قد يستغرب البعض من عنوان هذا المقال ، فكيف تكون المتناقضات متناسقة ومتوافقة ، فالجاهل نقيض المثقف ، والجهل نقيض الثقافة، ولكن اذا كانت اللحظة التاريخية التي نعيشها والحقيقة تقتضي ان نجمع بين المتناقضات فليكن ذلك ، فقد جمع الراحل محمود درويش في روايته ذاكرة للنسيان، بين الذاكرة والنسيان لان اللحظة التاريخية والحقيقة اقتضت ذلك ، ونحن اليوم في هذا المقال نجمع بين المتناقضات لان اللحظة التاريخية تقضي ذلك ، ولان الثقافة تلعب دورا اساسيا في كل المجتمعات الانسانية ، فياتي دور الثقافة رياديا ومتقدما على القضايا الاخرى ، كان لزاما علينا ان ندخل في تحليل هذا الدور الذي تمثله الثقافة في مجتمعنا العربي .

وفي مجتمعنا العربي لنعود في الذاكرة قليلا الى الوراء ، فقد كانت البلاد العربية جزء من امبرطورية اقطاعية متخلفة وهي الامبرطورية العثمانية ، وفرضت هذه الامبرطورية الجهل والتخلف على السكان ، وكانت مساهمة فلسطين في الحركة الثورية والفكرية العربية والنهضة ضد الجهل والتخلف والظلم العثماني محدودة جدا ، اذا تم مقارنتها بمثيلاتها في مصر ولبنان وسوريا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، و فرض ثقافة الجهل على السكان المحليين في البلاد العربية و فلسطين استمر لقرون فليس من السهل التخلص منه بين عشية وضحاها، وفرض التجهيل هو سلاح يستخدمه الاحتلال في كل زمان ومكان لان مصلحة الاحتلال ايا كان لونه وشكله ومصدره ان يبقى الشعب المحتل في حالة من التخلف والرجعية والجهل حتى يسهل التحكم به وفرض الامر الواقع عليه.

وكثيرا ما سمعنا عن صراع الثقافات وصراع الحضارات وحوار الثقافات والحضارات ، ولكن لم يكتب احدا عن الصراع الثقافي والحضاري داخل المجتمع الواحد ما بين توجه تقليدي موروث وتوجه حضاري مبتكر ، فيسود الجهل ما بين النخب التقليدية القديمة ، وتسود الثقافة والتجديد والابتكار ما بين الاوساط الشابة والجيل الجديد ، وهنا تكمن المشكلة في التمسك بموروث تقليدي كلاسيكي في الحقيقة هو الجهل والتخلف ، والتطلع الى توجه حضاري مبتكر هو الثقافة والتي تعتبر النقيض للموروث السائد ، وهذه هي حقيقة العالم العربي في هذه الايام .

فالمجتمع العربي والثقافة السائدة فيه ، فلا زالت الثقافة التقليدية هي السائدة في مجتمعنا ، واصبح لدينا توجه جديد يدعو للثورة على هذه الثقافة الموروثة وعلى تلك القيم التقليدية الكلاسيكية البالية المتخلفة ، وتوجه اخر تقليدي يتمسك بتلك الثقافة والقيم الموروثة ، والتي لو نظرنا الى تلك الثقافة في كثير من الاحيان فانها تمثل جريمة بحق الانسان العربي والمجتمع على حد سواء لانها ثقافة الجهل بام عينه.

ان اصعب احتلال عرفته الانسانية هو احتلال العقل ، فلا يمكن ان نتحرر سياسيا او اقتصاديا او ثقافيا او اجتماعيا بدون ان نحرر عقولنا وتفكيرنا وابداعنا من الجهل والرجعية والتخلف السائد في مجتمعنا العربي ، ومن هنا دعا المفكر الراحل ادوارد سعيد الى تحرير العقل العربي ، ومن هنا فلا بد من التحرر من ثقافة الجهل والتخلف والرجعية العربية المتجذرة في عقول العربان اولا ، ومن ثم ياتي التحرر الثقافي والاقتصادي والاجتماعي والحضاري والسياسي .

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.