عندموا انطلقوا في تلك الليلة، لم يكن أحد يعرف أن رحلتهم تلك ستصنع التاريخ. كل ما أرادوه كان ممارسة شعائرهم الدينية بحرية، وأن يسموا أولادهم بالطريقة التي يحبونها وأن ينقلوا تقاليدهم لأبنائهم. مؤخرًا، لم يعد مرغوبًا بهم على تلك الأراضي التي عاشوا عليها لعقود طويلة.

مع انطلاق رحلتهم، تناثروا في كل أنحاء العالم، كان عددهم ألفي شخص، اتجه بعضهم لشمال أفريقيا، والبعض الآخر للبرتغال وهولندا وبريطانيا وصولًا إلى إسكندنافيا. لم يحقق لهم هذا الهروب الراحة المنتظرة، وخصوصًا هؤلاء الذين اتجهوا إلى البرتغال، حيث اضطروا لمواجهة المشاكل الكبرى بعد خمس سنوات فقط من بدء رحلتهم، في حين واجه المتجهون إلى شمال أفريقيا الموت ووقعوا ضحايا للحيوانات البرية وللظروف الجوية القاسية.

عندما سمع كل هؤلاء خبر أن هناك دولة على استعدادٍ لاستيعابهم دون التدخل في هويتهم أو معتقداتهم الدينية، شعروا جميعًا بأن أفضل أيامهم قادمة أمام أعينهم. كانت تلك الدولة بعيدة للغاية، لدرجة أنهم إذا اتجهوا إليها وحدهم فسيواجهون النهاية ذاتها التي واجهها من اختاروا العيش في شمال أفريقيا، إلا أنهم لم يضطروا لاتخاذ ذلك القرار، لأن سفن الدولة العثمانية كانت تنتظرهم بالفعل في الميناء. قامت السفن بنقلهم إلى الأراضي العثمانية بقيادة القبطان العثماني كمال ريس لتأخذهم بعيدًا عن الاستبداد والظلم.

كانت البرتغال في ذلك الوقت تحت حكم فرديناند الثاني، الذي أراد إخراجهم من البلاد حتى دون السماح لهم بنقل ممتلكاتهم أو ذهبهم معهم. كان السلطان بايزيد الثاني في استقبالهم بالترحاب، كما أصدر فرمانًا يقضي بحماية اليهود على الأراضي العثمانية.

تم تسكين المهاجرين اليهود في مناطق متفرقة من الأراضي العثمانية، أهمها كان إسطنبول وأدرنة وسالونيك وأزمير ومانيسا وبورصا وجاليبولي وأماصيا وكورفو ولاريسا ومانستر. منذ ذلك اليوم، لعب اليهود دورًا هامًا في التاريخ التركي.

شجعت الدولة العثمانية اليهود لصدقهم وجدهم في العمل وأعطتهم الكثير من المناصب الهامة وخاصة المناصب الإدارية، وضع السلاطين العثمانيون الكثير من الثقة فيهم إلى أبعد الحدود. على سبيل المثال، كان موشى هامون الطبيب الشخصي للسلطان بايزيد الثاني والسلطان سليم الأول، في حين كان حفيده طبيب السلطان سليمان الأول.

عمل اليهود على رد ذلك الجميل كثيرًا من خلال ولائهم للسلاطين العثمانيين ووضعوا مصالح الدولة العثمانية في المقام الأول في علاقاتهم الخارجية.
جوزيف ناسي، سليمان بن ناتان الأشكينازي، سليمان بن يعيش، استر كيرا، ديفيد باسي، شلومو الكابيس، جوزيف بن إبراهيم كارو ويعقوب بيراف، كل هؤلاء كانوا من بين أهم اليهود الذين تركوا علامة في تاريخ الدولة العثمانية. حقيقة أن اليهود أسسوا أول مطبعة في عهد الإمبراطورية العثمانية يثبت دورهم الذين لا ينسى في التاريخ العثماني.

عاش اليهود في ظل الإمبراطورية العثمانية الإسلامية حياة هادئة سالمة على مدار حكم الدولة العثمانية، بالخصوص إذا نظرنا إلى المأساة التي عاشها اليهود في أوروبا التي حكمها المسيحيون في ذلك الوقت، كما لم يتردد اليهود أبدًا في الوقوف للدفاع عن الأراضي العثمانية كما لو كانت أرضهم.

لم يغير انهيار الإمبراطورية العثمانية وتكون الجمهورية التركية من حب اليهود لهذه الأرض ولا من ثقة الأتراك فيهم. مصطفى كمال أتاتورك – مؤسس الدولة التركية الحديثة – عمل على استقدام أشهر العلماء اليهود الفارين من الحكم النازي في ألمانيا ليستكملوا عملهم في الجامعات التركية.
الكثير من الدبلوماسيين الأتراك كبيهيش إركين – سفير تركيا في باريس خلال الحرب العالمية الثانية – وسيفدين دولجر – القنصل العام في باريس – وناميك يولجا – نائب القنصل في باريس – كل منهم له مكانة خاصة في التاريخ اليهودي، حيث ساهم هؤلاء في إنقاذ اليهود الأتراك من ظلم النازية، وليس اليهود الأتراك فحسب، ولكن الكثير من اليهود بشكل عام من خلال توسيع حدود اللوائح التي عملوا بموجبها. بالتأكيد، فقد قام معهد ومتحف الهولوكوست في القدس بتكريم جهود هؤلاء من خلال تكريم أحد هؤلاء الدبلوماسيين وهو صلاح الدين أولكومان في حفل كبير عقد في 26 من يونيو عام 1990.

اليوم، أصبح عدد اليهود في تركيا أقل بكثير بالمقارنة بالعهود السابقة، إلا أن علاقة الحب والصداقة ما زالت مستمرة من الشعب التركي تجاههم. العلاقات اليوم بين تركيا وإسرائيل تتحسن أكثر في كل يوم ويبذل كلا الجانبين الكثير من الجهود لنبذ أية مشكلات قديمة. من المهم أن نعرف أن تاريخ هاتين الدولتين مليء بالأمثلة على المحبة والتعاون على كل المستويات. فوق كل ذلك، تعتبر تركيا وإسرائيل الدولتين الأقوى في المنطقة بالإضافة إلى كونهما حليفتين بطبيعة الأمر، لا تحمل الحكومة التركية أو تكن أي عداء تجاه الشعب الإسرائيلي أو تجاه اليهود، حيث أن الصداقة بين الشعبين هي علاقة أخوة، كتلك التي كانت منذ عام 1492، وأن الخلافات التي تحدث بين الحين والآخر على بعض القضايا لا تفسد أبدًا تلك العلاقة.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.