أيام قليلة قبل إعلاني إلغاء عضويتي في الإتحاد الإسرائيلي للفنانين (EMI)، في أعقاب قرارهم لتقديم جائزة للمغني/الشاعر أرييل زيلبر. من أجل فهم حافزي لهذه الخطوة، والغضب الشعبي الذي تلى ذلك، من الضروري العودة في الوقت المناسب.

كان أرييل زيلبر، في شبابه، الولد المشاغب للعرض الموسيقى الشعبي الإسرائيلي في مهده، وبرز في أوائل السبعينات. أسلوبه بارع، متحدي، وغالبا ما يكون رائعا في كتابته وأداءه، مما أكسبه سيطا بين الشباب الإسرائيليين، الذين رأوا فيه مرآة خاصة لهويتهم المعقدة، الفقيهة، والشعرية الشائكة، المتمردة مع ابتسامة مكسورة، فوضوية مع روح عميقة، رمزا للروح الليبرالية الحرة التل أبيبية التي تسعى إلى فصل نفسها عن الحرب المنكوبة، النفسية الوطنية المصدومة. لمست أغاني زيلبر العديد وانتقلت بين القلوب – بما في ذلك قلبي! – على الرغم من إنشائه لإيقاعاته الشهيرة عندما كنت لا أزال طفلة رضيعة.

في وقت لاحق في حياته، اعتنق زيلبر اليهودية الأرثوذكسية المتطرفة. شكل هذا صدمة للعديد من معجبيه، ولكن الأفضل (أو الأسوأ) لم يحدث بعد. احتضن زيلبر وجهات نظر عنصرية بشكل كبير وأعرب عنهم في أغانيه. أصبح عضوا في حزب باروخ مارزل السياسي، حزب يتابع خطى حركة الحاخام مئير كاهانا “كاخ”، التي دعت لطرد العرب من أرض إسرائيل التوراتية، توسيع المستوطنات، وتأسيس دولة شريعة يهودية، وإنهاء الديمقراطية المرفوضة. تم حظر حركة “كاخ” بسبب دوافعها العنصرية ونشاطاتها، وتم اغتيال كاهانا على يد عربي في نيويورك بضع سنوات بعدها. تبعت وجهات مارزل مذهب تعاليم كاهانا. حيث كتب زيلبر وسجل أغنية بعنوان “كان كاهانا محق” كنشيد لنشاط مارزل.

بالإضافة إلى ذلك، تعاون زيلبر فنيا مع الحاخام يتسحاك غينزبورغ، أحد أكثر الحاخامات اليمينيين تطرفا في الأراضي المحتلة. حيث كتب غينزبورغ كتيب “باروخ هجيفر”، “باروخ القبضاي”، مبررا وممجدا فيه باروخ غولدشتاين الذي قتل 29 عربي بدم بارد بينما كانوا يصلون صلاة الفجر في المسجد الإبراهيمي في الخليل.

كأن كل هذا لم يكن كافيا، دعم زيلبر ظاهريا قاتل اسحق رابين، يغئال عمير، ودعم العفو والإفراج عنه مشيرا أنه “يمكن أن يفهمه”، إذ أنه عمل بشكل أيديولوجي “لإنقاذ دولة إسرائيل”.

رسم ارييل توازيا مروعا بين قرار الحكومة لإطلاق سراح السجناء الفلسطينيين (من أجل تجنب تجميد الإستيطان)، وما اعتبره الموقف الأخلاقي الصحيح نحو قاتل اسحق رابين.

في عام 2014، “أكوم”، نقابة الكتاب والملحنين في إسرائيل، عرضت علي جائزة لمساهمتي في انتشار الموسيقى الإسرائيلية في الخارج، وذلك بسبب إزدهاري، و25 عاما من العمل الدولي.

في العام نفسه، أعلنوا أيضا أنه من المقرر أن يتم تقديم ارييل زيلبر مع جائزة إنجاز في نفس الحفل.

كنت مصدومة، ومحطمة. عقب عدة ليال دون نوم، اتصلت بـ”أكوم” وطلب منهم إلغاء جائزتي. لم أرد منهم تمجيدي، ولم أرد المال. ببساطة أردت البقاء بعيدا عن ما اعتقدت أن يكون خيانة حقيقية لرسالة الفنانين التي يجب إرسالها للمجتمع.

هناك فرق بين جائزة للموسيقى، وجائزة لإنجازات حياتية. لهذا السبب هناك مصطلحان مختلفان. كان من غير المعقول بالنسبة لي للفنان الذي وضع فنه في خدمة هذه العنصرية المتطرفة وكراهية الآخر، الذي أعرب مرارا وتكرارا في كلماته وموسيقاه ونشاطه العام ونشاطه السياسي، كل القيم التي على المجتمع تجنبها وإدانتها، وعلى رأس كل ذلك، دعم قاتل رئيس الوزراء، أن يرقى إلى أن يكون رمزا ثقافيا وقدوة.

كتبت ثلاثة أسطر قصيرة في الفيسبوك حول إعلاني عن انسحابي من الحفل، ولم أقدم أي مقابلات.

سيتم تذكر تلك الأيام كالأفظع في حياتي. تعرضت لتهجمات من قبل جميع الجهات. تلقيت ألفاظ نابية وشتائم على الشبكات الإجتماعية (ولا زلت حتى يومنا هذا)، بما في ذلك تهديدات لحياتي، ودعوات إلى مقاطعتي وسحب جنسيتي. الصحفيين، بما في ذلك مطبوعات يسارية محترمة أكتب لها، انتقدوني لخلطي بين الفن والسياسة والتحيز ضد أولئك الذين “يفكرون بشكل مختلف”. سياسيون من اليمين، ومن بينهم وزير الخارجية لإسرائيل وقتها، أدانوني لكتمي الأفواه وكوني “مناهضة للديمقراطية”، وأدار معظم زملائي الفنانين ظهورهم لي، أو أسوأ من ذلك، جعلوني أضحوكة للمجتمع. لم يلغي أي من الفنانين الآخرين الذين كان من المقرر أن يظهروا في هذا الحفل المشؤوم ظهورهم، تخليهم عن جوائزهم أو حتى تعليقهم على المسألة. كان هناك صمتا كاملا وهادرا … صمت الحملان، للجبناء والمهزومين. ليس فقط أنهم لم يعارضوا، لكنهم دافعوا عن قرار أكوم ووأدانوني. تم تصويري في رسوم كاريكاتورية قبيحة وعدوانية، وفي عروض كوميدية كمثيرة للشفقة ومتمقتة. عدا عن عروض نادرة من الدعم، كنت معزولة بشكل شبه تام وأسيء فهمي تماما.

في نهاية المطاف، تم تغيير جائزة زيلبر من “إنجازات حياتية” إلى جائزة “مساهمة موسيقية”. لم يحدث هذا بسبب قراري لرفض جائزتي، ولكن بسبب تدخل داليا رابين، ابنة رئيس الوزراء اسحق رابين الذي اغتيل، التي عارضت بشدة لقب “إنجازات حياتية” ليمنح لمؤيد علني لقاتل والدها.

لكن لم يكن بالإمكان محو الضرر. كنت عدوة الشعب الأولى. قالوا أني منعت جائزة مرموقة من يد رجل لطيف مع لحية غامضة وقبعة يهودية الذي “لا يمكنه أن يسيء لذبابة”. “انه ليس إلا مهرج”، قالوا. أعتقد أنني أكن احتراما حقيقيا لزيلبر: أتعامل مع أفعاله وكلماته على محمل الجد كما أتعامل مع موسيقاه.

على المسرح خلال الحفل، تم التصفيق لزيلبر بشكل حماسي جدا لخطابه أنه “لا يمكن فصل الرجل عن فنه” (مشاعري كانت بالضبط نفس تلك في الواقع)، وجعلت مسيرته مثيرة للإعجاب منذ ذلك الحين.

عودة إلى المستقبل.

سيشهد 17 فبراير 2016 حصول ارييل زيلبر على جائزة إنجازات حياتية من قبل (EMI) – الإتحاد الإسرائيلي للفنانين.

نعم، إنه ليس ديجا فو. إنه الواقع.

يمكنك أن تسأل نفسك، كما أنا فعلت: ماذا؟ لماذا ا؟ وبعد كل ما حدث، بعد طلبته داليا رابين تحديدا، بعد أشهر قليلة من الذكرى الـ -20 لإغتيال والدها، لماذا مجددا؟ ولماذا الآن، لأن إسرائيل تعاني من موجة رهيبة من العنصرية والعنف والكراهية من الداخل والخارج؟

الأجوبة الإختيارية المختلفة على هذه الأسئلة كلها صعبة جدا لأن تهضم. يحاول مجتمع الفنانين أن يثبت أنه من العدل ألا يميز ضد فنان لآرائه أو آراءه السياسية؟ ربما. إذا كان الأمر كذلك، لا بد لنا من توضيح الفرق بين وجهات النظر والآراء السياسية، والمعايير والقيم التي على المجتمع أن يسعى لدعمها وتنشئتها. برأيي، نشاط زيلبر بعيدة عن عالم “وجهات النظر والآراء”، وتحود إلى مكان غير شرعي ويجب إدانته: عنصرية وكراهية وألفاظ نابية أخرى، تدعم حزبا سياسيا محظورا وقاتل مدان لرئيس وزراء. سنوات من وضعه لنفسه تماما بين جدران هذه المفاهيم الخطيرة التي لا يمكن أن تترافق مع بطولة، لا يمكن وضعه ليكون قدوة للجميع … أو، لا سمح الله … لتقليده. وعلى الأقل، من قبل الفنانين!

وأتساءل، إذا قام يغئال عمير، القاتل الذي يقضي حكما بالسجن لمدى الحياة، وبدأ بكتابة الشعر غدا، حتى لو كان شعرا جيدا، هل سيتم منحه الجائزة؟ وفرضا أنه واصل الكتابة لسنوات وسنوات، وكتابته كانت ممتازة، هل سيكون من الشرعي منحه جائزة إنجازات حياتية؟

بالإضافة إلى ذلك: كيف كان يمكن أن تكون ردة فعل الجمهور الإسرائيلي إزاء الممثل الكوميدي الفرنسي ديودونيه، الذي أدلى بتصريحات راديكالية معادية للسامية وعمم نسخته الخاصة لحركة اليد “هايل هتلر”، أن تلقى جائزة إنجازات حياتية من قبل جمعيات الفنانين من فرنسا ؟ ليس فقط أن ذلك لم يحدث، لكن تمت إدانة ديويونيه من قبل رئيس فرنسا، وأصبح شخصا غير مرغوب فيه في العديد من الدول الأوروبية.

الردود الممكنة الأخرى أسوأ من ذلك بكثير. إنها تنطوي على انهيار القيم الإنسانية التي من المفترض أن يحتج عليها الفنانين والذي أدى إلى استيطان الخوف والجبن في كل ركن من أركان المجتمع الإسرائيلي، ومعكوس بدقة في طيات قرار الفنانين لمنح الجائزة لزيلبر. يمكن للردود أن تشمل أيضا محاولة شعبية يائسة للعثور على أفضلية في عيني نظام عدواني وجمهور كبير خائف منه، والخوف من الغاء الميزانيات من قبل وزيرة الثقافة اليمينية المتطرفة جدا.

لطالما اعتقدت أنه على الفنانين أن يكونوا قادة للمجتمع، وليسوا أتباعا. يجب أن يحملوا شعلة وصليب الإنسانية، والحرية والمساواة في الحقوق والقبول والإنفتاح والحوار والتنوع. وظيفتهم، ووظيفتنا هي فتح نوافذ في العقول والقلوب، لإعادة تقييم وجهات النظر ولخلق بدائل. مهمتنا هي عدم التذلل عند أقدام السلطة والتسول لتقبلنا. مهمتنا هي عدم الإستسلام لإرادة الجماهير، ولكن رفعها إلى مستوى أعلى، حيث تسود قيم إنسانية ايجابية شاملة على الجشع والجهل والقسوة.

لذلك، لقد انفصلت عن (EMI). لقد رفعت صوتي عاليا، مرة أخرى: جان دارك، كما يقول والدي، بصوت حزين. عادت القذارات اللفظية والتهديدات من جديد، (لقد اعتدت عليهم)، والشعور بالعزلة الباردة. أضيف اسمي إلى “قائمة ماكارثيان السوداء” للفنانين من قبل اليمين المتطرف، منظمة “ايم ترتسوا” المعادية لحقوق الإنسان، ورسائل الكراهية التي لا تزال تتدفق. ولكن هذه المرة، هناك أكثر من قدر ضئيل من الدعم من بسطاء الشعب، في جميع أنحاء البلاد، الذين يفهمون حديثي. أشخاض الذين يشعرون بالفزع، مثلي، من قبل “منحدر زلق” متواجدين جميعنا عليه, اشخاص لا يستطيعون تصديق كم أصبح مجتمعنا أعمى ومخدر.

إنني فخورة بأن أكون صوتهم.

سيحكم التاريخ زملائي في “ايمي” و”أكوم” لأفعالهم، أو انعدامها: وأعتقد أنه لن يكون رحيما جدا.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.