ذهبت إلي بينيرّا (مقهي ومطعم) اعتدت علي تناول فطوري مع القهوة عندهم، للأسف المحل كان مُكتظًا بالرواد، لأن الميعاد كان وقت الغذاء، وكثيرون من الموظفين بالمنطقة يأتون لتناول الغذاء بهذا المحل، نظرت ليس ولا منضدة واحدة فارغة، وأنا أجُر خلفي الشنطة التي أحمل بها اللاب توب (الكمبيوتر)، لأنني في الغالب أجلس بعض الوقت للكتابة.

نظرت إلي المنضدة التي اعتدت الجلوس عليها، وجدتها شاغرة بسيدة جميلة جدًا في مُقتبل العمر، ملامح وجهها وشعرها الأسود الطويل الغزير، يُعطي كثير الشبه للمُثلة الهندية “كيم كردشيان”، نظرت إليّ بإبتسامة حُب عذبة، ودعتني لمشاركتها نفس الترابيزة.

جلست أنا وجاجان، نتجاذب أطراف الحديث في مجالات شتي، والأجمل أنني عرفت أنها هندية مِثلما خَمنت، وأنها تُدين بعقيدة اسمها “السيخ”.

قالت جاجان، أنني أحب شهر فبراير جدًا، إستغربت وسألت لماذا؟!
قالت؛ لأنه كما يُطلقون عليه أنه شهر الحب، نحن في ديانة “السيخية” نُحب كل الناس بدون تحفُظات، بدون شروط،، وأيضًا بدون تعليق “without attachment”!

تطرقنا للحديث عن الحب، وعيد الحب، وما التغُيرات التي طرأت على الحُب في أيامنا هذه، وتقريبًا كُنا مُتفقين!

(1)
الحب ضاع وضل طريقة بين أروقة التكنولوجيا الحديثة، يُحاول أن يجد طريقه بين مواقع التواصل الإجتماعي، المسينجر، الوآتس أب، السكايب، الفايبر، الإيميلات، هلُم جرًأ!
نعم، كل هذه الوسائل جيدة للسرعة وتقريب المسافات، ولكنها ليست في كل الأوقات تُعبر عن صدق المشاعر، وقد لا تستطيع تمييز ما إذا كان هذا الحب نابعا من القلب، أو أنه مجرد ممارسات إجتماعية في مناسبات معينة.

(2)
المناسبات السعيدة كثيرة؛ عيد الحب، عيد الأم، عيد الأب، عيد الأخت، وفي كل الأعياد، تجد شخصًا صمم كارتًا لهذه المناسبة السعيدة، وأرسله لشخص، وفجأة تجد الغالبية العظمي لرواد مواقع التواصل الإجتماعي يُشيرون كارتًا واحدًا، لم يُكلفهم شيئًا، لم يكتبوا فيه حرفًا واحدًا، ولا حتي اختاروا الصورة التي سيرسلونها، كل ما يفعله الشخص أن يدخل علي قائمة الأصدقاء ويعمل شير للكارت لكل الأصدقاء، ويا سلام سينام قرير العينين والوجدان، على أنه قدم خالص محبته لكل أصدقاؤه ويمكن بعض الأصدقاء، لا يعرفهم شخصيًا ولا تربطه بهم أي علاقة وثيقة!

(3)
من فترة وبالصدفة صديقة قريبة إلي نفسي عرفت أنني مريضة جدًا، وهي موجوده معنا في نفس البلد، ولكي تزورني أو أزورها لا يستغرق الزمن أكثر من ساعة، وفي نفس الوقت معها كل كل وسائل الإتصال بي، هذا سوف لا يكلفها إلا أن تكتب رقمي علي تليفونها ستجدني معها قلبا وقالبا!
جاء عيد الكريسماس، ووجدتها أرسلت لي علي المسينجر كارت عليه صورة وربما آية، بصراحة تضايقت، ولم أقرأ الكارت، وعبرت لها عن استيائي من استخدامها هذا الأسلوب الهزيل للتعبير عن مشاعر الحب الحقيقي لي!
كنت أتمني أن تفتقدني بزيارتها، أو على أسوا الظروف مُحادثتي تليفونيًا لتهنئتي بالكريسماس والإطمئنان على صحتي!

(4)
الحب فقد هويته ومضمونه الإنساني بسبب الرِتم السريع للحياة!

هل في النهاية أختزل الحب إلي هدية أو باقة من الورود أو كارت لطيف أو حتي قُبلة؟!

إيفون سيدة أرستقراطية من عائلة غنية جدًا، في صحة جيدة، ولكن بسبب كبر السن حيث أنها تجاوزت التسعون عامًا، أصرت إبنتها التي تدير مستشفي خاصا بأحد الضواحي بمدينة تورنتو، علي أن تضع الأم في دار للمسنين ذات الخمسة نجوم للأطمئنان علي سلامتها وهي بمفردها في هذا السن المُتقدم.

نعم حتي دار المسنين قد تختلف في درجة الخدمة التي تُقدم للنزيل!

في أثناء خدمتي لكبار السن، قمت بزيارة العديد من الديار المُخصصة للمُسنين، واكتشفت أن الفارق بين دار والأخري، يكون في المبلغ الذي يدفعه النزيل، فكلما زاد المبلغ كلما تحسنت الخدمة ومكان الإقامة!

بمرور الوقت بدأت أعرف مستوى الدار بمُجرد دخول المبنى، فالدار الذي تدعمه الحكومة، أو الذي يدفع فيه النزيل مبلغًا ضئيلًا، قد تجد المبني هزيلًا، والأثاث فقيرًا، والنظافة ليست كما يجب، وربما أكثر من نزيل في الغرفة، أو غرفة كبيرة مثل عنبر المستشفي به أكثر من نزيل، تجد نوعية الطعام التي تقدم للنزيل ليست علي المستوي اللآئق وكذلك الخدمة ليست علي المستوى اللآئق.

في يوم كان عندي زيارة لإمرأة ضريرة، أخذت العنوان وذهبت للزيارة، في الأول اعتقدت أنني أخطأت العنوان، بسبب فخامة المبنى، أعتقدت أنني في فندق خمسة نجوم، ولكنني تيقنت أنه العنوان المقصود، إنبهرت بالديكور، الأثاث، قاعة الطعام، وبالخدمة الرائعة التي تقدم للنزيل.

اليوم عيد الأم، استعدت مدام إيفون للإحتفال بعيد الأم، الخادمة ساعدتها علي إرتداء ثيابها الفاخرة الجديدة لحضور الحفل العام الذي يُنظمة الدار، للإحتفال بالأمهات وفي الغالب يأتي ذووهم للإحتفال معهم.

جلست مدام إيفون خلف ستائر الشباك الحريرية، وقلبها يخفق مُترقبة وصول أبنتها لتحتفل معها بالعيد، وتسعد بهدية إبنتها التي دائمًا تفتخر بها أمام قريناتها، حيث تكون دائمًا هدية فخمة غالية الثمن!

وصلت السيارة الفخمة، تهللت إيفون، إنتظرت نزول إبنتها من السيارة، للأسف وجدت السائق ينزل من السيارة يحمل هدية فخمة مغلفة بطريقة شيك جداً، نزلت دمعة حزينة من عيني إيفون، قرع السائق باب الجناح الذي تُقيم به إيفون، وقدم لها الهدية وكارت معايدة من إبنتها، قرأت التهاني والتمنيات والأمنيات وأيضا الإعتذار عن عدم الحضور بسبب مشكلة طرأت في العمل!

إيفون شعرت بخيبة الأمل في أن تسعد بلقاء أحب الناس إلى قلبها، وهي إبنتها، في هذا اليوم الذي تنتظره كل أُم من السنة للسنة، لتسعد برد الجميل والعرفان للأم التي أعطت الحب والحنان للأبناء، لقد جاء دورهم للتعبير عن الشكر والإمتنان للأم!

ردت إيفون الكارت وأيضًا الهدية للسائق لردهما لإبنتها!

(5)
بسبب العادات والتقاليد، أصبح الحب مُجرد ذكري، وأصبح مُجرد سلعة تستخدمها الشركات والمحلات للبيع والكسب، وعلى حسب المثل؛ رِزق الهِبل على المجانين!

يستيقظ الناس على عبارة تقول؛ اليوم عيد كذا!
يهرع المُحبون، وكأنهم خرجوا لتوهُم من كهف الحياة، ليتذكروا أن لهُم أحباء مازالوا يعيشون معهم داخل كهف الحياة، يهرعون إلي وسائل الإتصال المُختلفة، للإتصال بأحبائهم، ويهرعون أيضًا لشراء الهدايا، وربما يهرعون بالزيارات وكأن كل واجباتهم أن يتواصلوا مع أحبائهم في هذا اليوم من السنة، طبعًا المفروض أحباؤهم يبوسوا أيديهم وش وضهر على أنهُم إفتكروهم!

(6)
ظهرت ظاهرة غريبة علي الفيس بوك وهيّ؛ وجود بوستات تنُم علي أن الناس خائفين علي علاقات الحب أن تضيع في خضم الحياة!

فمثلًا بوست يقول؛ أولادي أنا بحبهم يارب احميهم وحافظ عليهم!
بوست ثاني يقول؛ أخي حبيبي هو اللي ليه في الدنيا!
بوست ثالث يقول؛ أختي حبيبتي ماليش غيرها في الدنيا باركها يارب وخلينا لبعض!
وهلم جرًا، من بوستات إستجداء البركات من الله، والتأكيد علي علاقة الحب بين الناس وذويهم وكأنهم خائفين على فقد الحب!
كل هذا يدل علي أن الناس مازالوا يحملون مشاعر الحب، وفي نفس الوقت أصبحوا خائفين على أي شئ قد يؤثر على هذه العلاقلات الإنسانية بين الناس وخاصة علاقات صلة الرحم.

أقول كلمتي؛
من حق الحب أن يخاف على نفسه، من أن يفقد هويته وخاصيته في هذا الزمن، الذي يُدمر معظم الأشياء الجميلة في حياتنا.
من حقنا نحن البشر الذين نحمل في داخلنا جينات الإنسانية الحقة، أن نُنادي بالحُب والمحبة في كل مكان، لابد أن تصل كلمة الحب والمحبة الحقيقة لكل البشرية، سواء أرادوا .. أم .. لا، لأن الله محبة.
من حق الناس علينا، أن نعيش معهم بالحُب والمحبة في كل مكان، يجب أن نُحب كل الناس، بدون تحفُظات، وبدون شروط،،، وأيضًا بدون تعليق!

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.