الأُم التي أنجبت طِفلًا مُعوقًا أومُشوهًا، تسعي بِكُل الطُرق، وتبحث في كُل مكان عن علاج لطفلها العليل، انهُ الحُب الغريزي الذي يجعلها لا تهدأ ولا تنام إلي أن تجد إبنها في كامل صحته!

كذلك الغالبية العُظمي مِنُ المصريين، يربُطهُم حُبْ غريزي بأمُهم مصر، الذين ترعرعوا علي أرضها، وارتووا مِنْ نيلها، ومهما بعدت بهم المسافات، لا يهدأون حتي يجدوا، بلدهُم أعظم دولة في العالم، ليس بالكلام الإنشائي ولكن بمقاييس التقدُم العالمي.
نحن هُنا، في دول العالم الغربي، نرفع القُبعات احترامًا وتقديرًا لهذه الدول، علي مُستوي الرُقي الآدمي، الذي يُعاملون به كل بني البشر علي حد سواء، سواء أكانوا يحملون رُقيًا إنسانيا أو جهلًا وتخلُفًا، الكل سواسية أمام قوانينهُم!

نحن نأتي إليهُم بأوراق رسمية، تُثبت هويتنا وشهادات ميلادنا وشهادات دراستنا، كُل مُستند يختلف عن الآخر في المعلومات إلا معلومة واحدة ثابتة، مع جميع المُستندات وهو اسم الشخص وهذا بالفعل ضروري، ولكن لاحظ موظفو إدارة الهجرة والجوازات وجود “خانة” ثابتة بكُل المُستندات، خانة تقول، “ديانتك إيه”!

سألت موظفة الهجرة والجوازات شخصًا مصريًا، عن المغزي في وجود هذه الخانة بكل المُستندات المُقدمة من المصريين، تشجع هذا المصري، وفتح صدرُه، وفتح فمُه مِن الأذُن اليُمنى إلي الأذُن اليسرى مُبتسمًا، وكأنه سيُدلي بتصريح خطير، سيُدخِل بلدُه الحبيبة في موسوعة جنيس العالمية، لأنها أتت باختراع رهيب اسمه “خانة الديانة”، سيُبهِرْ العالم وسيحزون حِزو بلدُه وهو اضافة هذه الخانة العجيبة السحرية إلي الأوراق الرسمية في بلادهُم!

وبعدما أفاض واستفاض هذا المصري، في شرح الفوائد العجيبة والمُثيرة لهذه الخانة المُدعوة “خانة الديانة” نظرت إليه موظفة الهجرة والجوازات، نظرة دونية، ومَطت شفتيها استهجانًا لما سمعتهُ، وضعت لسانها داخل فمها وأغلقت عليه جيدًا، لئلا يتفوه بكلمة، تحرج هذا الذي جاء من دول العالم الثالث، يلتحف ب”خانة الديانة” العجيبة!

شخص آخر أسعدهُ الحظ، بالقُبول في إحدي المصالح الحكومية الكندية، وفي أول يوم له بالعمل، بدأ يُعرِفْ نفسُه لزملائهِ، وتبرع بأن عرف ديانتهُ أيضًا، مع إبتسامة الفخر، مع إضافة كلمة الحمد لله علي أن ديانته كذا!

نظر إليه زُملاؤه بعدم إرتياح، وعدم تقدير، ولكن في يومٍ أخر كان يتحدث مع زميل له، فتجرأ وسأله عن مُعتقده أو ديانته، رفض زميله الإجابه علي سؤاله، ولكن المصري ألح في السؤال، فرد عليه زميله: ليس هذا مِنْ إختصاصك .. يا هذا!

ولكن صاحبنا المصري زاد إلحاحًا في السؤال، فما كان مِنْ زميلهُ، إلا أن طلب لهُ البوليس، وكانت مُشكلة كُبري عرضته للمُساءلة، والعقاب القانوني، وأيضا تم فصله مِنْ الوظيفة اللُقطة اللي استلمها مِنْ أسبوع.

نعم هُنا، يحترمون خصوصيات الإنسان، يحترمون فكر الأنسان، يحترمون عقيدة الأنسان، إنت حُر في علاقتك مع إلهك، أنت حُر في أن تعترف بوجود إله أم لا.

نعم هُنا، مَنْ يتدخل في الشأن الديني لأي شخص قد يُعرض نفسه للمُساءلة القانونية وممكن أن تصل العقوبة إلي السجن.

إصرار المؤسسات والحكومة المصرية، علي الاحتفاظ بخانة الديانة، في كل المستندات الرسمية وغير الرسمية، ما هو إلا سيف يُسلط علي رقاب مَنْ لا يُدينون بالإسلام!

أنت يا هذا .. يا مَنْ لا تنطق بالشهادتين، يجب أن تُعامل علي انك مُواطن مِنْ الدرجة الثانية!

أنت يا هذا .. يا مَنْ لا تؤمن بالإسلام، ومهما ان كان ما تُؤمن به، أو حتي لا تُؤمن به، فأنت لا تستحق بأن تُعامل علي أنك كامل الحقوق والواجبات، مِثلك مِثل مَنْ يقطنون معك علي أرض هذا الوطن!

أنت يا هذا .. يجب أن تكون مُهمشًا، في وطنك حتي ولو كُنت أنت وأجدادك أصل مصر، نعم أنت تدفع كل شئ، سواء أكانت ضريبة المال أو ضريبة الدم، ولكن بما انك غير مُسلم فيجب أن تكون مُهمشًا!

أنت يا هذا .. تبني بفلوسك البلد، ولكنه ليس لك حق المُساواه في تقلُد الوظائف الكبيرة والرُتب العسكرية، لأنه ببساطة أنت غير مُسلم!

أنت يا هذا .. تدخل الخدمة العسكرية مِثلك مِثل الآخرين، وتُدافع عن هذه البلد، التي حُبها يجري في عروقك، ولكن حينما تستشهد كمواطن مصري، يصعُب عليهم تقديرك، بل يُزايدون علي استحقاقك في أن تنال لقب شهيد أم لا!

أنت يا هذا .. مهما إن كُنت مُتفوقًا أو نابغًا أو عبقريًا، ليس من حقك أن تأخُذ مكانتك بُناءًا علي استحقاقك لأنه ببساطة .. أنت غير مُسلم!
أنت يا هذا .. في حزنهم أو ضيقاتهم أو مشاكلهم مَدعوّ، ولكن في فرحهم فأنت مَنسٍ!

هل تعلم يا هذا .. أن “خانة الديانة” وضُعت في الأوراق والمستندات الرسمية وشهادات الميلاد، خصيصًا مِنْ أجلك أنت لكي يتم الفصل بينك وبين المُختلفين معك في الديانةّ!

مصر لن تتعافي، وتقوم من كبوتها، وتقف علي قدميها مثل الجبل أو الهرم الشامخ، ما لم تُعالج هذه التفاهات التي تبدو وكأنها دمامل تتقيح وتنخُر في جسدها، مصر يجب أن تتخلص من مظاهر التخلُف، الذي يؤدي إلي إنشقاق الصف وشرخ الوحدة الوطنية.

من فوق هذه السطور المُتواضعة أنحني احترامًا، مع رفع القُبعة للدكتور جابر نصار رئيس جامعة القاهرة، الرجل الوطني المصري الأصيل الجريء في إتخاذ قراراته.

الدكتور جابر نصار كان له الشرف، والباع الطويل، في أن يكون أول من يقود الثورة علي التخلُف وتوابعه.

كان له الشرف، في أن يكون الشُعلة المُضيئة، التي بزغت لكي تمحو الظُلمة من العقول، قبل أن تمحوها من دهاليز المصالح الحكومية ومؤسسات الدولة بكل أنواعها.

كان له الشرف، في أن يرفع المُعول ويكسر أول حجر مِنْ أحجار التخلُف والبيروقراطية والحجر الأصم للفتنة الطائفية.

كان له الشرف، في أن يكون قُدوة للمُستنيرين فكريًا، والذين يؤمنون ويثمنُون الدولة العلمانية في أن ينهجوا علي نهجه.

علي حجم هذا الإنجاز الحضاري، الذي قدمه الدكتور جابر نصار، نتمني ألا تطلع علينا أفكار عقيمة، عاجزة عن أن تُحرك قشة، ولكنها تُعارض من أجل النيل من هذا البلد الحبيب.

نتمني ألا تنفجر الحناجر، بلغط لا طائل مِنْ وراؤه، سوي ترسيخ مواكب التخلُف والبيروقراطية، وتكسير كل فكر يبني طوبة لرفع شأن مصر.

شكرًا جزيلًا لك يا دكتور نصار، ومُنتظرين المزيد مِنْ إنجازاتك وقراراتك واقتراحاتك من أجل عيون أم الدنيا.

والآن نحن في إنتظاركم ..

يا أحباء مصر، يا أصحاب العقول المُستنيرة، يا مَنْ تُؤمنون بالدولة المدنية وليس الدينية، يا مَنْ تُؤمنون بحقوق المُواطنة لمن يُشاركونكُم الوطن في المعيشة والحقوق والواجبات، يا مَنْ تملُكون اليد العُليا لإصدار القرارات وإلغاؤها، يا مَنْ تتصدرون المواقع القيادية في البلد ..

نَحنُ في إنتظاركُم، أن تأخُذوا علي عاتقكُم أن تُعالجوا وتبتُروا وتُجملوا، كل العاهات والتشوهات، التي لحقت بمصرنا الحبيبة، لكى نراها في تمام الصحة والجمال، مدعاة للإفتخار وليست للخزى!

نعم، نَحنُ في إنتظار، مَنْ التالي الذي سيبدأ يأخذ قرارًا جريئًا، في موقعه القيادي بإلغاء هذه الخانة الخائنة، لمزيد من التقدُم والرُقي الإنساني مِثلما فعل الدكتور جابر نصار!

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.