بالنسبة للكثيرين ممن نشأوا مع إسرائيل، وشاركوا في بنائها، ساهموا في إنجازاتها، قاتلوا في حروبها، عانوا انتكاساتها، ظهروا في انتصاراتها ورأوا تحولاتها في حياتهم، يتمثل لهم يوم الإستقلال الـ -68 بحلاوته ومرارته في نفس الوقت. فخرهم الذي يشعرون به لإنجازات إسرائيل، يرافقه قلق عميق حول قدرتها على مواصلة مهامها في بناء مجتمع عادل يضمن استدامتها على مر الزمن.

التحديات الحقيقية التي تواجه إسرائيل اليوم ليست خارجية ولا عسكرية؛ بل هي أولا وقبل كل شيء داخلية ومبدئية. انها تحتاج إلى تقييم دقيق وصادق الذي غالبا ما يكون مؤلما للإتجاهات الحديثة في البلاد من أجل إعادة تقويم مسار إسرائيل في السنوات المقبلة. حيث يشارك العديد من الأفراد والجماعات في مثل إعادة هذا التقييم؛ إلا أنه لم يخترق المجال الرسمي. ويعتمد بقاء إسرائيل بالمعنى العميق للمصطلح على قدرتها على التصالح مع نفسها داخليا.

شيدت إسرائيل على أنقاض الحرب العالمية الثانية بإعتبارها ملاذا للشعب اليهودي وكمصدرا للأمل بالنسبة لعالم مشيد من جديد. قدوة'”الحرية والعدالة والسلام”، إلى جانب “المساواة الإجتماعية والسياسية الكاملة لجميع المواطنين دون تمييز عرقي أو عقائدي ومع مساواة كاملة بين الجنسين”.

التحدي الأول الذي يواجه إسرائيل اليوم هو كيفية إحياء هذه المبادئ في ضوء العديد من الأنماط المثيرة للقلق، والتي ظهرت في السنوات الأخيرة. حيث تشمل التمييز المنهجي للمواطنين العرب في إسرائيل، وتزايد التحيز العرقي والديني، عدم المساواة بين الجنسين، والتناقضات الإجتماعية والإقتصادية المتفشية. كما نبه الجنرال يائير جولان بذكاء: “ليس هناك شيء أسهل وأبسط من كره الغريب. لا شيء أسهل وأبسط من اشاعة الخوف والفزع المختلق. لا يوجد ما هو أسهل وأبسط من أن تكون مفلس أخلاقيا ومتنبي”. المهمة قبل ضمان بقاء اسرائيل واضحة. وبكلمات جولان الشجاع: “علينا مناقشة كيفية استخراج علامات التعصب والعنف والدمار الداخلي الذي يؤدي إلى تدهورنا الأخلاقي”. بإيجاز، على المجتمع الإسرائيلي استعادة وجهه البشري في أسرع وقت ممكن.

أما التحدي الثاني، تحدي يتبع هذا الموجز المعياري بشكل مباشر، والذي يتطلب إصلاحا شاملا للخطاب السائد في المجال العام. في خضم سيل من الكلمات والنقد اللاذع، فقد الإسرائيليون قدرتهم على الإختلاف والنقاش، التحدث، واستكشاف الإختلافات. لقد سخرنا من منظمات حقوق الإنسان لتوثيقها الإنتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان؛ تم التشكيك في ولاء نشطائها (التهجمات الأخيرة على بتسيلم وكاسري حاجز الصمت تشكل مثال على ذلك). أعضاء بارزون في المؤسسة العسكرية، مثل الراحل مئير داغان، فضحوا علنا لإثارتهم تساؤلات حول شرعية النهج الإسرائيلي. اصحاب المناصب العليا في الجيش، وعلى الأخص قائد الأركان غادي ايزنكوت، وبخوا لمطالبتهم بضبط النفس في استخدام الذخيرة الحية، والإصرار على التمسك بأوامر دائمة في هذا الصدد. والآن تم التهجم على يائير جولان من قبل رئيس الوزراء نفسه لدعوته إلى القيام بحساب نفس جماعي في يوم ذكرى المحرقة. كان هذا رد فعل جوهري لا مثيل له.

لا يمكن إجراء أي فحص ذاتي دون نقاش مفتوح. لا يمكن القيام بتحسينات سياسة حيوية أو تغييرات دون تبادل وجهات النظر. ولكن في ظل المناخ السائد في إسرائيل اليوم، الفرق بين البيان الحر للآراء – والذي يكون صارخا أحيانا، مسيئا وعنصريا بشكل واضح- والنقاش الجاد حول الإختلافات لم يكن اكثر ملموسا. الحد من النقاش لا يضعف الحريات الأساسية فقط، فهو يخلق شللا اجتماعيا من الدرجة الأولى أيضا. في السنة التي يتوجب على إسرائيل مواجهة الحقائق التي لا مفر منها واتخاذ قرارات صعبة، يجب وضع الأولوية على تشجيع النقاش المفتوح وليس في الخفاء فقط، ولكن بشكل محترم واخلاقي في المجال العام.

التحدي الثالث، والذي يمكن القول أنه الأكثر إلحاحا، يركز على علاقاتها مع الفلسطينيين. بكل المقاييس، وهم الوضع القائم في الضفة الغربية لم يعد يحمل ماءا، فقد المجتمع الدولي صبره امام التوسع الإستيطاني الإسرائيلي واستمرار الإحتلال؛ يتم الضغط على الطلب الفلسطيني لتقرير المصير سواء على الأرض أو في المحافل العالمية. ويقر معظم الإسرائيليين بأن ما كان، لا يمكن أن يستمر إلى الأبد. واقع الدولة الواحدة غير العادل الناشئ لا يتحدى المعايير العالمية واليهودية فحسب، بل يشكك بقدرة إسرائيل في الحفاظ على نفسها كدولة ديمقراطية ذات أغلبية يهودية في نفس الوقت.

تحت الجمود الواضح، هناك موجة حالية من النشاط داخل إسرائيل لموازاة إعادة الإرتباط للجنة الرباعية والمبادرة الفرنسية لعقد مؤتمر دولي حول اسرائيل وفلسطين هذا الصيف، وإعادة تنظيم الجهات الخارجية الرئيسية. على هامش الطيف السياسي، هناك حديث متزايد (مختلف إلى حد كبير) حول شكل الدولة الواحدة. تعد وزيرة العدل اييليت شاكيد تشريعات لفرض القانون الإسرائيلي على الضفة الغربية (شكل مغسول لضمها). يتم بذل جهود متجددة – في الآونة الأخيرة من قبل حزب المعارضة الرئيسي، الاتحاد الصهيوني – لاتخاذ تدابير من جانب واحد للفصل بين إسرائيل والجزء الفلسطيني عبر الخط الأخضر. ويتجلى اهتمام متزايد – من قبل النقاد ونشطاء المجتمع المدني وحتى الرئيس رؤوفين ريفلين – لبدائل كونفدرالية. عاجلا وليس آجلا، ستضطر إسرائيل إلى اتخاذ قرار (إما تحت ضغط خارجي أو من تلقاء نفسها كما هو مفضل) حول كيف تتحرك لصالحها نحو نهاية عملية مدتها خمسة عقود من الإحتلال وقرن من الصراع.

من غير الواضح ما إذا كان هذا التحول في السياسة يمكن أن يتم من قبل الحكومة الحالية. فلا يقتصر الأمر على بنيامين نتنياهو الذي يقاوم بإستمرار التعامل مع هذه المسألة في الماضي، منذ عودته إلى منصبه في عام 2009 وتزامن تحديه مع التآكل التدريجي للحكم في البلاد.

االتحدي الرابع الذي يواجه إسرائيل يتعلق على وجه التحديد بهذه القضية. وهي لا تتعلق فقط بالقدرة على اتخاذ القرارات وتنفيذها عبر مجموعة واسعة من القضايا – بدءا من مستقبل الغاز الطبيعي والموارد الثمينة الأخرى لإسرائيل، الميزانية، الدين والدولة، والعدالة الإجتماعية، إلى السؤال المركزي المتعلق بالأمن – ولكن أيضا بالقدرة على الحفاظ على سلامة المؤسسات الحاكمة في إسرائيل. فقد أثرت أزمة ممارسة الحكم على ميزان القوى بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، مما أدى إلى إضفاء طابع شخصي وتمركز السلطة، وزيادة الفساد العام وازادياد اغتراب المواطن الاسرائيلي. لقد كان ذلك واضحا بشكل كبير في اضعاف الميزانيات والشيكات الرسمية وغير الرسمية على حد سواء. وأثر ذلك سلبا على أمن إسرائيل، كما يشير مشروع تقرير المراقب العام على عملية غزة عام 2014.

الإنتباه إلى استعادة القدرة على الحكم – دون أهمية عاطفية, كما المسائل الاخرى – يتطلب كل من الخبرة والإلتزام بأفضل الممارسات. لقد اقترحت المعاهد المختلفة ومجموعات من الخبراء سلسلة من الإصلاحات حيث تشتد الحاجة إليها في مجال الخدمة المدنية، القضاء، في الاحكام المحلية وفي نهج صانعي القرار. يعتبر اعتماد وتنفيذ هذه الإقتراحات ضرورة تزداد إلحاحا، حيث يجب تحسين الأعمال الفعلية للدولة إن ارادت أن تستمر في البقاء.

التحدي الخامس والأخير الذي يواجه إسرائيل والإسرائيليين، حيث يكون في نفس الوقت الأبعد منالا والأهم، يتعلق بهوية الدولة وعلاقتها بمواطنيها. إن تم العثور في الماضي على توازن دقيق بين عناصر يهودية وديمقراطية للدولة الإسرائيلية، ففي السنوات الأخيرة تم الدمج بين الدولة والأمة، مما أسفر عن تفسير إثني وضيق لطبيعة إسرائيل. لقد قلل التعريف الحالي من شأن هيمنة الأساس المدني للهوية الإسرائيلية، واستعاض عنها مع مفهوم ضيق للسيادة اليهودية التي تستخف بمكانة المواطنين غير اليهود، وبالتالي تحد من أسس الديمقراطية. في هذه العملية، تم اضعاف الدولة نفسها، مستعبدة لمصالح معينة على حساب المصلحة العامة.

بالنسبة للكثير من المواطنين الإسرائيليين، تشكل الجنسية الإسرائيلية سندات رابحة ومصدرا لهوية يمكن أن تشمل مجموعة متنوعة من تعريفات الهوية الدينية والثقافية والتاريخية (مع أغلبية يهودية، ومكان للموروثات الأخرى كذلك). فإعادة تشكيل المواطنة والدولة وفق هذا المعنى الشامل، يمثل بالنسبة لهم المفتاح للمتانة الإسرائيلية.

بالنسبة للجيل الذي نشأ مع الدولة، إسرائيل اليوم هي – للأفضل أو للأسوأ – مختلفة تماما عما عرفوه. إلى جانب فرحة مرور حفل استقلال آخر، هم يبحثون عن طرق لتحديث مسار إسرائيل من خلال إعادة تأكيد وتحديث قواعدها الإرشادية، حيوية أماكنها العامة، وقدرتها على صنع القرار، امكانياتها وهويتها الديمقراطية واليهودية. سيضمن نجاحهم أن البلد سيبقى، وعلى عكس الأفراد الذين يصلون جيل الـ -68، لن تخرج إلى تقاعد دائم.

البروفيسور نعومي حازان، نائبة الرئيس السابق للكنيست، عميدة كلية العلوم السياسية والإجتماعية في الكلية الأكاديمية تل أبيب-يافا

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.