تم تقديم مشروع قانون امام الكنيست, من شأنه أن يفرض عقوبة السجن لمدة 10 سنوات لأي شخص يوزع لقطات فيديو أو مقاطع صوتية لجنود الجيش الإسرائيلي. قال عضو الكنيست الذي رعى مشروع القانون أن الضرر الذي لحق بالحريات الديمقراطية الأساسية ‘مستحق العناء المبذول فى سبيله’ وذلك من أجل حماية “الروح المعنوية” الظاهرية للجيش.

مشروع القانون المُقترح كان متطرفًا لدرجة أنه حتى بعض أعضاء الجناح السياسي اليميني لن يقفوا وراءالنسخة المعروضة امام الكنيست. كما وحذر النائب العام من أن المشروع يتعارض مع القوانين الأساسية الإسرائيلية؛ بالاضافة الى المستشار القانوني للجنة التشريع في الكنيست الذي قال إنه من المستحيل تطبيق القانون. جمعية صندوق الجديد لإسرائيل خرجت بقوة ضد الاقتراح، كما فعل العديد من الإسرائيليين الذين يهتمون بالديمقراطية الإسرائيلية.

وفقاً لتقارير إعلامية، فإن الائتلاف لا ينوي تمرير مشروع القانون الذي دعمه بنفسه رسمياً، إلا انه ينوي تعديله بحيث يركز على التصوير كفعل “لعرقلة موظف عام اثناء اداء عمله”، وعلى مضاعفة العقوبة عندما يكون الجنود هم الموضع.

حاول بعض المعلقين، بما في ذلك في موقع التايمز أوف إسرائيل، شرح الحلقة من خلال الادعاء بأنها كانت مجرد حملة دعائية لعضو الكنيست الذي اقترحها في المقام الأول، وأنه لم يقصد في الحقيقة لمثل هذا التشريع البغيض بشكل واضح أن يمر، وبالتالي، فإن أي شخص أهدر طاقته ضده لا يعرف حقا كيف يتم لعب السياسة.

هذا التحليل ساذج للغاية. أولئك الذين يهتمون بالحريات الأساسية التي تشكل أساس أي ديمقراطية، بما في ذلك إسرائيل، على حق أن يكونوا غاضبين. نحن نعلم أن تمرير تشريعات متطرفة هو جزء من الاستراتيجية التشريعية للجناح اليميني، والتي حلّت فعليًا عناصر في الديمقراطية الإسرائيلية التي شعر الكثيرون منا بأنها غير قابلة للتغيير.

في الأيام التي تلت انتخاب الرئيس ترامب، حذرت الكاتبة والمعارضة الروسية السابقة ماشا غيسن، والتي شهدت كيف قامت السياسات السلطوية بانتزاع ديمقراطية بلادها الناشئة، على الامريكيين, بحسب ماشا, الأمريكيين ان ينظروا إلى وضعهم بشكل مباشر، ورفض اسلوب التهدئة بمساعدة التفكير أن الأمور لن تكون سيئة للغاية. “صدّق المُتعسّف”، كتبت. “عندما تجد نفسك تفكر، أو تسمع الآخرين يدّعون، أنه يبالغ، هذا ليس الا ميولك الفطري العقلاني”. عليك أن تصدّق المُتعسّف.

إن خلق الفوضى هو جزء من قواعد اللعبة التي يستخدمها رئيس الوزراء نتنياهو وحكام آخرون عازمون على البقاء في السلطة عن طريق تدمير الديمقراطيات في بلادهم. إذا كان أولئك منا الذين يعملون للدفاع عن الديمقراطية لا يأخذون السياسيين بكلمتهم المناهضة للديمقراطية، فقد خسرنا اللعبة والمستقبل.

في عام 2010، بدا لنا الأمر بالمستحيل الى حد السخرية، أن تبدأ إسرائيل في استخدام اختبارات عبور الحدود لتحدد من يستطيع أو لا يستطيع دخول البلاد. في ذلك الوقت، كنت أعمل في جمعية حقوق المواطن في إسرائيل (ACRI)، وهي المنظمة المركزية لمكافحة التشريعات المناهضة للديمقراطية. وبينما أخذنا التهديدات على محمل الجد، كنا نؤمن بأن هناك بعض الخطوط التي لا يمكن تجاوزها. قد تتعارض حكومة نتنياهو مع منتقديها، لكن إسرائيل دولة ديمقراطية، والديمقراطيات تتعامل مع الخلافات السياسية وتحترم حق المعارضة، للمواطن والزائر على حد سواء. مراقبة الحدود هي لأغراض السلامة وليس السياسة.

عندما سمعت ذلك العام عن مشروع قانون يقترح تجريم دعم أي مواطن إسرائيلي لمقاطعة أي شركة إسرائيلية لأي سبب – بما في ذلك الشركات العاملة في المستوطنات – وأن هذا من شأنه أن يسمح للحكومة بفرض حظر 10 سنوات على أي أجنبي من دخول البلاد إذا كانوا يؤيدون مثل هذه المقاطعة، إعتقدت أن الأمر كان غير ممكنا. كنت أنا وزملائي في مجال حقوق الإنسان متشككين: بالتأكيد، لا يمكن أن يمر ذلك. تحدث الناس في جميع أنحاء العالم ضد القانون – لفهمهم أن مثل هذا الإجراء من شأنه أن يتجاوز خط أخلاقي خطير لأي ديمقراطية.

لكنه تبع نمذج عمل اليمين المتطرف حرفيا. إن الاستراتيجية المتطترفة تسير على هذا النحو: بعد عبور صدمة الاقتراح الأولي الفاحش، سيوافق مقدموه على مضض على تخفيف القانون قليلاً. ثم يتم توزيع الوعود بان التنفيذ سيكون محدود وضيق للغاية – لا داعي للقلق بتاتا. مما سيجعل الوسطيون بالشعور بأن لديهم غطاءًا كافٍ للدعم وهكذا يمر مشروع القانون.

هذا التوجه الفعال يدعى “إرساء” بحسب مذهب علم النفس المعرفي، وهو مفهوم وصفه علماء النفس الإسرائيليان عاموس تفرسكي ودانيال كاهنمان. (بالإضافة إلى فوزه بجائزة نوبل في بحثه مع تفرسكي، يجلس كاهنمان في المجلس الدولي لصندوق إسرائيل الجديد.) يستخدم السياسيون الإرساء من خلال عرض فكرة أولية متطرفة، حيث تتم مقارنة كل صيغة لاحقة بتلك الاأولية. وهكذا يبدو اي تقليل من الاقتراح الأولي فجأة معقولاً للغاية عند مقارنته بالنسخة الأصلية، بغض النظر عن القليل الذي تغير فيه بالفعل، أو مدى غرابة المبادئ الأصلية. إنه تكتيك بارز لأي سياسي مفلس أخلاقياً الذي يتطلع إلى صنع “فرايريم” (عُبطاء) من الجمهور الإسرائيلي.

تأتي المرحلة الأخيرة من هذه الاستراتيجية بعد بضعة أشهر، وفي بعض الأحيان حتى بعد بضع سنوات، عندما يقدم السياسيون تشريعًا جديدًا يملأ فجوات حلم الحمّى المتعصبة. بحلول ذلك الوقت، لم تعد رغباتهم فكرة جديدة، وبما أننا كبشر لا نستطيع الحفاظ على الشعور بالصدمة إلى أجل غير مسمى، تصبح الأحكام التي لم نعتقد أبدا أنها تستحق حتى النظر في التشريع الإسرائيلي ونجد انها هي في نهاية المطاف قانون الدولة.

عندما تم تقديم “قانون المقاطعة” لأول مرة في عام 2010، صُدم معظم الإسرائيليين، بمن فيهم المشرعون من اليسار إلى الوسط-اليمين. لكن ببطء، قام رعاة مشروع القانون بتخفيف بعض الأحكام – الجزء المتعلق بالأجانب الذين يدخلون البلاد قد أُسقط، على سبيل المثال – وفي عام 2011، تم تمرير مشروع القانون.

“الويل للدولة اليهودية الديمقراطية التي تحول حرية التعبير إلى جريمة مدنية”، حذر الرئيس رؤوفين ريفلين، المتحدث بإسم الكنيست حينها، في مقالة نادرة بعد إقرار مشروع القانون. “الويل لأعضاء الكنيست الذين كانوا يأملون في إنتاج العنقود الجيد، لكنهم بدلاً من ذلك أنتجوا فاكهة فاسدة، لإعادة صياغة كلمات النبي إشعياء. ليس فقط أن التشريع لا يوفر للديمقراطية أداة فعالة للتعامل مع مشكلة المقاطعة فحسب، بل يهدد بإيقاعنا إلى عصر يصبح فيه الإسكات ممارسة قانونية مقبولة؛ حقبة يقع فيها الخط الحدودي الديمقراطي الدستوري ضحية لأعمال مخالفة تشريعية”.

في السنوات التي تلت ذلك، ثبت أن تحذير الرئيس ريفلين كان بصيرا واضحا.

في العام الماضي، صوتت الكنيست لتعديل قانون الدخول إلى إسرائيل ليشمل أحكامًا لم تتقدم عام 2011: حظر على الأجانب الذين يدعمون المقاطعة، بما في ذلك مقاطعة منتجات المستوطنات، من دخول البلاد. يتم بالفعل استخدام مشروع القانون لاستهداف الأكاديميين والباحثين في مجال حقوق الإنسان. كثيرون منهم يملكون آراء مخالفة. البعض منهم ذي وجهات نظر أختلف معها, وصندوق إسرائيل الجديد بشدة. لا شيء من هذا يجعل القانون أقل خطأً، أو أقل ضرراً بالديمقراطية الإسرائيلية، أو أقل تشاؤماً بمستقبل إسرائيل.

تنصحنا غيسن، التي كانت قد شاهدت هذه التكتيكات في روسيا ، بأن نحافظ على شعورنا بالغضب، بغض النظر عن المدى الذي تذهب فيه الحكومة إلى أبعد من خطوطنا الأخلاقية. “في مواجهة الدافع للتطبيع، من الضروري الحفاظ على قدرة المرء على الصدمة”، كما تقول. “قد يصفك البعض بانك غير عقلاني والهستيري، قد ويتهموك بالإفراط في رد الفعل. جهز نفسك وكن على استعداد لمثل هذه الاتهامات ليس من السهل أن تكون الشخص الهستيري الوحيد في الغرفة”.

ليس مهم من الناحية السياسية أن تأخذ هذه القوانين المتطرفة على محمل الجد فحسب في كل مرة تقترح فيها. بل إن واجبنا الأخلاقي هو مواجهة جناح يميني متطرف يهدف إلى تفكيك الهياكل الديمقراطية لإسرائيل.
إذا لم نتحدث في كل مرة، فإننا نصبح جزءًا من المشكلة – متواطئين في تراجعنا. يتحمل الإسرائيليون مسؤولية النضال من أجل ديمقراطيتنا. أنا مدينة بذلك لبنات أختي اللاتي ينشأن في إسرائيل اليوم، كما ندين بذلك بها لجميع أطفالنا، لضمان أن ميراثهم، وتراثنا، هو مجتمع يرقى إلى أعظم المعايير الأخلاقية العليا. ليس من السذاجة أبدا قول الحقيقة للسلطة، حتى لو كان علينا أن نفعلها كل يوم – كل ساعة. سنفعل ذلك لطالما استغرق الأمر. أصواتنا لن تتعب.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.