عادة ما تقاس قدرة الدولة بامكانيتها على تنفيذ المهام على المستوى العام: التعامل مع الحسابات القومية، أداء وزارات معينة، تقديم الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة – وباختصار، من خلال التخطيط والتطبيق الفعال للسياسة. ولكن اختبار القدرة على الحكم في كثير من الأحيان يعتمد على مسائل ركيكة أكثر من ذلك بكثير: كالتخلص من القمامة، وسائل النقل العام وتسليم البريد.

كبر كل طفل إسرائيلي على اغنية الاطفال المألوفة: “البريد قادم اليوم، في سيارة حمراء، وسيجلب لي رسالة، رسالة مع طابع”. مع ذلك, بالكاد نرى المركبات الحمراء التابعة لخدمات البريد على الطرقات في إسرائيل في الأشهر الأخيرة؛ حتى بدلاءها الأكثر مرونة، ودراجاتهم البخارية الحمراء، ليست مرئية الا في بعض الأحيان. الانهيار الفعلي لخدمات البريد في إسرائيل في الأشهر الأخيرة ليس الا تذكيرا مستمرا ومزعجا للفشل المتزايد للحكومة في البلاد.

لسنوات، كان البريد الإسرائيلي مسؤولا عن مجموعة متنوعة من الخدمات الأساسية، بدءا من التعامل مع الرسائل والطرود وحتى توفير الخدمات المصرفية وتبادل العملات. لكن في الآونة الأخيرة فشلت خدمات البريد في الوفاء حتى بمهامها الأكثر بدائية.

منذ الصيف الماضي، في عملية تقليصات كبرى، تم تخفيض تسليم البريد إلى بضع مرات في الأسبوع في أحسن الأحوال. في أجزاء كثيرة من البلاد (القدس وموديعين التي تعقد رقما قياسيا)، يتم توزيع البريد ربما مرة واحدة في الأسبوع – ان تم فعل ذلك. في معظم البلدات العربية، ببساطة لا يوجد تسليم عادي للبريد (الصناديق البريدية حيث تقف امام عامل البريد الودود قد أثبت أن يكون بديلا ضعيفا جدا في الواقع). عدد الإسرائيليين الذين تلقوا دعوات زفاف أسابيع بعد الحدث كبير جدا. وصلت بعض معايدات رأس السنة في وقت نرحب به بعام 2016. رسائل مرسلة من داخل إسرائيل يمكن أن تأخذ في بعض الأحيان 3-4 أسابيع لتصل إلى وجهتها. البريد المرسل إلى الخارج قد يصل متأخرا جدا لتكون له أي قيمة. تختفي بعد المرسلات تماما. لا يزال العديد ينتظر رسائل مهمة عبثا، طرود تحمل رواتبهم، فواتير، تقييم ضرائب ورخص قيادة وجوازات سفر وحتى رسائل حب.

الوضع مع الرزمات أسوأ من ذلك بكثير. إغلاق العشرات من الفروع والمكاتب البريدية في جميع أنحاء البلاد ادت الى الانسداد التام لتسليم مرسلات كبيرة. لقد ارتفع الضغط على مراكز توزيع الرزم المتبقية بالتالي، حيث تطول الزيارة إلى مكتب البريد لساعات عدة. حتى قرار زيادة عدد منافذ توزيع الرزم – الموجودة الآن في محلات البقالة، وأكشاك الجرائد ومطاعم البيتزا- لم يلبي الطلب حتى الان. نتيجة لذلك، ألي اكسبرس، أكبر موقع إلكتروني شرائي في الصين، اوقف تسليم البضائع للزبائن الإسرائيليين. تقلصت المشتريات على موقع الاي بي بشكل كبير.

الفرع المصرفي لهيئة البريد, يقدم الخدمات في المقام الأول لفئات ذات الدخل المنخفض، متعثر بسرعة. هذا البديل صاحب الرسوم المنخفضة للنظام المصرفي غالبا ما يؤثر على الناس الذين يعتمدون على مكاتب البريد لسير رفاههم، ومرافق الصرف لتسديد فواتيرهم. في الواقع، إن لزوال هيئة البريد آثار اجتماعية واقتصادية بعيدة المدى: وظفت مؤسسات تجارية كبيرة شركات خاصة للتعامل مع خدمات البريد الخاصة بهم. المواطنين والشركات الصغيرة – الذين في كثير من الأحيان غير قادرين على تحمل تكلفة فيديكس أو دي إتش إل – يبقون دون أي من هذه الخيارات. فقد فقدوا إمكانية الوصول إلى احدى الخدمات الحيوية.

هذا الوضع هو ليس فقط نتيجة تزايد حجم العمل البريدي. بل أيضا نتيجة مباشرة لسوء الإدارة المنهجي. حتى عام 1988، كان نظام البريد تحت السيطرة المباشرة لوزارة حكومية (واحدة لأصغر الوظائف الجمهورية للطامحين السياسيين). في ذلك العام، تم نقل إدارة الخدمات البريدية، هيئة مملوكة بالكامل من قبل الحكومة تحت رعاية وزارة الاتصالات. لسنوات، عمل النظام – ولكنه خسر المال ايضا. نتيجة لذلك، في عام 2006، اتخذ قرار تحويل الهيئة الى هيئة عامة. تحولت هيئة البريد إلى شركة مستقلة والتي، في حين لا تزال مملوكة من قبل الحكومة، متوقع منها أن تعمل على ميزانية متوازنة. مع ذلك، فإن تقرير نشره مراقب الدولة في عام 2013, انتقد هذه التجربة وسلط الضوء على سلسلة من الأخطاء الإدارية التي أدت إلى نفقات مبالغ فيها، والى عجز مرتفع وأداء إشكالي.

قبل ستة أشهر، قررت الحكومة إعادة النظر في أنشطة هيئة البريد، مرة ​​أخرى، وإعادة تنظيم عملياتها. تم تنحية عدد كبير من العمال، وتمت مضاعفة منطقة توزيع البريد لكل مكتب، تم اغلاق فروع وتخفيض ساعات العمل. تفكك الإطار القائم. إعلان الحكومة في ديسمبر عام 2015، أنها ستجيز خصخصة جزئية لهيئة البريد لم يحسن الأمور بشكل كبير. وأثارت خطة بيع 40 في المئة من أسهمها للقطاع العام (20 في المئة فورا لمستثمر واحد) المزيد من عدم اليقين.

حتى بعض التدابير المخففة – القدرة على حجز مكان في قائمة الانتظار في مكتب البريد مع نقرة على الهاتف الذكي أو جدولة وقت تسلم الرزم وبالبريد المسجل بنفس الطريقة – لم تحقق بعد أي تحسن ملحوظ. الآن, هناك مبادرة تشريعية لتخفيف الغرامات عن المواطنين لعدم دفع فواتير غير مسلمة، وتقديم تعويضات للعديد من ضحايا إدارة البريد الحالية.

ان نظام البريد في اسرائيل في حالة من الفوضى. تاريخها الملتوي في السنوات الأخيرة هو عرض من أعراض الاختلال الواضح في أجزاء أخرى في القطاع العام – من الإفراط في الواردات الغذائية إلى توفير أماكن متفرقة من المساكن المعقولة. ان التداعيات كبيرة. أصبحت أكثر الجوانب الدنيوية من الحياة اليومية تستغرق وقتا طويلا ومزعجة أكثر مما كانت عليه في الماضي. حتى المواطنين الأكثر دمثا اخلاقيا يشعرون بالغضب، مما يحبط جمهور ثائب ومتقلب محتمل.

على نطاق أوسع، يدل التخبط الإداري وعدم الكفاءة البيروقراطية على تراجع في قدرات الدولة. قد تبدو خدمات البريد هامشية في ضوء توسع المخاوف الأمنية، ولكن كيف وهذه هي مجلدات يتم التعامل معها بشكل سيء والتي تتحدث عن الشدة في الساحة العامة في البلاد. يصح هذا بشكل خاص عندما يتم وضع الوظائف الابتدائية في أيدي حفنة من المقربين السياسيين و / أو يتم تحويلها إلى معنيين أخصاء.

ما يبدأ كآفة على إدارة الشؤون العامة في منطقة معينة يمكن أن يتحول بسرعة إلى أزمة أوسع بكثير لممارسة الحكم. إذا لم تكن الدولة قادرة على انشاء نظام بريد عامل وناجع، كيف يمكن لنا أن نتوقع منها إدارة البلاد؟

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.