تلعب الثقافة دورا اساسيا في كل المجتمعات الانسانية ، فياتي دور الثقافة رياديا ومتقدما على القضايا الاخرى ، والثقافات في العالم متعددة ومتنوعة بتنوع الشعوب والمعتقدات وتنوع الجغرافيا ، وتنوع التاريخ والارث الحضاري الانساني، والكن المجتمعات كما وصفها العلامة ابن خالدون كالكائن الحي تنمو وتتطور ، وقد اصاب ابن لخلدون في حديثه هذا عن المجتمعات في شتى بقاع الارض اذ استثنينا عالمنا العرب، فنرى اليوم كل الشعوب والمجتمعات في تطور وتغير ونهضة فكرية وثقافية واقتصادية وسياسية واجتماعية وعلمية وحضارية ، وهذا هو الواقع في دول امريكا الجنوبية ودول اوروبا ودول شرق اسيا كماليزيا ودول اسلامية اخرى كتركيا ، ولكن عجلة التاريخ تسير الى الوراء في عالمنا العربي ، فلماذا هذا الاختلاف عن باقي شعوب العالم ، هناك نهضة وتطور وتقدم ، ولدينا تخلف وتدهور ورجعية؟؟

ولن اسهب في الكتابة عن عالمنا العربي الذي نعرفه جميعا ، ولكني سوف اتناول جزء من هذا العالم وهو المجتمع الفلسطيني والثقافة السائدة فيه ، فنحن جزء من كل وهذا الكل هو المجتمع العربي والمجتمع الفلسطيني هو جزء من هذا الكل ، فلا زالت الثقافة التقليدية هي السائدة في مجتمعنا ، واصبح لدينا توجه جديد يدعو للثورة على هذه الثقافة الموروثة وعلى تلك القيم التقليدية الكلاسيكية البالية ، وتوجه اخر تقليدي يتمسك بتلك الثقافة والقيم الموروثة ، والتي لو نظرنا الى تلك الثقافة في كثير من الاحيان فانها تمثل جريمة بحق الانسان الفلسطيني والمجتمع على حد سواء.

فثقافة العائلة والحمولة والقبيلة والمنطقة والاقليم لازالت سائدة في مجتمعنا الفلسطيني ، بل واكثر من ذلك نرى من يقدس ويمجد تلك الثقافة وكانها امر مقدس في عالم اليوم ، وتتمترس الناس حول عدد من المصطلحات السائدة والتي لا قيمة لها وفق رؤيتي المتواضعة من امثال ( هذي عيلي ، وقرار عائلي، وتوجه عائلي ، وسمعة العائلة ، وشرف العائلة، وما بغسل العار غير الدم ، واولاد العيلي، وكبار العيلي، واولاد المنطقة ، وابن حارتنا ، وابن بلدنا وابن منطقتنا ، و جماعتنا ، ومحسوب علينا ، ومنا فينا … والى اخره من مصلحات اكل عليها الدهر وشرب، وتعبر عن قصور الرؤية وضعف الحال ، والفراغ اليومي لاصحاب تلك المصطلحات، ونرى بالمقابل عند الاخرين الانتماء للمؤسسة التي يعمل بها الفرد ، وانتماء للوطن ، وكل افراد المجتمع يفاخرون بالمواطنة التي تجمعهم جميعا ، ولا ذكر لمثل المصطلحات التقليدية السائدة في مجتمعنا عندهم، ولكن بعد كل هذا علينا بالنتائج التي توصل اليها تلك المصطلحات في مجتمعنا الفلسطيني ، فنرى انها توصلنا الى جرائم بحق الانسان ، وبحق الدين ، وبحق الوطن ، فماذا نحن فاعلون؟ والثقافة التي نؤمن بها ، ومن هو المثقف ؟ هل من يحمل شهادة علمية ، ام من يحتل مركزا مرموقا في مؤسسة سياسية او ادارية معينة في المجتمع ؟ او من يملك القرار في العائلة ؟ ام ان المجتمع هو الذي يقرر؟ ومن منح المجتمع الحق في ان يقرر ، ولكن المجتمع مكون من افراد ، وتسود المجتمع هذه الثقافة التي توصلنا القتل ، فهل القاتل هو المجتمع ؟ ام القاتل هي الثقافة السائدة في المجتمع؟ اما القاتل هو الانسان الذي يقع ضحية لثقافة المجتمع ؟ فهل نقول ان المجتمع هو القاتل ؟ ام ثقافة القتل السائدة في هذا المجتمع ؟ ومجتمعنا الفلسطيني غني بكل ما ذكرناه.

واما عن الشعوب الاخرى فالحال يختلف عنا بكثير ، فلماذا هذا الاختلاف؟ وهنا نستذكر قول شاعرنا درويش حين قال سنصير شعبا حين ننسى ما تقول لنا القبيلة ، سنصير شعبا حين يعلي الفرد من شان التفاصيل الصغيرة، فهل حان الوقت لننسى ما تقول لنا القبيلة والعائلة، ام ان ثقافة العائلة متجذرة في عقولنا وقلوبنا الا الابد؟ ومتى سنصبح مثل الشعوب الاخرى المتقدمة والمتحضرة والتي تعلي من قيمة الانسان وتحترم الانسان وتحتقر القاتل ايا كان؟

وان كانت الثقافة الموجودة تؤكد ان القتل والموت هو العلاج الوحيد لتلك المشكلة ايا كانت و خاصة اذا تعلق الامر بالعيلة وشرف العيلة؟ نقول هنا القتل جريمة والقاتل مجرم ايا كان قريب او غير قريب ومن حرض على القتل مجرم ايضا ، ويجب محاسبة هؤلاء القتلة ، وهنا اقول هل الموت يوجع الموتى ؟ لا ، الموت لا يوجع الموتى الموت يوجع الاحياء، والجريمة لا تقف هنا وهناك ، بل تنتشر الى المستقبل ليرتكب المجتمع جريمة القذف بحق المقتولة دون دليل شرعي يثبت اية جريمة ، ليس هنا فحسب بل ثقافة المجتمع تاتي بالكارثة الكبرى فيبقى الناس على مر السنين يقولون هذا من عائلة حصل فيه جريمة قتل على خلفية شرف ، وعن اي شرف نتحدث، هل بقي شيىء من الشرف بعد الجريمة؟

ولكنها ثقافة هذا المجتمع ، فهل نستطيع القول انها ثقافة المجتمع القاتل ؟ وكيف يمكن علاج هذه الثقافة التي تقود الى القتل؟

فاذا عالجنا المرض تنتهي الاعراض وهي القتل ، ولدينا مرض في ثقافتنا فعلينا معالجة هذه الثقافة ، عندها تنتهي الاعراض وهي جرائم القتل بحق النساء.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.