على الرغم من انتشار التقارير عن مزاعم الفساد التي يواجهها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، فإن خطورة جرائمه المزعومة ليست دائما مفهومة بشكل واضح. كما أن خطورة الضرر الذي يلحقه عمدا بالديمقراطية الإسرائيلية وهو يسعى إلى تخليص نفسه من المحاكمة الجنائية ومنع سقوطه من السلطة ليس واضحا أيضا.

رئيس وزراء إسرائيل االبليغ، عبر ظهوره المباشر المتكرر لعرض قضيته على الجمهور، يصور الاتهامات على أنها لعبة بطاقات أو اتهامات واهية تثيرها أحزاب المعارضة التي تسعى إلى إلحاق الأذى بالبلاد. برأيه، يضخم الإعلام هذه الإتهامات ويشارك في أجندة المعارضة التي تكرهه لنجاحه الكبير. التحقيق فيها من قبل قوة الشرطة في نظره هو متحيز وغير شريف، وتشرف عليه محاكمات الدولة المسيسة، على يد مدعي عام ضعيف وغير كفء يشارك اليساريين أجندتهم.

يعتقد 42% من الإسرائيليين، وفقا لاستطلاع للرأي نُشر يوم الجمعة، أن تأكيد رئيس الوزراء بأن أفيحاي ماندلبليت، المدعي العام الذي عينه نتنياهو وكبير المسؤولين القانونيين في إسرائيل، إستسلم بالفعل للضغط من اليسار ووسائل الإعلام عندما قرر الإعلان عن نيته توجيه إتهامات. ويبدو أن التعقيدات الكثيفة للادعاءات ضد رئيس الوزراء، التي قدمها ماندلبليت يوم الخميس في وثائق تفصيلية، تركت كثيرين آخرين، منهم صحفيون، يكافحون من أجل فهم جوهر التحقيقات.

في الواقع، عامين من التحقيقات الدقيقة التي أجرتها الشرطة وأشرفت عليها النيابة العامة، أنتجت أدلة خطيرة حول حملة مطولة قام بها رئيس الوزراء لتخريب قسم كبير من وسائل الإعلام الحرة في إسرائيل، وتدخّل غير شرعي من جانب رئيس الوزراء ليستفيد أثرياء الإعلام المتواطئين.

بالإضافة إلى تحدي جوهر الادعاءات، يعمل نتنياهو بشكل استراتيجي لتقويض متهميه. من المشروع تماما لمشتبه في ارتكابه جريمة جنائية، سواء كان مواطنا عاديا أو رئيس وزراء، أن يؤكد براءته، وأن يروي روايته. من غير المسؤول والخطير، مع ذلك، كرئيس للوزراء، أن يسعى، في هذه العملية، إلى تشويه وإضعاف ثقة الجمهور في مؤسسات الديمقراطية. لكن هذا بالضبط ما فعله نتنياهو – وما زال يفعل، بتهور أكثر من أي وقت مضى.

رواية نتنياهو

في أول القضايا الثلاث ضده، يقول رئيس الوزراء أنه حصل على بعض السيجار وبعض الشمبانيا من صديق قديم مقرب، وساعد ذلك الصديق، الذي قام بعمل استخباراتي مهم لإسرائيل، بتخطي صعوبات الحصول على التأشيرة الأمريكية. فلذلك يسأل نتنياهو أي رئيس وزراء كان سيتصرف بطريقة مختلفة، مصرا على أنه لا يوجد مقايضة غير مشروعة.

نتنياهو، خلال فترة ولايته الأولى، يتمتع بسيجار في 28 سبتمبر 1997 (AP Photo / Zoom 77)

في القضية الثانية ضده، يصر نتنياهو أنه أجرى مناقشات غير ملحوظة، نزيهة، وعادلة مع ناشر أكبر صحيفة تباع في البلاد وأكثر المواقع الإخبارية قراءة. بعيدا عن صفقة مقايضة غير مشروعة مع الناشر لإعاقة صحيفة منافسة من الناحية الاقتصادية مقابل وعد بتغطية ملائمة له، صوت ضد مشروع قانون كان سيتيح هذا الترتيب (لم يجني ثماره في النهاية)، في حين أن 43 من أعضاء الكنيست الذين صوتوا لصالح مشروع القانون لم يتم التحقيق معهم.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يقرأ صحيفة في الكنيست، 6 يناير 2010. (Kobi Gideon/ FLASH90)

وفي القضية الثالثة المرفوعة ضده، يزعم رئيس الوزراء أن موظفيه السابقين كذبوا لإنقاذ أنفسهم، في حين يقول المدعي العام أنه تدخّل في مجال الاتصالات الإسرائيلي لإفادة صديق قديم آخر مقابل تغطية ملائمة على موقع إخباري آخر. وقال نتنياهو إنه لم يتخذ أي قرارات تتعلق برجل الأعمال الصديق التي لا تتماشى مع توصيات موظفيه، مدعيا أنه حصل على مقالتين إيجابيتين فقط “خلال سنتين ونصف” على الموقع المذكور، وهو أمر فظيع بالنسبة له.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يتحدث عبر الهاتف في مكتب رئيس الوزراء في القدس، 28 أبريل 2014. (Amos Ben Gershon/GPO)

يعرض نتنياهو هذا السيناريو بإستمرار في كل ظهور له، مدعيا أن المؤامرة الفاسدة ضده مصممة للإطاحة بحكومته. الحكومة التي يدعي انها تبقي إسرائيل آمنة من الأعداء العرب في الخارج وأحيانا في الداخل، الحكومة التي طورت العلاقات بين إسرائيل واللاعبين الرئيسيين في جميع أنحاء العالم، والتي تشرف على اقتصاد إسرائيلي مزدهر. بشكل لا يثير الدهشة، الجماهير ما زالت مقتنعة بهذه الإدعاءات إلى حد ما.

حتى في نهاية الأسبوع المضطرب الذي تم إبلاغه فيه رسميا بأنه سيخضع للمحاكمة إذا لم يستطع إقناع المدعي العام بتغيير رأيه خلال جلسات استماع، تشير استطلاعات الرأي إلى أنه قد يفوز في انتخابات 9 أبريل.

الإتهامات بالتحديد

خلافا لتصوير رئيس الوزراء الذاتي المصنوع بعناية الذي يجعله ضحية اليسار، الكذابين، والحمقى في الأماكن الرفيعة، اللوائح تروي قصة مختلفة جدا. وإذا كان الوضع قد وصل إلى ذروته في الأسابيع المتوترة قبل ذهاب إسرائيل إلى صناديق الاقتراع، فإن ذلك هو نتيجة لقراره المضي قدما في الانتخابات قبل موعدها المقرر في الأصل في شهر نوفمبر.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وزوجته سارة وابنهما يائير مع الممثلة كيت هدسون في حدث أقيم في منزل المنتج أرنون ميلشان (يمين)، 6 مارس 2014. (Avi Ohayon/GPO/Flash90)

في القضية 1000، بدلا من بعض الهدايا من صديق، وبعض المساعدة غير ذات الصلة التي قد يقدمها أي رجل صاحب نفوذ إلى صديق مقرب، تشير الادعاءات إلى وجود علاقة غير شرعية بعيدة المدى وواسعة النطاق بين رئيس الوزراء ومنتج هوليوود الإسرائيلي الأصل أرنون ميلشان. ميلشان وغيره من الأثرياء زودوا بنيامين وسارة نتنياهو بالسيجار والشمبانيا والمجوهرات التي وصلت قيمتها مئات الآلاف من الدولارات، حسبما تزعم النيابة العامة. وفي المقابل، سعى رئيس الوزراء، من بين أمور أخرى، إلى توسيع نطاق قانون الإعفاء الضريبي المثير للجدل الذي لا يزال في القانون الإسرائيلي بنحو غير مفهوم، على الرغم من قلق سلطات الضرائب الإسرائيلية من أنه يتيح غسيل الأموال. يمنح القانون إعفاء من ضريبة الدخل والإعفاء الضريبي من الإبلاغ عن الدخل المكتسب في الخارج للمهاجرين الجدد والمقيمين العائدين لمدة 10 سنوات؛ يزعم أن نتنياهو أراد أن يستمر القانون لصالح ميلشان المليونير. كما يُزعم أن رئيس الوزراء عمل على دفع مصالح ميلشان الاقتصادية النابعة من ملكيته للمحطة العاشرة التلفزيونية (تمت إعادة تسميتها منذ تلك الفترة)، واهتمامه بالقناة الثانية التلفزيونية (أيضا أعيدت تسميتها)، وأخذ بالإعتبار رأي ميلشان عند محاولة ترتيب الصفقات الإعلامية غير المشروعة الأخرى. في هذه القضية، نتنياهو سيتهم نتنياهو بالاحتيال وخيانة الأمانة.

ناشر ومالك صحيقة ’يديعوت أحرونوت’ أرنون ’نوني’ موزيس يصل إلى مقر وحدة التحقيقات ’لاهف 433’ في اللد للتحقيق معه، 15 يناير، 2017. (Koko/Flash90)

في القضية 2000، زعم أن نتنياهو تآمر مع ناشر صحيفة “يديعوت أحرونوت”، أرنون “نوني” موزس، ليعوق اقتصاديا صحيفة شيلدون أديلسون الموالية لنتنياهو “إسرائيل هايوم” اليومية – وهي صحيفة شعبية تعتبر الأكثر قراءة في إسرائيل – مقابل تغطية ملائمة من قبل يديعوت وموقع “واينت”، الموقع الإخباري الأكثر تداولا في إسرائيل. لو نجح نتنياهو، لكانت تغطية صحيفة يديعوت اليومية الأكثر مبيعا في البلاد، بالإضافة إلى “موقع أخبار الدولة” واينت التابع لها، مع ضمان تقويض “إسرائيل هايوم”، بمثابة جوقة تنشر بشكل غير قانوني الثناء على إنجازات وقدرات رئيس الوزراء الإسرائيلي. وفي هذه القضية أيضا، سيُتهم نتنياهو بالاحتيال وخيانة الأمانة.

شاؤول ايلوفيتش يصل محكمة الصلح في تل ابيب لجلسة تمديد اعتقال في القضية 4000، 26 فبراير 2018 (Flash90)

في القضية 4000، يُزعم أن نتنياهو قد تدخّل بطريقة غير مشروعة، بما في ذلك خلال عامين كاملين شغل خلالهما منصب وزير الاتصالات، من أجل المصالح التجارية لشاؤول إلوفيتش، المساهم الرئيسي في شركة “بيزك” للإتصالات السلكية واللاسلكية في إسرائيل. دوره الوزاري شمل صفقتين تجاريتين أنتجت لإلوفيتش مبلغ 1.8 مليار شيقل (500 مليون دولار)، وفقا للائحة الاتهام المؤقتة الصادرة عن المحامي العام ماندلبليت يوم الخميس.

لم تقدر هذه الوثيقة المنفعة المالية الإضافية لإلوفيتش الناتجة عن التدخل الذي يُزعم أن نتنياهو أشرف عليه في جانب آخر من جوانب عمل “بيزك”. هنا، طُرد مدير عام وزارة الاتصالات الذي كان يقود عملية الإصلاح الشاملة للبنية التحتية للإنترنت في إسرائيل – والتي كانت تهدف إلى إدخال المنافسة لبيزك وضمان أن تتم ترقية إسرائيل إلى الإنترنت السريع، الذي يعتمد على الألياف الضوئية التي تتطلب اقتصاد تكنولوجي عالي – من وظيفته في مكالمة هاتفية سريعة من قبل رئيس الوزراء. تم استبدال هذا المدير بمساعد مقرب لنتنياهو. هذا المساعد، شلومو فيلبر، رئيس سابق لموظفي مكتب رئيس الوزراء والذي يفتقر إلى الخبرة المطلوبة لوظيفة الاتصالات، كان مُوجها من نتنياهو مباشرة لتعديل سياسات الوزارة بما يرضي إلوفيتش.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (يسار) يجلس مع رئيس مكتبه آنذاك شلومو فيلبر. وقع فيلبر اتفاقا ليصبح شاهدا لمصلحة الدولة، للادلاء بشهادته ضد نتنياهو، في 21 فبراير 2018. (لقطة شاشة/Hadashot news)

وفقا للطريقة التي يصف بها ماندلبليت هذه العملية، استدعى رئيس الوزراء فيلبر إلى مكتبه، وأخبره بأن إلوفيتش كان غير راض عن استراتيجيات الوزارة، وأخبر فيلبر بتعديلها إلى أن يضمن اقتناع إلوفيتش بها. وعمل فيلبر على إعادة صياغة سياسة الوزارة لصالح إلوفيتش، فتح “قناة سرية للاتصالات”مع بيزك، وتم الاتفاق مع إلوفيتش على إيقاف خطة الإصلاح في مجال الاتصالات. بناء على أوامر نتنياهو، تصرف فيلبر بشكل معاكس جدا للطريقة التي يجب على مدير عام الوزارة أن يتصرف بها، وفقا لماندبليت، وهذا أدى إلى “التحريف الشديد” لسياسة الوزارة فيما يتعلق ببيزك.

في واحدة من أهم الفقرات في لائحة الاتهام، يقول المدعي العام ما يلي: “السيد نتنياهو استخدم سلطته ونفوذه كموظف حكومي كبير لمصلحة القضايا المتعلقة بأعمال السيد إيلوفيتش، ومصالحه الاقتصادية ومصالح مجموعة بيزك الاقتصادية، بما في ذلك عن طريق إرشاد المسؤولين الذين يعملون لديه بالخروج الجذري عن القاعدة”. مضي ماندلبليت في إستمرار الإدانة قائلا: “أفعال السيد نتنياهو حدثت وسط تضارب في المصالح، وأخذ الاعتبارات الخارجية المتعلقة بمصالحه ومصالح أسرته، وإنطوت على إفساد الموظفين العموميين الذين يقومون بالعمل لديه”.

عمال في شركة بيزك يقومون بتثبيت كابلات الألياف البصرية.

لماذا أوقف نتنياهو خطة إصلاح الاتصالات التي كانت أمرا حيويا بالنسبة لمصالح إسرائيل، وأدت إلى ملاحظة الملايين من الإسرائيليين للإنترنت البطيء في دولتهم؟ تُظهر استطلاعات الرأي أن إسرائيل التي تسمى “بلد الشركات الناشئة” تتراجع أكثر وأكثر في سرعة الإنترنت. لأنه، بالمقابل، يزعم المدعي العام أن إلوفيتش كان عليه أن يحرّف “بشكل جذري” التغطية السياسية في موقع “واللا” لصالح نتنياهو – الموقع الإخباري العبري الذي يملكه إلوفيتش، والذي يقع في المرتبة الثانية بعد “واينت” في إسرائيل.

نحن لا نتحدث عن مقالة جانبية هنا وهناك، وفقا للمزاعم، بل عن إعادة صنع ورقابة وتحويل مصدر منصف للأخبار إلى منفذ قائم على رغبات رئيس الوزراء، مع منع التغطية العدائية المتعلقة به وبزوجته، التغطية العدائية الناتجة عن منافسيه، وخاصة في فترة الانتخابات العامة 2013 و2015. هذه هي أهم القضايا الثلاث ضد نتنياهو، التي سيُتهم فيها بالاحتيال وخيانة الأمانة، بالإضافة إلى الرشوة (إلوفيتش سيواجه تهمة الرشوة أيضا).

الهجوم المضاد

هناك الكثير لنقوله عن هجوم نتنياهو المضاد لهذه الادعاءات.

ما هو أخطر وسهل على الجميع أن يراه، هو جهود نتنياهو التي لا تتوقف عن التشكيك في التسلسلات الهرمية التي جلبت هذه المزاعم إلى المجال العام. بينما تكثفت التحقيقات ضده، أصبحت هجمات رئيس الوزراء اللفظية على أولئك الذين يتجرأون على استجوابه أكثر شراسة، وقد اتسع نطاق أهداف هجماته مع الوقت، ليشمل في نهاية المطاف جميع الأسس التي يرتكز عليها مجتمعنا الحر.

عضو الكنيست أحمد الطيبي، يسار، يتحدث مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو خلال جلسة الكنيست، 13 فبراير 2012. (Kobi Gideon/Flash90)

لقد أكد رئيس الوزراء مرارا أن هذه المزاعم قد تم تنظيمها وتضخيمها من قبل المعارضة السياسية اليسارية الداعمة للعرب، والتي تعرف أنها لا تستطيع إلحاق الهزيمة به من خلال وسائل منصفة في صناديق الاقتراع، وبالتالي، وبشكل خسيس، تحاول الإطاحة به عن طريق المحاكم.

الاستراتيجية: رسم المعارضة السياسية في إسرائيل باعتبارها غير شرعية وغير وطنية. فقط هو وحكومته، يصر على ذلك يوميا تقريبا، يمكن الوثوق بهم لقيادة هذه الدولة الصغيرة التي تواجه الكثير من التهديدات.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يظهر على قناة الليكود عبر فيسبوك في 3 فبراير 2018. (لقطة شاشة: Facebook)

وقد أكد رئيس الوزراء مرارا أن هذه الادعاءات قد تم تضخيمها دون هوادة من قبل وسائل الإعلام الإسرائيلية اليسارية. ينشر هذه الرواية مباشرة عبر قناة تلفزيونية جديدة عبر الإنترنت لحزب الليكود، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي. لكن نتنياهو يلقي هجماته المتكررة بشكل أساسي عبر وسائل الإعلام في الأحداث التي يتم تغطيتها بشكل روتيني على الهواء مباشرة، ويتم بثها على الشاشات الوطنية في البلاد عن طريق نفس وسائل الإعلام التي يعتبرها متحيزة، بما في ذلك البث المباشر من مكاتبه الخاصة التي تبث دون توقف في أوقات ذروة المشاهدة.

الاستراتيجية هي تصوير أجزاء الإعلام التي لا يسيطر عليها باعتبارها متحيزة وغير جديرة بالثقة ومعادية لإسرائيل.

المفوض العام للشرطة الإسرائيلية روني الشيخ ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في حفل استقبال بمناسبة تعيين الشيخ، في مكتب رئيس الوزراء في القدس، 3 ديسمبر، 2015. (Miriam Alster/Flash90)

كما زاد نتنياهو بشكل تدريجي من انتقاده لقوة الشرطة التي حققت معه وأوصت العام الماضي إلى أنه يجب اتهامه بالرشوة في جميع القضايا الثلاث المرفوعة ضده. (مثل هذه التوصيات الخاصة بالشرطة ليس لها أي وزن قانوني في إسرائيل، والقرار النهائي هو قرار المدعي العام وحده). لقد تُوجت الجهود الرامية للضرر بمصداقية الشرطة في تشكيك نتنياهو المباشر في نزاهة بعض ضباط التحقيق، مؤكدا أن الشرطة طاردته دون سبب منذ البداية، ورفضه تمديد فترة رئيس الشرطة روني الشيخ لسنة رابعة كالمعتاد. نتنياهو نفسه قام بتعيين الشيخ في الهذا المنصب. الشيخ له تاريخ مثير للإعجاب، ولا يوجد سبب معقول لاعتباره معاديا لرئيس الوزراء شخصيا أو أيديولوجيا. كضابط سابق في الجيش الإسرائيلي ونائب رئيس جهاز الاستخبارات الشين بيت، هو أيضا رجل أرثوذكسي كان يعيش في مستوطنة الضفة الغربية كريات أربع، غير المحبوبة في أوساط المعارضة الإسرائيلية والتي يؤيدها رئيس الوزراء.

الاستراتيجية: إظهار أن الشرطة فاسدة وغير جديرة بالثقة، مع تحطيم التداعيات المحتملة لحكم القانون في إسرائيل.

النائب العام أفيحاي ماندلبليت (من اليسار) والمدعي العام شاي نيتسان يحضران مؤتمرا لوزارة العدل في تل أبيب، 21 ديسمبر، 2016.(Tomer Neuberg/Flash90)

وأخيرا، في الأسابيع والأيام الأخيرة، عندما وضع مندلبليت النسخة النهائية للوثائق الرسمية التي تحدد نيته توجيه الاتهام إليه، بدأ نتنياهو بإستهداف الجهاز القضائي في الدولة. لقد زعم أنه عومل معاملة غير عادلة ويجري تأطيره؛ بأنه مُنع من مواجهة متهميه؛ أن الشهود الرئيسيين الذين يمكن أن يشهدوا لصالحه لم يتم استدعائهم للإدلاء بشهادتهم. يوم الخميس، بعد فترة وجيزة من الإعلان عن التهم الرسمية، ادعى أن اثنين من كبار المدعين العامين عملوا على إدانته بدوافع سياسية – على الرغم من أن أحداهما، ليئات بن آري، قامت بمقاضاة سلفه من اليسار-الوسط إيهود أولمرت الذي دخل السجن عام 2016 بتهمة الفساد. لقد قام بتصوير مندلبليت – سكرتير حكومته السابق – كرجل ضعيف أثبت أنه غير قادر على مقاومة الضغط المستمر من جميع القوى الأخرى المتآمرة لإسقاطه.

في نفس الخطاب يوم الخميس، هاجم ماندبليت أكثر من أي وقت مضى، متهما بشكل مباشر المدعي العام وفريقه ليس فقط بالاستسلام إلى اليسار، بل بأنهم ببساطة جزء من اليسار في محاولة لإسقاطه: “للمرة الأولى في تاريخ إسرائيل، تبدأ جلسة استماع (جنائية) قبل الانتخابات ببضعة أيام”، قال. “يمكن لأي شخص أن يرى أن التوقيت فاضح، يهدف إلى إسقاط اليمين ومساعدة اليسار على الوصول إلى السلطة. لا يوجد تفسير آخر للإصرار على هذا التوقيت. هذا هو هدفهم، إغراق الجمهور بتهم سخيفة ضدي دون إعطائي الفرصة لدحض الاتهامات حتى ما بعد الانتخابات”.

في هذه الأثناء، عندما رفضت محكمة العدل العليا يوم الخميس التماسا قدمه حزب الليكود بزعامة نتنياهو لوقف نشر لائحة الاتهام المؤقتة قبل الانتخابات، أصدر حزبه بيانا يسعى إلى التقليل من مصداقية المحكمة، وإنتقاد القضاة لاختيارهم عدم “منع اليسار من التدخل بشكل صارخ في الانتخابات”.

الاستراتيجية: رسم المؤسسة القانونية لإسرائيل على أنها غير جديرة بالثقة – بإعتبارها اليسار، أو كمنحرفة نحو اليسار – مرة أخرى، مع تجاهل النتائج المحتملة على سيادة القانون في إسرائيل.

لماذا يعتبر كل هذا خطير جدا؟ لأنه لو كان رجال الشرطة والمدعون العامون محتالون ومتحيزين، لو كان رؤساء الجيش السابقين الذي قد تحوّلوا إلى سياسيين (مثل منافسه الرئيسي في الانتخابات بيني غانتس) يهدفون إلى إلحاق الأذى ببلدنا، لو كان لا يمكن الوثوق بوسائل إعلامنا، فلماذا ينبغي علينا نحن المواطنين أن نتجاوب مع أي شيء؟ لماذا يجب أن ندفع ضرائبنا؟ لماذا يجب علينا كبح جماح اعتداءاتنا؟ لماذا يجب أن نخدم في الدفاع عن البلاد؟ لماذا علينا أن نبحث عن أي شيء آخر غير أضيق اهتماماتنا؟

رئيس وزراء مسؤول، مهما تأثر وربما كان مقتنعا ببراءته، يجب أن يفكر مسبقا بما يمكن أن يحدث لإسرائيل المحبوبة إذا بدأ مواطنوها بالتساؤل بشأن هذا النوع من الأسئلة. ماذا بالنسبة لتماسك إسرائيل الداخلي في الوقت الذي تناضل فيه من أجل التوفيق بين جميع الانقسامات الدينية، الديموغرافية، الاقتصادية، والاجتماعية المعقدة؟ ماذا عن مرونتها في مواجهة كل تحديات هذه المنطقة الغادرة؟

طريق المستقبل

نهاية كل ذلك هي تخمين متاح للجميع، في معركة بين نتنياهو والمؤسسات المركزية للدولة التي يتهمها بشكل غير شريف بالوقوف ضده. سياسيا وقانونيا، العديد من الطرق مفتوحة.

قد يفشل نتنياهو في ضمان إعادة انتخابه في 9 أبريل القادم، وقد يقبل الهزيمة بكرامة، ويسلم السلطة، ويركز على معاركه القانونية كمواطن. أو قد يفشل في ضمان إعادة انتخابه، ويسعى إلى الطعن في النتيجة، مدعيا أنه تعرض للظلم وأُجبر بشكل غير شرعي على ترك منصبه. الدلائل ليست مشجعة بشكل خاص. هو الرجل الذي حاول في يوم الانتخاب في عام 2015 زيادة نسبة الإقبال من الجناح اليميني من خلال الادعاء بأن العرب كانوا يصوتون بأعداد كبيرة، والذي توسط في صفقة في الشهر الماضي لإضفاء الشرعية على حزب لتلاميذ الحاخام العنصري مئير كهانا، الذي يفضل سحب حق العرب المواطنين في التصويت من أساسه.

بنيامين نتنياهو في رسالة يوم الانتخابا ، 17 مارس 2015 (لقطة شاشة: يوتيوب)

قد يفوز نتنياهو بإعادة انتخابه، ويحاول إدارة البلاد والدفاع القانوني عن نفسه في نفس الوقت. ومع ذلك، قد يقنع ماندلبليت، في جلسة الاستماع، بإسقاط لوائح الاتهام المقررة. وقد يقرر التنحي في مرحلة ما، ربما إذا وعندما يتم تقديم التهم في الواقع.

(قبل عقد من الزمان، حث نتنياهو رئيس الوزراء أولمرت، الغارق في مزاعم الفساد، بالتنحي عن منصبه قبل صياغة قرار توجيه الاتهام إليه، قائلا أن قراره بشأن القضايا الحيوية المتعلقة بالفلسطينيين قد يتأثر “باهتمامات شخصية”).

رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت يخرج من سجن ’معسياهو’ في الرملة في 11 يونيو، 2016، في أول إجازة له من السجن منذ أن بدأ بقضاء فترة عقوبة لمدة 19 شهرا في شهر فبراير. (Avi Dishi/Flash90)

وقد يحاول البقاء لفترة أطول، ويبقى في منصبه أثناء المحاكمة – إذا سمحت له المحكمة العليا بالقيام بذلك. يمكن أن يسعى للبقاء حتى لو أدين، حتى يتم استنفاد عمليات الإلتماس بأكملها. ويمكنه محاولة سن تشريع لمنع مقاضاته على الإطلاق – من خلال دفع صيغة ما يسمى بالقانون الفرنسي الذي قد يحميه طالما بقي في منصبه. يمكن أن يحاول استخدام قانون قائم على الحصانة، من خلال الادعاء بأن الاتهامات التي يواجهها يتم تقديمها “ليس بحسن نية”.

الخيارات عديدة، وتوحي الطريقة التي تمت بها التحقيقات ضده خلال العامين الماضيين، بالإضافة إلى سعيه لمواجهتها، بأن كل شيء ممكن.

ريتشارد نيكسون يودع أعضاء طاقمه خارج البيت الأبيض في واشنطن بينما كان يركب طائرة هليكوبتر إلى قاعدة أندروز الجوية بعد استقالته من الرئاسة. 9 أغسطس 1974. (AP Photo / Bob Daugherty، File)

يجب ألا يتم التقليل من شأن يأس نتنياهو للبقاء في السلطة. هذا اليأس هو الذي دفعه إلى التآمر مع ناشري الصحف ومالكي المواقع الإخبارية. هذا اليأس هو الذي دفعه، حسبما يزُعم، إلى الإضرار بالاقتصاد ذي التقنية العالية جدا الذي يفخر به حقا، من أجل حماية المصالح التجارية لأحد مالكي وسائل الإعلام الذي كان يتبادل معه المصالح.

إنه اليأس الذي يدعو الآن إلى مقارنات مع ريتشارد نيكسون: مثل نيكسون في عام 1972، فاز نتنياهو بالانتخابات في عامي 2013 و2015 وكان من المرجح أن يبحر بهدوء لإعادة الانتخاب في عام 2019 لولا نشاطاته غير القانونية المزعومة. كما كتبت هنا قبل ثلاثة أشهر عن الحملة الانتخابية: “لكن لا تقللوا من إحتمال سيناريو يشبه ما حدث لنيكسون. خوفا من أنه قد لا يفوز بإعادة انتخابه، لجأ ريتشارد نيكسون إلى سلوك غير قانوني للتغلب على منافسيه. على الرغم من الأدلة المتصاعدة ضده، فقد فاز بإعادة الانتخاب – ما يبرهن، بشكل ساخر، أنه لم يكن بحاجة إلى اللجوء إلى السبل الغير قانونية في المقام الأول. يبدوا مألوفا؟ في النهاية طاردته كل الإتهامات”.

وهذا اليأس – المولود من قناعاته بأن بقاءه كرئيس للوزراء أمر حيوي لوجود إسرائيل ذاته؛ أن لديه فقط المعرفة والحكمة والخبرة لمواجهة التحديات التي تواجهها إسرائيل والحفاظ على سلامة البلاد – هو الذي دفعه إلى تقويض ثقة الإسرائيليين في معارضتهم السياسية المشروعة، ووسائل الإعلام الخاصة بهم، وقوات الشرطة الخاصة بهم، و النيابة العامة.

هل هي مجرد بعض الهدايا من الأصدقاء؟ هل هي مجرد بضع مقالات داعمة له في بحر من تغطية معادية؟ لا، هذا ليس ما تدور حوله القضية ضد نتنياهو. يتعلق الأمر بجهود رئيس الوزراء المزعومة لثني وسائل الإعلام الإسرائيلية بطريقة غير مشروعة للتماشى مع إرادته، من أجل ضمان اقتناع الجمهور بقدراته الفريدة لإدارة البلاد، مع استغلال “سلطته ونفوذه” و”إفساد الموظفين العموميين الذين يعملون لصالحه”. القضية تتعلق بمهاجمته لاحقا لأركان الديمقراطية الإسرائيلية، حيث أن يحاصره حماة القانون بالتحقيقات.

لا يزال يتعين على المحاكم أن تصدر حكما بشأن الإجرام المزعوم ضد نتنياهو. لم يتم تقديم التهم حتى – ومن يدري؟ – قد لا يتم تقديمها أبدا.

لكن كخطر على الديمقراطية الإسرائيلية، فإن الحكم على نتنياهو – رئيس الوزراء ذاته الذي فعل الكثير للحفاظ على أمن إسرائيل، والذي إكتسب ثقة الكثير من الناخبين الإسرائيليين على مدى العقد الماضي – يجب أن يكون واضحا. إنه مذنب.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يتحدث مع أفيحاي ماندلبليت، سكرتير مجلس الوزراء آنذاك، في القدس في 27 ديسمبر 2015. Marc Israel Sellem/POOL)

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.