هِرتزِل يدهُ اليمنى مُردّداً تلكَ الكلماتِ من سفر المزامير : ” إِنْ نَسِيتُكِ يَا أُورُشَلِيمُ، تَنْسَى يَمِينِي “.

 

وبعدَ مضيّ سنةٍ على ذلك المؤتمر ، توفّي ثيودورهرِتزِل عن عمرٍ يناهزُ أربعةٍ وأربعين عاماً إثرالإجهادِ الشديدِ الذي أدّى إلى قصورٍ حادٍ في عملِ قلبِهِ. رحلَ هِرتزِل ورحلَت معهُ خُطتُه لإنقاذِ اليهود ، وحَدثَت كارثةُ كانَ بالإمكانِ تلاشي حدوثِها. وفي الحقيقة ، تَلتَ خطةُ أوغندا عدةُ محاولاتٍ لإنشاء وطنٍ قوميّ لليهود في أنحاءَ مُختلفةٍ من العالم ، فعلى سبيلَ المثال ، تمّ اقتراحُ دولةِ بيروبيجان لهذا الغرض ، تلبيةً لطموح السوفييت في إقامةِ دولةٍ على الحدودِ مع الصين ، دولةٌ ذاتُ ملامحَ شيوعيّة فيما يتحدّثُ أبناؤها اللغة اليديشية ، لكن بنهاية المطاف ، باءَت كلّ المحاولات لايجادِ بديلٍ عن أرضِ صهيونَ بالفشل.

ولأكونَ صريحاً ، لو كُتبَ لخطة أوغندا النجاح لأصبحَت الحركة الصهيونيّةُ حركةً استعماريّة بكلّ معنى الكلمة . صحيحٌ بأنهُ سيكونُ استعماراً بشعاً كأيّ استعمارٍ آخر ، إلا أن الحاجة المُلحّةَ هي التي تَقفُ خلفَ تلكَ النيّة بالاستعمار ، لا الطمعُ وتحقيقُ الأمجاد .  بكلّ الأحوال ، لن يكونَ هناكَ مناصٌ من النظرة السلبيّة التي سينظرُ بها الجميع للصهيونيّة لو استعمرنا أوغندا.

إنّ إصرارَ الحركةِ الصهيونيّة على العودةِ إلى أرضِ صهيون ، أيّاً كانت التحدّياتُ والعواقِبُ، منحَ الحركة الصهيونيّة شرعيّتها كحركةٍ تسعى إلى استردادِ أرض صهيونَ وإعادةِ السكّانِ الأصليينَ إلى وطنهِم الأم. ولنكونَ دقيقين أكثر ، لقد جسّدَت الحركةُ الصهيونيّة ظاهرةً فريدةً من نوعِها، الأمرُ الذي يفتحُ البابَ على مصراعيهِ لتصنيفهاِ وادراجِها تحت مسميّاتٍ أخرى ، مثلَ فكرةِ القوميّة الأوروبيّة التي ظهَرت في القرنِ التاسع عشر ، ومِن هُنا بدأ تصنيفُ الحركةُ الصهيونيّة على أنّها جزءٌ من تلكَ الحركاتِ الاستعماريّة الأوروبيّة.

مما لا شكّ فيهِ أن الحركة الصهيونيّة قد تأثرت بقوّة بفكرةِ القوميّة الأوروبيّةِ ، لكن تحويلَ الحلمُ اليهوديّ إلى فكرة القوميّة كانَت الوسيلةَ الوحيدة لتحقيق ذلكَ الحلمُ الذي مضى عليه قرابةَ 2000 سنة. وعلى الرغمَ  من انطلاقِ الحركةِ الصهيونيّة في الغرب إلا أنّها وصلَت إلى مُبتغاها في الشرق، فمَع قيامِ دولةِ إسرائيلَ انتقلَت مُجتمعاتٌ يهوديّةٌ بأكملِها – حتى من منطقةِ الشرقِ الأوسط نفسها – للعيشِ في أرضِ صهيون ، فكانَ يهودُ اليمنُ أوّل مُجتمعٍ يهوديّ يُلبّي نداءَ العودة إلى أرضِ الوطن عام 1949 حينَ تمّ إجلاءُ 40,000 يهوديّ يَمني جوّاً من اليمنِ إلى أرضِ الوطنِ في أوّل رحلة نقلٍ إسرائيليّة عبرَ الجوّ بعد قيامِ دولة إسرائيل.

استذكَر يهودُ اليمنِ حينَها ، والذين لم يسبق لغالبيّتهِم رؤيةُ طائرةٍ طوالَ حياتهِم ، استذكروا الوَعدَ التوراتيّ الذي يقضي بعودةِ اليهودِ من الشتّات على ” أجنحةِ النّسور “، فَرأواعودتهُم على متنِ تلكَ الطائراتٍ تحقيقاً لذلكَ الوعدِ التوراتيّ حينَ هبطَت الطائِراتُ على مدارجها فوقَ أرض إسرائيل.

وعام 1951 ، جاءَ دورُ المُجتمع اليهوديّ العراقيّ لتلبيّة نداءِ العودة إلى أرض الوطَن، حيثُ تمّ إجلاءُ قرابةُ المئة ألفِ يهوديّ عراقيّ ، أي المُجتمع اليهوديّ العراقي بأكملهِ ، في رحلةٍ نقلٍ جويّ هي الأضخمُ في تاريخ إسرائيل. شمِلَت رحلةُ الإخلاءِ تلكَ مُجتمعاتٍ يهوديّة عديدة ، فكانَ منهُم يهودُ بغدادَ وَقُرى كُردستان ، كانَ منهُم الصوفيّون والشيوعيون ونشطاء الحركة الصهيونيّة في العراق.

وبانتقالِ مجتمعٌ يتلوهُ الآخر ،عاد اليهودُ من كلّ حدٍ وصوبٍ إلى أرض إسرائيل ، فعادَ يهودُ جنوبِ افريقيا ، ويهودُ مصر ويهودُ سوريا ولبنان أيضاً.  بالمناسبةِ ، إن غالبيّةَ الإسرائيليينَ اليومَ ينحدرونَ من نسلِ اليهودِ الذينَ تركوا مكانَ سكناهِم في جانبٍ من الشرق الأوسطِ  ليعيشوا في جانبٍ آخر . فلتجرّب يا جاريَ العزيزُ مرةً أن تفتحَ نقاشاً معهُم وتخبِرهُم بأنّ الحركة الصهيونيّة هيَ حركةٌ استعماريّة أوروربيّة وستكتشفُ ببساطةٍ أنهُم لا يعلمونَ شيئاًعمّا تتحدّث.

لقد كانَ اليهودُ الشرقيّونَ حاضرينَ منذ البداياتِ الأولى  لفكرةِ الحلّ السياسيّ للرجوع إلى أرضِ صهيون ، ففي عام 1882 توقّع بعضَ أحبارِ اليهودِ الكبالة اليمنيينَ – الكبالةُ هي فلسفةٌ يهوديّة تفسّر العلاقةَ بين الله اللامُتغيّر والأبدية والسرمدية –   بأنّ هذا العامَ سيكونُ عام الخلاصِ تبعاً للتقويم العبريّ. وبناءاً على ذلكَ ، أبحَرَ مئاتُ اليهودِ اليمنيينَ إلى مرفأ يافا آملينَ أن يلاقوا المَسيحَ المُخلّصَ هُناك. إلا أنّهُم ، وبدلاً من أن يقابلوأ المسيح المُخلّص ، قابلوا أوَل مجموعةٍ من الروّادِ الأوائل للصهاينةِ القادمينَ من روسيا إلى أرضِ إسرائيل. لم يكُن لقاءُ الإخوة اليهودَ ببعضهِم البعض لقاءاً مُبهجاً ، بَل كان الحذرُ سيّد الموقفِ حين التقت تلكَ المجموعتان اليهوديّتانِ القادمتان من طرفيّ الشتات اليهودي ، من شرق العالمِ وغربِه. لقد نشبتُ الخلافاتُ وسوء الفهمِ بين المجموعتين ، لكنّ سوءَ الفهمِ ذاكَ كان محصوراً فقط بينَ يهودِ الشرقِ التقليديينَ المُتشدّدين ، وبين الجيل الشابِ الطائش من يهود الغرب.

وبطريقةٍ أو بأخرى فقَد صَدقَت نبوءاتُ اليهودِ الكبالة اليمنيينَ إلى حدٍ ما ، فقد كان عام 1882 أحدَ أعوامِ  الخلاصِ لليهود، كونهُ العامُ الذي شهدِ ميلادَ وبداياتِ الحراكِ اليهوديّ المُعاصرِ للعودةِ إلى أرضِ صهيون. لقد شَهِدَ هذا العامُ أيضاً لقاءاً – رغمَ صعوبته – بين يهودَ الشرق ويهودِ الغربِ. في الواقع ، لم يكُن هناكَ أي شكلٍ من أشكالِ التواصِل بينَ الطرفين سابقاً ، حيثُ لم يكُن يهود اليمنِ على درايةٍ بالمجموعاتِ الصهيونيّة التي بدأت تتشكّلُ في أوروبا آنذاك . لم يكُن هؤلاءُ اليمنيّون صهاينةً بالمَعنى السياسيّ للكلِمة ، بل تجلّتُ صُهيونتهُم في أشدّ معاني الصهيونيّة عمَقاً ; لقد كانوا صهاينةً يسعونَ إلى العودةِ إلى وطنهِم الأمّ مُترقّبينَ استعادةَ شعبِهِم للسّيادة اليهودية على أرضِه.

 

وعلى أرضِ الواقع ، تحقّقت أهدافُ الحركةِ الصهيونيّة كاملةً في أواخر القرنِ العشرينَ مع بدء الهجراتِ الجماعيّة اليهوديّة إلى أرض إسرائيل ، حيثَ توجّه اليهود من كلٍ بقاع الأرض إلى وطنِهِم ، خاصةً اليهودُ الروسً الذي تعرّضوا خلال سبعينَ سنةٍ من الحكمِ الشيوعيّ لأبشعِ الضغوطِ المُمنهجةِ لصهرِهِم وإقحامهِم في المجتمعِ الروسي بإقصائِهِم عن هويّتهِم اليهوديّة ، من خلال منعهِم من أداء شعائرهِم الدينيّة والتفقهِ في دراسةِ الديانةِ اليهوديّة في تلكّ البلاد . ونتيجة لذلك ، أضحى غالبيّة يهودِ روسيا وكأنهم لا يمتّونَ لليهوديّة بِصِلة ، الأمر الذي اختلفَ كليّاً فورَ عودتهِم إلى أرضِ وطنهِم ، حيثُ انضّموا إلى باقي المُجتمعاتِ اليهوديّة الأخرى ، فشرعوا بدراسةِ  لغتهُم الأم – اللغة العبريّة – وتنظيم أمور حياتهُم تبعاً للتقويمِ العبريّ ، وبناءِ روابطَ أسريّة معَ اليهودِ من شتّى مُجتمعاتِ الشتاتِ ، فأرضُ إسرائيلَ هي المكانُ الوحيدُ الذي يصبّ فيهُ دمجُ اليهودِ وصهرُهُم في المجتمع في مصلحةِ البقاءِ اليهوديّ.

 

لقد سمعتُ بعضَ القادةِ الفلسطينيينَ وهُم يشيرونَ إلى موجاتِ الهجرة اليهوديّة من روسيا – كونها تشكّلُ أكبرِ نسبة من المجتمعات اليهودية التي ينتشرُ فيها الزواج بين اليهودِ وغيرِ اليهود – على أنّها دليلٌ واضحٌ على زيفِ بُنية الأمّة اليهوديّة وعدمِ تجانُسها. في الواقع ، ومن وُجهةِ نظرٍ صهيونيّة ، لم تكُن أي موجةٍ من موجاتِ الهجرةِ اليهوديّة أقل أو أكثرَ تجانُساً، فاليهودُ التقليديّون الذينَ قدموا من العراقِ واليمن ، واليهودُ الروسُ الذينَ تمّ صهرُهُم في المُجتمع السوفييتي سابقاً ، جميعُهم سكانٌ أصليّونَ لأرضِ إسرائيل ، هُم وأبناءٌ وبناتٌ لهذه الأرضِ وقد عادوا إلى أرضِهِم التي هُجّروا مِنها.

 

جاريَ العزيز ، هَل مِن المُمكنِ أن نفصلَ اليهوديّةَ عن الصهيونيّة ؟ – بحسبِ الإدعاءاتِ التي يُصرّ عليها مناهضو الصهيونيّة- ، وهَل تُعدّ الصهيونيّة مُجرّد حركةً سياسيةً تتعارضُ معَ الديانةِ اليهوديّة ” التي لا يوجدُ أدنى شكٌ في كونهاّ ديانةً حقيقيّةً أصيلة ؟

إنّ إجابةَ هذه الأسئلةِ تعتمُدُ على ما نقصدُهُ بالصهيونيّة، فإن كُنتَ تقصدُ الحركةَ السياسيّة التي ظهَرَت أواخرَ القرن التاسعِ عشر ، فبكُلّ تأكيدٍ ستجدُ بعضاً من الجماعاتِ اليهوديّة التي لَم تعترِف بالحركة الصهيونيّة تبعاً لهذا التعريف. لقد شَهِدت الفترةُ التي سبقَت قيامَ دولةِ إسرائيلَ وجوَد نقاشاتٍ معمّقةٍ حولَ الحِكمةِ مِن وراءِ المُخطّطِ الصهيونيّ ; فقد رفضَ اليهودُ الماركسيّونَ الحركةَ الصهيونيّة كونهاَ تتعارضُ مع أهدافِ الثورة العالميّة ، فيما رفضَ اليهودُ الأرثوذوكس الحركة الصهيونيّة كونها حركةٌ علمانيّة ، بينما أصرّ البعضُ على رفضِها بناءاً على اعتقادِهِم بأنّ المَسيحَ المُخلّصَ هوَ الوحيدُ القادرُعلى إرجاعِ  اليهودِ إلى وطنهِم.

من جهةٍ أخرى ، إذا كنتَ تقصدُ ” بالصهيونيّة ” تَعلّقَ اليهودِ بأرضِ إسرائيلَ وطموحَهُم باستعادةِ السيّادةِ اليهوديّة على وطنهِم الأم ، دعني أقولُ لكَ بأن الديانةَ اليهوديّة والحركة الصهيونيّة مفهومانِ لاينفصلانِ عن بعضهِما البعض من هذا المنظور ; فالديانةُ اليهوديّة ليسَت مُجرّدَ طقوسِ وشعائرَ دينيّة بل هيَ رؤيةٌ مرتبطةٌ ارتباطاً عميقاً بأرضٍ مُعينة، أرضُ إسرائيل. إنّ جميعَ الحركاتِ اليهوديّة المُعاصرةِ التي ظهرَت حديثاً مُحاولةً خلقَ  توجّهاتٍ أخرى للديانة اليهودية بمعزلَ عن ارتباطِ اليهود بأرضِ إسرائيلَ وعودتهِم إلى تلك الأرضِ كانَ مصيرُها الفشلُ.

وتزامُناً مع قيامِ دولةِ إٍسرائيل ،أحاطت بعضُ الحركاتُ المُناهِضةُ للصهيونيّة بالحياة اليهودية. وبعيداً عن أصواتِ الأقليّاتِ اليهوديّة المثيرةِ للضجّة والتي لم تَعترف بالحركة الصهيونية ، فقد تصالَحَ اليهودُ الأرثوذوكس مع الدولةِ اليهوديّة والحركةِ الصهيونيّة ، كذلكّ فقد وقّع ممثلونَ عن كافّة أطيافِ الأمّة اليهوديّة على ميثاقِ إعلان استقلالِ دولةِ إسرائيل ، بدءاً من اليهودِ الأرثوذوكس وصولاً إلى اليهودِ الاشتراكيّين، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على منح الشرعيّة من قبل الشعبِ اليهوديّ بأكملِهِ لدولةِ إسرائيلَ التي أسّسَها الفكرُ الصهيونيّ.

لقد شهِدنا في السنواتِ القليلةِ الماضية محاولاتٍ قديمةٍ جديدةٍ من قبلِ جهاتٍ عديدةٍ ،خاصةً اليسارالإسرائيليّ  في الشتاتِ، تَهدفُ إلى استحداثِ هويّة يهوديّة لا تتضمّنُ بين طيّاتِها أيّ ارتباطٍ بأرضِ إسرائيلَ ، لكنَ النقاشَ حولَ هذا الموضوع باتَ محسوماً في ظلّ دولةٍ مُزدهرةٍ ذاتِ غالبيّة يهوديّة يعيشُ فيها قرابةُ نصف يهودِ العالم . إنّ مَن كانوا يتحدّثونَ في السابقِ عن فصل أرضِ إسرائيلَ عن الحياةِ اليهوديّة هُم أنفسَهُم يقرّونَ اليومَ بواقعِ وحقيقةِ دولةِ إسرائيل ويعترفونَ بها.

في صيفِ عام 1982 ، وبالتحديدِ خلال فترةٍ قصيرةٍ من ذكرى التاسع من آب ، تَركتُ منزلي في مدينة نيويورك وحلّقتُ إلى إسرائيلَ عبر طائرةٍ تابعةٍ لخطوط شركةِ ” العال ” الإسرائيليّة  ، مُلتحقاً بشعبيَ اليهوديّ في فترةٍ من أشدّ الفتراتِ صعوبةً في تاريخَ إٍسرائيل.  كنتُ في التاسعةِ والعشرينَ من عمري حينها ، صحفياً أعزباً تاركاً خلفيَ حياتي القديمة ، لم أنظر إلى الخلفِ إطلاقاً ومضيتُ قدماً إلى أرضِ الوطن.

كانَت الحربُ اللبنانيَة قد اندلعَت لتوّها في تلك الفترة ، فيما شهِدَت الساحةُ الإسرائيليّة حالةً من الانقسامِ الشديد. كان اليمينُ واليسارُ الإسرائيليّ يصرخونَ بوجهِ بعضهِم البعضِ في الطرقات ، فيما شهدَ الوضع الاقتصاديّ تضخمّا مهولاً وصل إلى 300% ، إلا أنّني كنتُ – رغمَ هذه السلبيّات – في أحضان وطني.

بطريقةٍ أو بأخرى ، كانت عودتي إلى أرض الوطنِ خلال ذلكَ الوقت العصيبِ أمرا جيّداً جداً  ، فقَد قلّلَت عودتي في تلكَ الفترةِ من احتمالات شعوري  بخيبةِ الأمل. لقد جئتُ إلى هُنا دونَ أي شروطٍ مُسبقة أو حتى توقّعات ، وبغضّ النظر عن المسار التي جَرَت به أحداثُ القصّة ، فإن أحداثَها الآن هيَ أحداثُ قصّتي أنا شخصياً.

عندما تساءَلَ الناسُ من حولي في ” وطنيَ السابق ” عن سَببِ مُغادرتي للولاياتِ المتّحدةِ وتوجّهي إلى الشرقِ الأوسط ، كنتُ أردّ عليهِم بهذا الردّ المجازي الذي نستخدمهُ نحنُ الصحفيونَ  بكثرة، كنتُ أقول لهُم بأني أرغبُ في التعرّف على واقعِ الحياة الإسرائيليةِ من الصفحاتِ الأخيرةِ للجريدة ، لا مِن العناوين . أريدُ التعرُفَ على تركيبةِ الحياة بعد عودةِ اليهودِ إلى أرضهِم  بكلّ ما فيها من تفاصيل.

لوهلةٍ ، بدا كلّ شيءٍ مألوفاً وغريباً في الوقتِ نفسه، سِرتُ في شوارِع إسرائيلَ بتأنٍ شديد فشعرتُ وكأنني زائرٍ مرّ عبر الزمن ليجدَ نفسهُ فجأةً في المُستقبلِ اليهوديّ ، فقلتُ لنفسي : يبدو وكأنه الشعورُ نفسهُ الذي اختلجَ مشاعرَ اليهودُ فورَعودتهِم إلى هذهِ الأرض. تملّكتني البساطة وشعَرتُ بالتواضعِ والبساطةِ عندما رأيتُ الأمورَ التي باستطاعةِ الاسرائيليّ العاديّ أن يضمنها في حياتهِ اليومِ، وتعّجّبتُ من قدرة الإسرائيليين على التصدّي للحروبِ والإرهابِ  في الوقت الذي يُهاجرُ فيهِ اليهودُ موجةً تتلوها موجةٍ إلى دولةِ إسرائيلَ وهُم في حالةٍ من البؤسِ والفقر. لقد حظيتُ بشرفِ قضاءِ الأعيادِ اليهوديّة على الأرضِ التي أُريدَ لنا أن نقضيَ أعيادَنا فيها. ضَحِكتُ على الأمور السخيفةِ التي شاهدتُها في الحياة الإسرائيلية في الثمانينيات ، كضريبةِ التلفاز التي يتوجّبُ عليّ دفعُها مقابل ” مُتعةِ ” مشاهدةِ الحكوماتِ التي غلبَت عليها نزعةُ ” إمّا الأبيض أو الأسود “،  وهي تسيطرُ على مَحطّات التفاز. حاولتُ جاهِداً أن أتفهّم تأثيرَالضغط العاطفيّ والنفسيّ على الحياةِ هُنا ، تلكَ الحياةُ التي تشبهُ العيشَ داخلَ طُنجرةِ الضغط نفسِها.

أذكرُ مرّةً حينَ سألني بعضُ المراهقين باستغراب : لماذا تَركتَ الولايات المتّحدة ؟ ألَم تكُن حياتُك جيّدة هناك ؟ ثم بدأوا بالاستفسار عن كيفيّة الحصول على تأشيرةٍ للسفر إلى الولاياتِ المُتحدة ..

لذا ، وبعدَ هذه التجربة المريرةِ وضياعِ الأرضِ  مِن أيدينا مرّتين ، يظلّ هذا سؤالٌ مصدرَ قلقٍ دائمٍ لي :
هَل سينجحُ اليهودُ في الحفاظِ على الأرضِ هذه المرّة ؟

إنّ أحدَ أهمّ المُفارقاتِ في التاريخِ اليهودي هوَ أنّ اليهودَ ، رغَم مَركزيّةِ أرضِ إسرائيلَ في الديانةِ اليهوديّة ، إلّا أنهُم عاشوا في المنفى فترةً أطولَ من الفترةِ التي عاشوا فيها على أرضِ إسرائيل ، لذلكَ ، نحنُ شعبُ الأرضِ والمَنفى معاً.

لقد أخبرتنا التوراةُ وَحذّرتنا بصريحِ العبارةِ بأنّ ” الأرضَ سَتقذِفُنا ” إذا لَم نلتزِم بمسار الحياة التي رسَمها اللهُ لنا، كما أنّ أحدَ الصلواتِ اليهوديّة تقولُ : ” لقّد نُفينا من هذهِ الأرضِ نتيجةً لِما ارتكبناهُ من ذنوبٍ ” ، لذلكَ فإننا نَعي تماماً أن بقاءنا على هذهِ الأرضِ مرهونٌ بقضايا أخرى تهدّدُ ذلكَ الوجود . لهذا ، فإنني أسألُ نفسي دوما : لقد وُضِعَتْ سيادةُ اليهودِ على هذه الأرض أمانةً في أعناقِنا ، فهلْ سنكونُ ذلكَ الجيلَ الذي سَيصونُ تلكَ الأمانة ؟

جاريَ العزيز ، إنّ التحدّياتِ التي تواجهُنا على هذه الأرض هيَ تحدّياتٌ جسيمةٌ وشاقّة للغاية ، لذلكَ أريدُكَ أن تُفكّر معي للحظة  : كيفَ بإمكانِنا تجديدِ وتوحيدِ شعبٍ مُتناثرٍفي شتّى البقاع في الوقتِ الذي  كانَ تواصلُ أبناءِ ذلكَ الشعبِ مع بعضهِم البعض شبهُ معدومٍ لقرون مَضَت ؟ كيف بامكانِنا أن نَخلِقَ توازُناً بينَ الهويّة الدينيّة والهويّة العلمانيّة ؟
كيف بإمكاننا أن نَخلقَ مساحةً مُشتركةٍ للحياةِ المدنيّة بين الإسرائيليينَ اليهود والإسرائيليينَ العرب ؟ كيف سنقيمُ سلاماً مع أعدائِنا الذين لا زالوا يُنكرونَ حقّنا في الوجودِ على هذهِ الأرض ؟ كيف بإمكاننا حمايةُ أنفسِنا من المخاطرِ المُحيطة بنا والقادمةِ من كلّ حدّ من حدودِ دولّتنا ؟ وأخيراً ، كيفَ بإمكانِنا تمكينُ وتقويةُ شَعبكَ بطريقةٍ نَضمنُ فيها عدمَ تعرّض شعبي للخطر؟

إنّ العزاءَ الذي نعزّي بهِ أنفسَنا كإسرائيليينَ هو أدراكُنا لأنَهُ سيكونُ من شبه المُستحيلِ تجاوزُ التحدّيات التي واجهناها منذ بداياتِ رجوعنا إلى هذه الأرض ، إلّا أن إسرائيلَ ظلّت باستمرارٍ تفاجئُ نفسها بُطرقٍ جيّدة وأخرى سيئة. أحياناً تبدو لنا الأمور وكأننا عازمونَ على تعويضِ أنفُسنا عمّا فاتَ من فقدانِ السيادةِ على هذه الأرضِ لألفي سنة من خلالِ تحقيقِ جميعَ أحلامِنا التي كُنّا نحلمُ بتحقيقها لِعقود . لكن من جهةٍ أخرى ، فأننا نُكرّرُ نفس الأخطاء التي ارتكبَتها الأممُ الأخرى لِقرون.

وعلى أيّ حال ، لم تَجعلني أيٌ من المُعضلاتِ أو الإخفاقاتِ الإسرائيليّة  أشعرُ بالنّدم على قراريَ الذي اتّخذتُهُ بالعودة إلى هذه الأرض ، بَل على العكس تمامًاً ، إنّ عيوبَ دولةِ إسرائيلَ لا تُثبّطُ من عزيمةِ المرءِ بل تزيدُهُ إصراراً وتحدّياً.
إنّني أنظرُ إلى هذه العيوبِ على أنّها عيوبي ، على أنها انحرافاتٌ في وجوديَ اليهوديّ ، بالتالي يتوجّبُ عليّ أن أواجهَ تلكَ العيوبِ والانحرافاتِ وأصحّحِها.  وسواءاً كان قَدَرُ إسرائيلَ هوَ النجاحُ أو الفشلْ ، الشرفُ أو العار ، فإنّ قَدرَ إسرائيل هوَ قّدري أنا أيضاً ، إنّها الجانبُ الذي أتحمّلهُ أنا من المسؤولية ، وهذا بالنسبةِ لي هوَ معنى الصهيونيّة.

 

لقد فُرِضَ على الديانةِ اليهوديّة أن تُعاشَ بطريقةٍ جماعيّة تشاركيّةٍ تُحدّدُ أخلاقيّاتَ وسلوكياتَ المُجتمعِ الموجودةِ فيه ، بالتالي فإن فرصَتنا الحقيقة تتجلّى في ختبارِنا لِمدى التزامنِا بمبادئنا وقيَمنا النبيلة – التي استخلصناها من المَنفى – في مواجهةِ هذا الواقع المرير، وهُنا تكمنُ القيمةُ الحقيقةُ للقصّة اليهوديّة.

وعلى الرغم من أن قراريَ بالانتقال إلى إسرائيلَ كانَ قراراً فرديّا ، إلا أن دولةَ إسرائيلَ احتضَنتني كجزءٍ من شَعبها العائدِ إلى وطنِه، بغضّ النظر إن كنتُ قادماً من نيويورك أو مومباي ،أو كنتُ ثروةً اقتصاديّة أم عِبءاً على الدولة،  لقد كنتُ يهوديّاً عائداً إلى وطنهِ ، لذلك فإنّ ليَ كاملَ الحقّ في الحصولِ على الجنسيّة الإسرائيليّة.

لقَد مُنحتُ الجنسيّة الإسرائيليّة في إسرائيلَ تبعاً ” لقانونِ العودة “، وهوَ قانونٌ يمنحُ الجنسيّة لأي يهوديّ يطلبُ الجنسيّة.
أنني أتخيلُ الأمر نفسهُ سيحدثُ في الدولة الفلسطينيّة ;إذ سيكونُ أوّلَ قانونٌ يتمُ تشريعُهُ هوَ قانونُ العودة ، قانونٌ يمنحُ الجنسيّة تلقائيّاً لأي فلسطينيّ من فلسطينيّي الشتاتِ يَرغبُ في العودةِ إلى أرضِ وطنهِ ، وهذا هوَ واجبُ أيّ دولةٍ معنى وجودِها هوَ إنهاءَ شتاتِ أبنائِها.

في كلّ مرةٍ تحطّ بيَ الطائرةُ في مطار بن غوريون بعد قضائي رحلةً خارجَ البلاد ، وفي كلّ مرةٍ أقفُ فيها في الصفّ المُخصّصِ لحاملي جوازاتِ السفرِ الإسرائيليّة ، أشعرُ بشيء من الحماسِ الذي شعرتُ به عندما قدِمتُ إلى هذه البلاد كمهاجرٍ جديد ، فأقولُ لنفسي : توقّف عن كونِك انساناً عاطفياً ، إلا أنني أفشلُ في كل مرة ، فرغمَ كل هذه السنوات  لا زلتُ أشعرُ بعظيمِ الامتنانِ لكوني مواطِناً إسرائيليّاً تمكَنَ منَ العودة إلى وطنِه.

ختاماً ، و على الرغمَ مِن كلّ المثاليّاتِ والدوافعِ والطموحاتِ التي دفعَتني للعودة إلى إسرائيل ، فإنني لم آتِ إلى هذهِ الأرضِ إلا لسببٍ واحد : وهوَ أنَ عودَتي إلى أرضِ إسرائيلَ كانَت أمراً مُمكنَ الحدوثِ.

إنه لفضلٌ عظيمُ بأن أعيشَ في زمنٍ لَم تعُد فيه ذكرى التاسعُ من آب الميّزةَ التي تُعَرّفُ التاريخَ اليهوديّ بعدّ الآن.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.