لم تكن الضربات الجوية في جنوب سوريا التي نُسبت إلى إسرائيل يوم الخميس بالضرورة مؤشرا على تجديد الهجمات الإسرائيلية الروتينية على الأراضي السورية، بل كانت استثناءا محتملا للقواعد الجديدة التي فرضتها روسيا على المنطقة.

لقد أوقفت إسرائيل بشكل شبه كامل هجماتها على مدار الشهرين ونصف الشهر الماضيين، منذ أن أسقطت النيران السورية المضادة للطائرات – ردا على ضربة إسرائيلية في اللاذقية – بطريق الخطأ طائرة استطلاع روسية، ما أسفر عن مقتل جميع الجنود الخمسة عشر الذين كانوا على متنها وألقت موسكو باللوم على الجيش الإسرائيلي.

منذ ذلك الحين، اتضح أن عددا من الأمور قد حدثت في وقت واحد.

أولا، بعثت روسيا برسالة واضحة إلى إسرائيل بشأن غضبها من الضربات الموجهة إلى الأهداف المرتبطة بإيران، بما في ذلك إرسال أنظمة دفاع جوي من طراز S-300 إلى سوريا من أجل تعقيد المزيد من هذه الضربات.

في هذه الصورة التوضيحية التي تم التقاطها في 27 أغسطس، 2013، منظومة الدفاع الجوي ’اس-300’ معروضة في افتتاح ’معرض ماكس الدولي للطيران’ في جوكوفسكي، خارج العاصمة الروسية موسكو. (AP Photo/Ivan Sekretarev, File)

بدا أن إسرائيل فهمت التلميح، مع إنخفاض عدد الضربات الجوية بشكل كبير.

إذا كانت إسرائيل في الواقع وراء الهجوم الواسع النطاق في سوريا في وقت متأخر من يوم الخميس، يمكن الافتراض أن هدف الضربات يشكل تهديدا واضحا لإسرائيل، وأنه بالإضافة إلى ذلك، فإن وجود هذه الأهداف في الأراضي السورية لم يصل لمستوى رضا الروس أيضا.

الإمداد المباشر

ثانيا، يبدو أيضا أنه منذ حادث سبتمبر في اللاذقية، حدث تحول في طريقة عمل إيران. كما قال جنرال (الاحتياط) عموس يادلين، رئيس معهد دراسات الأمن القومي، في مقابلة مع راديو 103FM يوم الخميس: لقد غيرت إيران التكتيكات.

في هذه الصورة من 9 يونيو 2018، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (يمين)، يتحدث إلى الرئيس الإيراني حسن روحاني خلال اجتماع في تشينغداو، الصين. (AP Photo / Alexander Zemlianichenko، Pool، File)

بدلا من السعي إلى السيطرة على سوريا عسكريا واقتصاديا، حولت إيران اهتمامها إلى مجالين آخرين – لبنان والعراق.

يشمل هذا التركيز الجديد على تحويل لبنان إلى مقاطعة إيرانية بحكم الواقع، وذلك باستخدام مجموعة من الإجراءات السياسية والاقتصادية والعسكرية.

في حين أن هذا لا يعني أن إيران تتخلى عن سوريا، حيث أن الضرورة الملحة لضربات يوم الخميس قد أكدت على ذلك، فإن البلاد لم تعد نقطة تحول حاسمة لنقل أنظمة الأسلحة المتقدمة إلى حزب الله. يمكن بدلا من ذلك توصيل الأسلحة، حيث يتم توصيلها مباشرة.

في الأيام القليلة الماضية، وردت تقارير عديدة عن هبوط طائرات إيرانية تابعة لنخبة الحرس الثوري الإسلامي في مطار بيروت بأسلحة حديثة، ربما من النوع نفسه الذي حاولت إسرائيل منعه من دخول لبنان من خلال مهاجمة قوافل الأسلحة في سوريا.

صورة توضيحية لطائرة شحن تابعة لشركة طيران فارس كيشم (Wikimedia Commons)

من الواضح أن إيران وجدت طريقة أكثر فعالية – قناة بسيطة تهدف إلى تقوية حزب الله ووجوده الشيعي في لبنان.

فبدلا من إرسال أسلحة متجهة إلى حزب الله عبر سوريا ومخاطرة بحدوث صدام مع إسرائيل والتوتر مع روسيا، تقوم طهران بتسليمها مباشرة إلى لبنان.

في العراق الأمور أكثر سهولة – يمكن نقل الأسلحة والمقاتلين مباشرة عن طريق البر إلى الجماعات الشيعية المدعومة من إيران في العراق.

يأتي هذا التغيير في نمط التشغيل الإيراني أولا وقبل كل شيء، كما أشرت أعلاه، بسبب موقف روسيا. على الرغم من أن موسكو لم توافق على الضربات الإسرائيلية، ولم توافق على جهود إيران للسيطرة على سوريا.

يبدو أن الرسالة سُمعت في طهران، مع تركيز المزيد من جهود إيران الآن على لبنان، مما يزيد من صداع إسرائيل.

السلاح والتأثير

في لبنان، علاوة على ذلك، حدث تغيير كبير فيما يتعلق بوجود حزب الله وسيطرته.

حزب الله هو إلى حد ما المالك في لبنان منذ أوائل التسعينيات، بعد اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية في البلاد التي دامت 15 سنة، وطالب جميع الجماعات السياسية بنزع سلاحها باستثناء حزب الله.

ومع ذلك، يبدو أن إيران قد اتخذت خطوات هامة أخرى على مدار العام الماضي، مع التركيز على السيطرة ليس فقط على لبنان عسكريا، ولكن أيضا على حكومتها.

على سبيل المثال، يرأس وزارة الصحة العامة طبيب مرتبط بحزب الله. هناك أيضا عباس إبراهيم، رئيس مديرية الأمن العام – وهي واحدة من أهم وكالات الاستخبارات في لبنان، والذي يعتبر من المعينين من قبل حزب الله.

يعتبر رئيس لبنان ميشيل عون عضوا في تحالف 8 آذار، الذي تقوده المجموعة الشيعية.

الرئيس اللبناني ميشيل عون، إلى اليسار، يجتمع مع رئيس الوزراء سعد الحريري في القصر الرئاسي في بعبدا، شرق بيروت، لبنان، في 24 مايو 2018. (Dalati Nohra/Lebanese Government via AP)

هذا هو الحال أيضا مع رئيس أركان القوات المسلحة اللبنانية وكثيرين غيرهم.

كشف تحقيق أجرته وكالات استخبارات غربية وعربية نُشر في صحيفة إماراتية الأسبوع الماضي أن “وحدة 900” التابعة لحزب الله، والمعروفة بأنها “الوحدة الأمنية” داخل الحزب، نجحت في تجنيد وزراعة عشرات الوكلاء في المؤسسات الحكومية اللبنانية الرسمية، بما في ذلك المدراء العامين للوزارات الحكومية، ورئيس الهيئات الاقتصادية وكبار القادة في الجيش.

ووفقا للتقرير، فإن هؤلاء الوكلاء ينقلون معلومات حساسة إلى حزب الله.

في هذه الصورة من 13 أبريل 2018، أنصار زعيم حزب الله السيد حسن نصر الله يحملون لافتة عليها صورته وعباراته العربية التي كتب عليها: “كل الوفاء.. سيد الإباء” (AP /Hussein Malla)

كما تنعكس جهود إيران في السياسة اللبنانية المتصدعة، حيث لا توجد حكومة قائمة منذ الانتخابات الوطنية في مايو.

وحاول رئيس الوزراء سعد الحريري، دون جدوى، تشكيل حكومة، وعندما طُلب منه توضيح التأخير في تعيين حكومة جديدة، ألقى اللوم فورا على حزب الله.

ويبدو أن المنظمة الشيعية تصر على تعيين وزاري لواحد من ستة أعضاء سنيين في البرلمان يعتبرون حليفين، وهي خطوة عارضها الحريري.

في حين أن لبنان قد احتفل بمرور 75 عاما على الاستقلال قبل أسبوع، فإن أنشطة الاستحواذ الإيراني تسخر من أي فكرة بشأن استقلال لبنان. وفي محاولة لمنع إيران من ترسيخ نفسها في سوريا، تحتاج إسرائيل الآن إلى مراقبة لبنان بحذر أكبر.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.