صلاة ومسار تعبدي

عزيزتي هميرة،
شكرًا لمشاركتي على بدء هذه المدونة. بصفتنا أصدقاء وزملاء دخلنا في أحاديث كثيرة على مدى السنوات. ومن بين الموضوعات التي قمنا ببحثها معًا كانت الشعائر الدينية المختلفة التي تساعد على تشكيل حياتنا كيهودي وكمسلمة. هل بإمكانك البدء من خلال الحديث عن أحد الطقوس ذات الأهمية بالنسبة إليك؟

شكرًا،
أور

***
عزيزي أور،
أريد أن أركز انتباهي في هذه الرسالة على طقس “الذكر” الصوفي، التأمل من خلال التلاوة. لقد بدأت مؤخرًا بالإشراف على حلقة ذكر نسائية في نيو هيفين، كونيتيكت، حيث أعيش. هناك نعمة في العبادة الجماعية، أن تكون برفقة نساء اللواتي يتركن مساحة في حياتهن للجلوس معًا من أجل الله.

نقوم بالتلاوة بحسب تقليد نقشبندي الصوفي، وهو ممارسة روحانية بدأت في مركز آسيا (بخارى) في القرن الثاني عشر وأصبح حركة عابرة للأقاليم. التلاوة إيقاعية، ومع ذلك لا يطلق عليها أبدًا اسم أغنية. عادة، نقوم بالتلاوة وفقًا لصيغة معينة مع بعض المساحة للابتكار: نتلو أسماء إلهية (مثال الحي، الحق، الرحمن)، وصلوات قرآنية رئيسية، وبركات على النبي وعلى العلماء من ذرية النقشبندي الروحية. وقد تشمل تقاليد ذكر إسلامية أخرى صلوات ومقاطع مختلفة من القرآن، وشعر صوفي (مثل أشعار الرومي ويونس أمرة وأمير خسرو) وحركات الجسم.

يعني الذكر “التذكر”. الهدف الرئيسي من هذا الطقس هو المحافظة على الوعي بالوجود الإلهي في كل لحظة صحو. يتحدث القرآن عن لحظة تجمع فيها كل الأرواح التي عاشت مرة أمام الله وجهًا لوجه مع مصدر وجوده الأساسي. خلال تأملي، أسعى لتذكر ما كان أصل كل روح مرة – وجه الله أمامي. أن أتذكر أن أكون متواضعة.

بعض الناس ينظرون إلى التأمل كتساهل ذاتي ليس لديه أي تأثير حقيقي على عالمنا المريض. أنا أنظر إلى “الذكر” كصورة فعالة من الإيمان. الكثير من الطقوس الصوفية مبنية على أساس فكرة أن لكل عمل من أعمال الصلاة صدى في الجسم: روحيًا ونفسيًا وجسديًا. الكلمات لديها قوة، ونحن مصبوغون في هوى الكلمات التي نتلوها.
كما قال الشاعر والفقيه الصوفي العظيم جلال الدين الرومي (توفي عام 1273):
أنت أفكارك يا أخي
باقيك عظام وألياف
إذا فكرت في الورود، فأنت حديقة ورود
إذا فكرت في الأشواك، فأنت وقود للفرن
(ترجمه للانجليزية ويليام شيتيك. الصوفية: مقدمة قصيرة، ص.16)

لهذا السبب يُطلق على “الذكر” اسم “صاقل القلوب.” يغير تكرار الكلمة من وعينا، ومضمون وعينا يحدد من نحن وكيف نتصرف.

علمني الإرشاد في “الذكر” أيضًا أن أكون حساسة أكثر لإيقاع التأمل. قبل ذلك، كنت حاملة لرسالة: الآن علي مساعدة الآخرين في هذه العملية الحيوية. أنا مدركة للطاقة التي تتغير مع كل صلاة جديدة نتلوها. أحاول أن أشعر إلى أين ستأخذنا. بينما نقوم بشق طريقنا من خلال تلاوتنا يهبط وجود ملموس على المجتمعين- السكينة (مشابهة للكلمة العبرية شخيناه)- الوجود المطمئن لله. أشعر بشيء مختلف بعد حلقة “ذكر”، أكثر خفة وقوة واتصالًا مع النساء اللواتي أقوم معهن بالتأمل. لهذه اللحظة، يصمت الأنا الذاتي. الهدف هو الحفاظ على هذا الشعور حيًا خلال يومي كله، وجلب الشعور المتزايد من الحب والتفاني إلى تفاعلي مع جميع مخلوقات الله.
***
عزيزتي هميرة،
عند قراءتي لانطباعك- وبالأخص كلماتك الأخيرة- خطرت لي جملة من المزامير 16:8 ” جعلت الرب أمامي في كل حين.” من الشائع أن نرى تمثيلُا مرئيًا لهذه الكلمات- المعروفة ب”شيفيتي” (“جلست”) – معلقة على الحائط أو ملصقة على منبر في الكنيس. صممت هذه الكلمات كتحفيز للتأمل الإلهي. الهدف الأساس بالطبع هو تعزيز الوعي بالرب في كل مجالات حياة المرء.

في تقاليد الحاسيديم، استخدم الكثير من المختصين مصطلح عافودا بيغشميوت، “العمل من خلال الجسدية،” للتعبير عن طموح التعبدية. مع العلم أن المصطلح “عافوداه” هو المصطلح الكلاسيكي للصلاة (“خدمة القلب”)، يحثنا هؤلاء الدعاة الصوفيين عن البحث عن الوجود الإلهي في الطبيعة، أو خلال العمل.
في هذا السياق، أفكر في الكلمات التي يستشهد بها كثيرون للحاخام أبراهام يهوشع هيشل (توفي عام 1972) لدى عودته من مسيرة الحقوق المدنية من سيلما إلى مونتغومري (1965). في تعبير عن انطباعه من تجربته في هذه المظاهرة التاريخية، كتب هيشل في يومياته بأنه شعر كأن “ساقيه كانتا تصليان.” مثل أسلافه الحاسيديم، سعى هيشل إلى خلق حياة متكاملة روحيًا، ورأى بعمله كناشط (عفوداه) كتعبير حيوي عن خدمته للرب- رب عادل ورحيم الذي يدعو الخليقة إلى لعب دور حاسم في خلق عالم عادل ورحيم.

أنا متأثر من هذه التعاليم من السادة الحاسيديم ومن دكتور هيشل لأنني أسعى لعيش حياة أكثر شمولية. افكارك، مع التركيز على ديناميكية “الذكر” وتأثيرها عليك، ساعدتني على طرح السؤال عن العلاقة بين ممارسة الصلاة وبين جوانب أخرى من حياتي مجددًا.

من بين عناصر ال-“تفيلاه” (الصلاة) التي وجدتها الأكثر قيمة هي الإطار الذي توفره للاستبطان. في بعض الأحيان تكون كلمات ال-“سيدور” (كتاب الصلاة) هي التي تقوم بتحفيز هذه العملية، بينما في مرات أخرى يقوم صوت الموسيقى أو الهدوء بين الكلمات بفعل ذلك. عند الصلاة في جماعة، غالبًا ما أجد ذلك ملهمًا بأن تكون موجودًا في حضور آخرين المنشغلين أيضًا في عمليات التفكير الخاصة بهم. هذا يذكرني بأن لدي رفقاء في رحلتي وبمسؤوليتي تجاه هؤلاء الأفراد والعالم ما وراء جدران الكنيس.

كما كتب هيشل، “تأخذ الصلاة العقل إلى ضيق المصلحة الذاتية، وتمكننا من رؤية العالم في مرآة المقدس…. توضح الصلاة آمالنا وطموحاتنا. تساعدنا على اكتشاف تطلعاتنا الحقيقية… تمنحنا الفرصة لنكون صادقين، ولقول ما نؤمن به، وأن نؤمن بأهمية ما نقوله.” (رحلة الرجل في سبيل الرب، من “العظمة الأخلاقية والجرأة الروحية،” ص. 343)

شكرًا لك على هدية الحديث،
أور
_

الحاخام أور روز هو مدير المركز العالمي لليهودية في الكلية العبرية، ويشارك في إدارة CIRCLE، المركز متعدد الأديان للتعليم والقيادة والذي يرعاه كل من HC وكلية أندوفر نيوتن اللاهوتية. الحاخام روز هو المؤلف والمحرر لعدة كتب ومقالات عن الروحانية اليهودية، والمشاركة بين الاديان، والمسؤولية الاجتماعية. مؤخرًا، شارك في تحرير كتاب “الحديث عن التوراة: تعاليم روحانية من حول طاولة الماجيد (جويش لايتس، 2013)، وكتاب “دين جاري: قصص لقاء ونمو وتحول بين الأديان،” (أوربيس، 2012).

هميرة زياد هي أستاذة مساعدة في الإسلام في كلية ترينيتي، ومنخرطة بشكل كبير في مبادرات الاديان والتوعية التثقيفية حول الإسلام. وهي الرئيسة المشاركة لمجموعة الدراسات بين الأديان في لأكاديمية الأمريكية للأديان ومحررة مشاركة في سلسلة “دراسات بالجريف بين الأديان بين النظرية والتطبيق”. وهي تعمل حاليًا على كتابين، الاول عن التفاعل بين الأديان والجماليات الأدبية في أعمال عالم اللاهوت والشاعر الصوفي ديلهي خواجة مير درد، والكتاب الثاني عن الإسلام وحس الفكاهة.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.