الإنتخابات في إسرائيل حامية الوطيس لدرجة أن قرارات حكومية دراماتيكية وغير مسبوقة – إلا إذا كانت تمنح بشكل صارخ مزايا غير مستحقة لأصحاب مناصب – تخفى عن الرأي العام. كان هذا هو الحال مع قرار 2331#: الإعلان الإستثنائي للحكومة الحالية يوم الأحد الماضي عن خطتها لتعزيز المساواة بين الجنسين في البلاد. تشمل الخطة تغيير ثوري حقيقي في نهج القضاء على عدم المساواة بين الجنسين.

بشكل عام، في 14 ديسمبر، 2014 بشر قرار حكومي امتد على 10 صفحات تحولا من استراتيجيات تهدف إلى تعزيز مكانة المرأة إلى واحدة تهدف إلى تحقيق مساواة بين الجنسين. من خلال تحديد استمرار الفجوات بين الجنسين كمسألة اجتماعية هامة يجب القضاء عليها، لم يعد عبء القيام بالتغيير حصرا على النساء فقط – يتطلب ذلك جهدا مشتركا من قبل كل قطاعات المجتمع.

المشروع يقدم أدوات تعميم منظور جنساني تأخذ بعين الإعتبار منظور وتأثير الجنسانية في صنع القرار مع نظرة على زيادة الفرص للنساء في كل المجالات، وتعزيز أمنهن الشخصي وزيادة تمثيل النساء من قطاعات مختلفة من المجتمع في اتخاذ القرارات. تتويجا لعمل مشترك لعدد من المنظمات النسائية وأكاديميين مختصين في الدراسات الجنسانية ووكالات حكومية خلال الأعوام القليلة الماضية، هذا القرار هو مثال فريد على الإمكانات البناءة المتأصلة في التفاعل المشترك بين المواطن والحكومة.

إن الحاجة إلى طرق جديدة وجريئة للتعامل مع عدم المساواة بين الجنسين في إسرائيل ينبع من ثلاثة مصادر أساسية، التي وُضعت كلها ببراعة في الملاحظات التفسيرية المرفقة بتوجيهات السياسة. الأول يرتكز على التقدم البطيء للغاية الذي تم إحرازه منذ مطلع القرن في تضييق الفجوات بين الجنسين. على الرغم من الجهود الجبارة التي استُثمرت لتحسين مكانة النساء في البلاد والإنجازات التي تم تحقيقها في عدد من المجالات – بما في ذلك تقدم ملحوظ في التعليم والصحة والعمل والتمثيل في مناصب ذات نفوذ – فإن عدم المساوة بين الجنسين مستمر، وفي بعض الحالات أصبح حتى مستعصيا أكثر حيث تجاوز تقدم الرجال، في كثير من الأحيان، ذلك الذي حققته نظيراتهم من النساء. (على سبيل المثال: اليوم 76.7% من أصحاب الأجور الأعلى هم من الرجال؛ 67.3% من أصحاب الدخل الأكثر انخفاضا هن من النساء). وهكذا، فإن زيادة الحركة في المساواة بين الجنسين حققت تقدما بطيئا، مما قد يشير إلى ضرورة إتباع نهج مختلف.

المصدر الثاني ينبع من تطورات هامة في مجال الدراسات الجنسانية ردا على هذه الواقع. قد تكون الكثير من الأدوات الرسمية التي استُخدمت في الماضي لمحاربة التمييز ضد النساء – مثل حظر التمييز الجنسي وإدخال عمل إيجابي – قد زاد من تمثيل بعض النساء في مواقع قوة، ولكنها تجاهلت وجود عوائق متجذرة عميقا، وإن كانت غير سمية، أمام تقدم النساء. كذلك تجاهلوا ما تحدثت عنه النظريات متعددة الثقافات المحدثة: بأن “النساء” لسن بفئة متجانسة وأنهن كثيرا ما يعانين من إقصاء مزدوج نتيجة لتقاطع أنوثتهن من إنتمائهن الديني والعرقي والإقتصادي.

أبرز هذا التقاطع النماذج الجنسانية الأساسية للمجتمع في إسرائيل (كما هو الوضع في أماكن أخرى)، مما جعل من الصراع على المساواة قضية اجتماعية أساسية تطلب تبني كل الحلول المجتمعية. كل ذلك أدى إلى تطور أدوات تعميم المنظور الجنساني والتي تتطلب الإعتراف بالطبيعة الجنسانية للمجتمع والنظر في المنظور الجنساني للإسراع في كشف ترتيبات تمييزية وإزالة هذه الحواجز الرسمية وغير الرسمية. وبالفعل، فإن تعميم المنظور الجنساني أصبح الآن شائعا في أكثر الديمقراطيات تقدما وتم إدخاله في مجالات معينة في إسرائيل. مع القرار الجديد للحكومة، أصبح ذلك الآن سياسة رسمية.

المصدر الثالث من التغيير يأتي من الساحة الدولية. في 31 أكتوبر، 2000، صادق مجلس الأمن الدولي على قرار 1325 الذي يدعو إلى مشاركة النساء في كل الجهود لمنع وحل كل الصراعات العنيفة وتوفير الحماية لهن خلال زمن الحرب. إسرائيل كانت الدولة الأولى التي تعمل على تقنين عناصر من قرار 1325 في القانون عام 2005. ولكنها لم تنضم حتى الآن إلى 50 دولة التي تبنت خطط العمل الوطنية التي، بروح 1325، تسعى إلى تطبيق أداوت تعميم المنظور الجنساني لتعزيز المساواة بين الجنسين في سياساتها الداخلية والعالمية. في العامين الماضيين، أكثر من 30 منظمة مدنية مجتمعية وناشطات نسويات، بقيادة “إيتاخ- معك”، و”شافوت” (مركز تعزيز مكانة المرأة في المجال العام في معهد فان لير في القدس) و”مركز الأعلام النسائي”، شاركوا في صياغة خطة عمل شاملة تعتمد على مفاهيم محدثة للمساواة بين الجنسين. خطة العمل هذه لإسرائيل توفر مخططا لعمل الحكومة.

جهز هذا المزيج من الأداء الباهت على الأرض وتقدم أكاديمي في الدراسات الجنسانية والمقترح المفصل الذي جهزته منظمات نسوية عملت معا الأرضية لقرار الحكومة التاريخي في الأسبوع الماضي، الذي يضم ثلاثة عناصر أساسية. الأول يتعلق بإعادة تعريف دور السلطة الوطنية في تعزيز مكانة المرأة – التي سيتم تغيير اسمها إلى “السلطة الوطنية للمساواة بين الجنسين”. ستكون السلطة مسؤولة عن تخطيط سياسة الحكومة للمساواة بين الجنسين، وتطوير أداوت تعميم منظور جنساني وتدريب تحالفي في القطاعين العام والخاص ومن أجل تعزيز التمثيل المتساوي في كل مجالات الحياة للرجال والنساء من قطاعات مختلفة في المجتمع.

العنصر الثاني في السياسة الجديدة، موجه إلى كل الوزارات الحكومية، ويدعو إلى إعادة التقييم الجنساني لخطط العمل الوزارية. على وجه التحديد، يتطلب من كل وزارة اختيار مجال واحد على الأقل للمراجعة من خلال منظور جنساني بشكل فوري وتعديل خطتها لعام 2015 وفقا لذلك. ذلك يعني، كما تشرح الوثيقة، أنه إذا كان هدف البرنامج تعزيز المناطق الفقيرة والفئات المحرومة وتطوير بنى تحتية إقتصادية في هذه المناطق، إذا ستكون إحدى المهام توسيع الشركات التي تملكها أقليات وأن يكون مؤشر النجاح ارتفاع عدد الشركات التي ترأسها نساء. السلطة الوطنية للمساواة بين الجنسين مكلفة بتحضير كتيبات التدريب، وإجراء دورات ضرورية وتوفير خبراء جنسانيين لتوفير هذا الهدف من أجل ضمان أن يبدأ في 2016، وسترعى جميع خطط الحكومة المنظور الجنساني.

العنصر الثالث من القرار الحكومي 2331# يدعو إلى إنشاء لجنة مشتركة بين الوزارات (التي قد تشمل أكاديميين وممثلين عن المجتمع المدني) لصياغة خطة عمل لإسرائيل تماشيا مع قرار مجلس الأمن 1325. ستتناول هذه اللجنة سبلا لترسيخ تقنيات تعميم المنظور الجنساني في صنع السياسة؛ فتح فرص أمام النساء في كل مجالات الحياة الرئيسية؛ تعزيز أمن النساء وحمايتهن من كل أشكال العنف؛ وزيادة التمثيل لنساء مختلفات في مناصب اتخاذ القرار. من المتوقع أن يتم طرح مشروع الخطة على الحكومة للموافقة عليها خلال 6 أشهر، وبالتالي توفير اداة مفصلة لضمان المساواة بين الجنسين على المدى الطويل.

السعي الثابت وراء المساواة بين الجنسين هو واحد من أكثر الإمتحانات دقة لمتانة الديمقراطية. تجديد إلتزام إسرائيل بهذا الهدف، استنادا على دمج النساء من كل الفئات في المجتمع، يضع حجر الأساس – إلى جانب دمج النساء في السعي المستمر لحل صراع إسرئيل مع جيرانها – لتحقيق الأمن البشري الذي هو أساس الأمن القومي.

لا يزال طريق المساواة بين الجنسين طويلا ومعبدا بكثير من العقبات. في خضم ما يصاحب ذلك من إضطراب كبير نتيجة لحل الكنيست والإستعدادات للإنتخابات القادمة، لا يمكن الإستهانة بقرار غير حزبي للحكومة المنتهية ولايتها. سيكون على كل حكومة سيتم تشكيلها بعد إنتخابات مارس 2015 تبني قرار 14 ديسمبر وتكريس نفسها لوضعه وتنفيذه بالكامل.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.