ظلت العلاقة بين الإسلام والدولة في صراع محتدم طوال تاريخ إندونيسيا؛ علاقة يمكن تصويرها بقصة تضادّ وتبادل للاتهامات؛ صراع بلغ ذروته في اجتماعات مجلس الشورى (بين الأعوام 1956-1959). وقتذاك، كان الممثلون الإسلاميون يقومون بجهودٍ مكثفة من أجل وضع الإسلام أساساً للدولة، في مواجهة مفكّري (المجموعة الوطنية) العلمانية الذين قاموا بجهودٍ جهيدة من أجل وضع الـــ(بانتشاسيلا)، أي المبادئ الخمسة، أساساً للدولة الإندونيسية. وقد كان لكل من كلتا المجموعتين حججها، وأدلتها، ولم يجد المجلس سبيلاً إلى حلّ وسط. وعندما رأى سوكارنو (الرئيس الأسبق لإندونيسيا) هذا الموقف المتأزم، أصدر قراراً رئاسياً لعودة الدولة إلى دستور 1945.

ومنذ حادثة الجدل هذه، كانت قضية العلاقة بين الدين والدولة تتخذ طابعاً إيديولوجياً، لا بل أصبحت خطاباً يفوق الخطاب الأكاديمي. وقد تلقى الإسلاميون فيها هزيمة مدوّية، إلا أن الحادثة تركت أثراً سلبياً في العلاقة بين الإسلام والدولة في العصور التالية. وعندما أصدر الرئيس سوكارنو قراره الرئاسي، كانت (جمعية نهضة العلماء) تقبل هذا القرار بسهولة (بينما كانت المجموعات الإسلامية الأخرى لا تقبله البتة). كذلك، عندما قررت حكومة 1983-1984 باتخاذ الـــ(بانتشاسيلا) أساساً وحيداً لجميع الأحزاب السياسية، ولجميع الجمعيات الإسلامية، كانت الجمعية تقبل هذا القرار بسهولة أيضاً؛ مما أصبح الكثر من المراقبين يرون بأن (نهضة العلماء) إنتهازية الطابع، مع ملاحظة أن الجمعية ظلت، إلى يومنا هذا، أكبر جمعية إسلامية في إندونيسيا من حيث عدد الأتباع! ولم تكن النظرة تلك بلا دليل؛ فقد أوضح الشيخ (عبد الرحمن واحد) أن تلك الحالة (أي قبول الجمعية للقرارات الرئاسية والحكومية) تتبع قاعدة فقهية ما نصها: ((ما لا يُدرَك كلّه لا يُترَك جلّه)). وبالطبع، كما قال (واحد)، فـــ”الجلّ” بالنسبة للجمعية هو تحقيق الدولة الإسلامية، وهو المأمول في بادئ الأمر، ولكن بقيام الدولة الإندونيسية، كان لا بدّ من قبولها، وأهم ما فيها، وجود دولة تمكّن المسلمين من القيام بتعاليم دينهم على أرض الواقع! أما (الجمعية المحمّدية)، والتي بادرت بالانسحاب من الساحة السياسية عام 1971، فقد آثرت الدخول فيما يسمى بــ(حركة الإسلام الثقافي). التي ترى أن الأسلمة لا بدّ أن تتخذ طابعاً تثقيفياً، وليس تسييسياً؛ وأن الحركات الإسلامية لا بدّ أن تكون حركاتٍ ثقافيةً أكثر منها سياسية.

وبجانب جمعيتَي نهضة العلماء والمحمدية، نجد صوتاً آخر، من قبل (الحركة الفكرية) التي تحاول إيجاد حلّ للعلاقة غير المتوائمة بين الإسلام والدولة. وقد أصدرت هذه الحركة أفكاراً بديلة حول هذه العلاقة. وبقيادة (نور خالص ماجد)، الذي كان رئيساً عاماً لجمعية الطلبة المسلمين، نادت هذه الحركة إلى ضرورة تجديد الفكر الإسلامي وإنعاش الفهم الديني. وتُعدّ نداءاتها عوامل أساسية في فك العلاقة المتجمدة بين الإسلام والدولة، ولكنها، في الوقت نفسه، كانت تثير الخلافات داخل المجتمع الإسلامي الإندونيسي، لطبيعة محتويات تفكيرها المطروحة، مثل شعار: ((الإسلام نعم؛ الحزب الإسلامي لا))، وإيمانها بحتمية العلمنة والتحرّر، ونقدها الحاد تجاه فكرة الدولة الإسلامية.

أما على الساحة الحكومية، فإن أفكار (نور خالص ماجد) تم بلورتها من قبل شخصيات من أمثال (مناور شاذلي)، والذي شغل منصب وزير الشؤون الدينية لفترتين متتاليتين (أعوام 1983-1993). وكانت لفكرة (شاذلي)، المسماة بـــ”إعادة تجديد التعاليم الإسلامية”، دورٌ هام في توجيه الحركة الفكرية، والتي ظهر صداها منذ العام 1970. هذه الفكرة كانت تتفق مع فكرة (نور خالص ماجد) و(عبد الرحمن واحد)، ولا تختلف جذرياً عن أفكار الشيخ (علي عبد الرازق) من مصر، والقائل بأن مفهوم “الدولة الإسلامية” غير موجود، وكذلك الدولة الإسلامية. وبصفته وزيراً للشؤون الدينية، واجه (شاذلي) دوراً غيرَ هيّن، وهو إقناع المسلمين للقبول الـــ(بانتشاسيلا) أساساً وإيديولوجيا للدولة، وفي الوقت نفسه، إيديولوجيا للمسلمين، بحجة أنها نتيجة اجتهاد، على الأقل، لا يخالف مبادئ الإسلام الأساسية، كما هو حال الدول الإسلامية في عصر الخلفاء الراشدين؛ إذ أنه أيضاً، بنظره، نتيجة لاجتهاد جماعي للمسلمين آنذاك.

في الواقع، وقبل قيام (نور خالص ماجد) وزملائه بنقد فكرة قيام الدولة الإسلامية، كتب (مناور شاذلي) في خمسينيات القرن الماضي كتاباً بعنوان: ((هل يمكن أن يكون الإسلام أساساً للدولة الإندونيسية؟))، وكان يستخدم إسماً مستعاراً: ((إبن أمة الله)). في ذلك الكتاب، وفي كتاباته الأخرى، مثل ((الإسلام ونظم الدولة))، يرى الشاذلي بأن جميع أحداث التاريخ، بما فيها تولية الخلافة التي قام بها أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، إنما كانت مبادرة واجتهاداً للإنسان فحسب، وأنه ليس هناك إرشاد أو توجيه من النبي محمد (ص)، فضلاً عن إرشاد الله، عما ينبغي أن يكون النظام السياسي؛ أي بعبارة أخرى: أن السياسة أمرٌ عقليّ بكامله.

تعطينا فترة الصراع، بين الإسلام والدولة الإندونيسية، منذ الخمسينات وحتى الثمانينات، وما قامت به الحركة الفكرية، التي قادها (مناور شاذلي) و(نور خالص ماجد)، وأصدقاؤهما في السبعينات، لوناً مميزاً عن جدلية العلاقة بين الإسلام والدولة، وأحثّ هنا جميع المهتمين بمستقبل وحال “الشرق الأوسط الكبير” على قراءة تفاصيل ذلك الصراع، وإعادة التفكير بأن الشرق الأوسط مليء بأسرار وتفاصيل هامة لا تختص فقط بالدول العربية!

كان السواد الأعظم من المفكرين، والسياسيين، والعلماء، يمتنعون عن مناقشة أو حتى تقديم أفكار (شاذلي)، أي تجديد الأحكام الإسلامية، لكونها “قضايا حساسة”، بينما يرى (شاذلي) أن تلك القضايا هي شؤون واقعية، وعملية، تواجه المسلمين كل يوم، ولذلك، بنظره، فلا مفرّ من البحث عنها بانفتاح. كان (شاذلي)، في الواقع، يدعو إلى المناقشات العلمية التي غابت طويلاً، ولا تزال، عن ساحة الفكر الشرق أوسطي.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.