بعنوان ”التجربة الفاشلة لحماس“ استهل ”جيسون جرينبلات“ مبعوث الرئيس ”ترمب“ للشرق الأوسط مقالته بالتعبير و إن كان ضمنياً عن موقف الإدارة الأمريكية الحالية من الوضع في غزة و ملخصه الأساسي هو أن حماس هي المسؤولة قلباً و قالباً عن المشهد الدامي على حدود القطاع مع دولة الإحتلال وأن إسرائيل كما كانت أبداً بريئة من دم إبن يعقوب.

في حين أننا ممكن أن نُحلل كل كلمات ”جرينبلات“ في سياق الوضع السياسي وطبيعة العلاقات بين إدارة ترمب وحكومة نتنياهو وهو أمر لا يحتمل الكثير من الشرح إلا أنني أجد نفسي مرة ومرة أخرى أمام المنطق الدارج لكثير من يهود الولايات المتحدة التي يمثل ”جرينبلات“ أحد أقطابهم.

إنطباعي الأول بعد قراءة المقالة أن ”جرينبلات“ شأنه شأن الكثير من أرباب المجتمع اليهود الأمريكي يتسم منطقه بخليط من المثالية الممزوجة بالجهل تجاه إسرائيل وبعض الإسلوب الإعتذاري الممزوج بالتجاهل والذنب تجاه الفلسطينيين.

الكاتب يستهل المقالة بالحديث عن ضرورة ”إيجاد طريقة لمساعدة أهل غزة“ وهنا يتقمص دور الدبلوماسي الإنسان ومن لديه شيء من التعاطف مع أهل القطاع. ربما في إدارة ”ترمب“ الشعبوية فمنطق ”جرينبلات“ بدا كأن فيه شيء من الإعتدال.

يُخبرنا ”جرينبلات“ بأنه ”قابل العديدين من أهالي غزة“ وبأنه وجدهم ”رائعيين ومرنيين.“ هنا الكثير من الكلام الجميل وإن كنت لا أعرف كيف ومتى إلتقي ”جرينبلات“ بهؤلاء الرائعين المرنيين من سكان غزة. ومن ثم ماذا يقصد بالمرنيين؟ أم أنه يغرد على نفس نغمة ”ترمب“ بإستخدام كلمات الشارع في التوصيف السياسي؟ على العموم فلا يهم ما يقصد – فقصته جميلة ومليئة بالإطراء. فالننسى الحصار والقتل ولنتذكر أننا رائعون ومرنون. شكراً يا سيد ”جرينبلات“!

رغم الخطاب المليئ بالثاليات ل“جرينبلات“ قليل الخبرة في العمل السياسي شأنه شأن غالبية الحلقة الضيقة في إدارة ”ترمب“ فإن عبارات التلطيف والتعاطف وما يبدو على أنه إحساس بالمسؤولية تجاه سكان قطاع غزة ما هو إلا تكرار جافٍ ورتيب درجنا على تسميته بالدبلوماسية. والدبلوماسية كما عرفَّها ”وينستون تشرشل“ هي أن تُخبر الناس بأن يذهبوا للجحيم بنفس السهولة والكياسة التي تُرشد أحدهم لوجهته. ففي الواقع فعبارات المدح لأهل غزة هي مجرد تلطيف لعبارات الذم تجاه حماس التي ملأت المقال. أو بمعنى آخر إنه التملق الذي يسبق الهجوم.

”جرينبلات“ اليهودي رجل العقارات والذي لم يُعرف عنه نظرياته الفلسفية والفكرية تناول الوضع في غزة من منطلق أن حماس هي العدو وأن القول الصريح بأن حماس هي العدو يتطلب مخاطبة ود أهل القطاع أولاً وخلق الإنطباع لديهم بأن أمريكا تكترث لشأنهم حتى يجعل لكلامه شيء من المصداقية. كأن ألوح لك بيدي اليمني مرحباً بك وأدس لك السم في طعامك بيدي اليسرى. هنا بالضبط يسقط القناع ليكشف خليطاً غريباً من السذاجة والإجحاف. سذاجة تجاه طبيعة التركيبة السياسية والنفسية للجمهور الفلسطيني وإجحاف تجاه الحقائق الجيوسياسية على الأرض – لصالح إسرائيل طبعاً. غالبيتنا على يقين إن منافقة أهل غزة ليست نابعة من حسن نية بقدر ما هي ضرورة مُلحة لتمرير ما يسمى بصفقة القرن. تريد الإدارة الأمريكية أن تُهديء أو حتى تَلجِم غزة المثيرة للمتاعب من أجل أن تُمهد الطريق لفرض الصفقة المزعومة. فلا صفقة بوجود قلاقل في غزة.

طريقة حديث ”جرينبلات“ عن حماس يُوحي للقارىء بأن الحركة كائن غريب مُنفصل عن المجتمع الفلسطيني الغزاوي. أنه نفس الإسقاط الذي كانت ولا تزال الحكومات الإسرائيلية تحاول فرضه على الصراع. إنه نفس المنطق الذي حكم و يحكم ما يسمى بالحرب على الإرهاب. إنهم يسقطون صورة تنظيم القاعدة المتعدد الجنسيات والمعزول في جبال أفغانستان على منظمة سياسية فلسطينية تشكل جزءً لا يتجزأ من النسيج الإجتماعي الفلسطيني.

عندما تزول الفروق بين حماس والقاعدة فالحرب على الأرهاب التي تدعيها إسرائيل ووضعت أُسسها الولايات المتحدة تصبح لديها شرعية مطلقة وذات مرونة كبيرة. فحماس عندها تصبح فعلاً داعش التنظيم الإرهابي الذي لا يمت للمجتمع بصلة و بالتالي الإجراءات القاسية تصبح مبررة بالكامل ويشمل ذلك محاصرة ٢ مليون فلسطيني داخل أكبر سجن مفتوح في العالم. ألم يقل ”نتنياهو“ بأن حماس هي داعش وداعش هي حماس؟ مدعومين بهذا المنطق فقط يمكننا القول أن السبب في مأساتكم يا أهل غزة هو حماس وليس من يحتل حماس. بل يمكننا القول أنكم يا أهل غزة السبب في قسوتنا. نحن نلومكم لأنكم جعلتونا نطلق النار عليكم. كيف تجرؤون على تعكير صفو براءتنا؟

الحديث عن حماس – بغض النظر عن ايدلوجيتها أو نجاحاتها أو اخفاقاتها – على أنها مجرد حركة إرهابية على غِرار القاعدة أو داعش فالهدف الأساسي منه هو نزع صفة الإلتصاق الوطني والتحرري من الحركة. لأن الإعتراف بأن حماس هي شأنها شأن فتح وباقي الفصائل الفلسطينية بشتى ميولها الفكرية هي نتاج طبيعي للإحتلال يجعل مصداقية إسرائيل على المحك. بل وأنه يرسخ الحقيقة المزعجة بأن إسرائيل هي دولة إحتلال. نفسها تلك الحقيقة التي يُغلق معظم الإسرائيليين آذانهم لسماعها. فالإحتلال صفة سلبية توحي بالإضطهاد وغياب الوازع الأخلاقي. من في إسرائيل مستعد للنظر بالمرآة من أجل أن يرى في نفسه مُحتلاً؟

نحن هنا لا ندافع عن حماس ولا نذمها فتجربة الحركة فيها النجاحات والكثير الكثير من الإخفاقات التي لا يختلف في وجودها فلسطينيان إثنان حتى من داخل الحركة نفسها – لكننا هنا نسعى لتثقيفك بشيء ربما غاب عن فكرك يا سيد ”جرينبلات“. سأفترض أن قلبك في مكانه الصحيح وأن ما قلته نابع من اكتراث حقيقي تجاه المعذبين في غزة. لن أُحملك الكثير من تعقيدات وتلميحات الدبلوماسية والتي ربما أنت في طور تعلم أساسياتها. ولكني أريد أن أخاطب حِسك الفطري كبشر – أدعوك للنظر لأدني الديناميكيات في أي صراع في التاريخ هذا وإن كنت قرأت شيئاً من التاريخ. أن تقرأ كتيبات العقارات لا يُحتسب ولا يجعلك مؤهلاً! أنظر إلى السبب والمسبب! إن لم تستطع فانظر من هو بالأعلى ومن هو بالأسفل في هرم القوة. القليل من الحس الفطري بالعدل سيعطيك الإجابة خالية من الشوائب – طبعاً إن سمحت لها بذلك.

تقول في مقالتك يا سيد ”جرينبلات“ بأن إسرائيل أوضحت رغبتها بإدخال المزيد من المساعدة لأهل غزة إذا تأكدت من عدم إستخدام هذه المواد لأغراض عسكرية ضد إسرائيل. و تقول أيضاً بأن إسرائيل قد تخفف القيود المفروضة على السفر وغيره من التسهيلات إذا تم ضمان ما يمكن تسميته بأمن إسرائيل.

سيدي العزيز – أولاً أنت تكرر الرواية الإسرائيلية ولا غرابة في ذلك. بعد إعتبار القدس عاصمة لإسرائيل فلا شيء يثير الغرابة بعد اليوم في تصرفات إدارتك حتى وإن أعلن رئيسك أن نسبه يعود لكوكب المريخ. وثانياً وهو الأهم فأنت بتأكيدك رغبة إسرائيل بتخفيف الإجراءات تقول ضمنياً بأن هنالك حصار وهذا ما تحاول وحاولت إسرائيل نفيه. حقيقة أن إسرائيل تملك حرية تخفيف أو تشديد الإجراءات على غزة هو بلا شك اعتراف بوجود سيطرة إسرائيلية. والسيطرة لا تعمل في فراغ فمن أجل أن يكون هنالك سيطرة ينبغي أن يكون هنالك مُسيطِر ومُسيطَر عليه. فالتعريف البسيط للإحتلال هو العلاقة الرأسية بين القوي المسيطِر والضعيف المُسيطَر عليه. فهل تتوقع ممن هو تحت الإحتلال أن يأخذ زمام المبادرة ويغير الواقع القائم بجرة قلم؟ حماس ومن هم تحت حكم حماس في قطاع غزة جميعهم تحت سطوة الإحتلال الإسرائيلي. والأمر ليس صراعاً بين متساويين في القوة والموارد بل علاقة رأسية غير سوية كما قلت.

ربما حماس ”حرضت“ على مسيرات العودة و ربما حاولت إستغلالها…فالنفترض هذا. أو كما يقول المثل الفلسطيني ”خليك مع المجنون لباب الدار…“ فالنصدقك ونتنياهو ونقول بأن حماس حرضت فعلاً. هذا لا يعفيك من السؤال المطروح عن سبب المسيرات… هل سألت نفسك ما هدف حماس وغيرها من الفصائل من تحريك الشارع؟ ومن ثم وهو الأهم – وأعود للنقطة السابقة – من هم أفراد حماس الذين تتحدث عنهم؟ هل هم أفراد منفصلون عن الشارع أم هم أيضاً أبناء غزة شأنهم شأن الغالبية العظمى من سكان القطاع يرزحون تحت الحصار الإسرائيلي؟

بالنهاية تختم مقالك بالقول بأن ”بأن مساعدة أهل غزة ستبقى محدودة طالما بقيت حماس في موقع المسؤول و بأن الحركة أعادت أهالي القطاع للعصر الحجري…“ منطقك يا سيد ”جرينبلات“ غريب عجيب و ربما شأنك شأن الكثير من الصهاينة الأمريكيين تعاني من الكثير من المثالية الزائفة تجاه تلك الواحة الغناء إسرائيل في صحراء من الأعداء الذين يسعون لمحوها من الوجود. ربما بتقديرك الشخصي فحماس تشكل خطراً وجودياً على إسرائيل. سأتغاضى عن هذا فلست وحدك تعتقد بهذا – حتى اولئك الذين يجلسون على كومة من الرؤوس النووية في تل أبيب ربما يرون بحماس خطراً وجودياً. لست هنا لأسألك الإستلقاء على تلك الكنبة المريحة و أمثل دور طبيبك النفسي. مشكلة الخوف من الفناء مشكلتكم فعالجوها بأنفسكم.

ولكني سأفترض أن لك عقلاً مدركاً تستطيع من خلاله رؤية شيء من الحقيقة. أتساءل هل أنت وغيرك من الصهاينة تقفون أمام المرآة كل صباح وفعلاً تعتقدون بأنفسكم أن اللوم كل اللوم يُلقى على حماس؟ كيف هذا؟ حماس حركة أيدليوجية…نعم. كذلك هي الغالبية العظمى من حكومة نتنياهو. حماس حركة يمينية…نعم. كذلك حكومة إسرائيل. هل يوجد فساد في حكومة حماس.. ربما. نتنياهو وأسرته أيضاً متهمون بالفساد. حماس متهورة و غير مسؤولة.. أحياناً نعم. كذلك هي سياسات الإحتلال. و لكن حماس ليست هي من يحدد عدد السعرات الحرارية لسكان غزة. ليست هي من يغلق المعابر. ليست هي من يتحكم بالجو والبحر. والأهم.. لم تكن حماس هي من محي أحياءً سكنيةً بكاملها في الحروب الثالثة السابقة وأعاد القطاع لما تسميه بالعصر الحجري. بالمحصلة ما ينطبق على الغالبية العظمى من أهل غزة ينطبق على غالبية أفراد حماس.. جميعهم تحت الحصار.. جميعهم ممنوعون من السفر، جميعهم محرومون من الكهرباء و جميعهم شأن كل فلسطيني يرضخون تحت سطوة إحتلال عسكري و إن كان هذا الإحتلال يُسير بالرموت كنترول. بالمختصر فكل من هو في غزة ”في الهوي سوا.”

أن تلوم المُحاصَر لرغبته الخروج من الحصار لهو الجنون بعينه. هل تذكر كيف تفنن اليهود بإبتكار طرق للإلتفاف على الحصار في غيتو وارسو في بولندا؟ أما أن ذاكرتك إنتقائية قصيرة وإحادية الجانب..؟ أليس لأهل غزة الحق بالحرية والتحرر من الإستعمار أما المسألة كما تساءل يوماً شاعرنا أحمد شوقي: أحرام على بلابله الدوح، حلال للطير من كل جنس؟

تذكر يا سيد ”جرينبلات“ أن القضية الفلسطينية هي قضية سياسية بالمقام الأول وتقليصها لمسألة إنسانية هو ما بدأ الكارثة. دعنا من المثاليات فلا يوجد هنالك الكثير من الوقت في ذاك السجن الكبير المسمى قطاع غزة. الساعة تدق والإنفجار الكبير قادم لا محالة – لا فرار من حتمية التاريخ. تحدث للسجان ولا تخاطب السجين.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.