بالتأكيد أن دونالد ترامب هو الوحيد القادر على الفوز بضحكات حارة من جمهور من الأعيان الإسرائيليين بعد ثوان قليلة فقط من تسليطه الضوء على رغبة النظام الإيراني في تدمير البلاد. هذا ما حدث في الخطاب الذي اختتم زيارة الرئيس الأمريكي التي استمرت 28 ساعة إلى إسرائيل، في “متحف إسرائيل” في القدس بعد ظهر الثلاثاء.

ترامب قال بصورة قاتمة ومرارة وهو يقرأ من شاشات التلقين إن “القادة الإيرانيين يدعون بشكل روتيني إلى تدمير إسرائيل”. بعد ذلك انحرف عن نصه المكتوب وأضاف: “ليس مع دونالد جيه ترامب، صدقوني”.

العبارة قوبلت بهتافات وحفاوة بالغة. “شكرا لكم”، قال الرئيس الأمريكي ثلاث مرات وهو ينتظر بصبر لتوقف التصفيق. وعندها، لوح يده بإتجاه جمهوره وقال مبتسما “أنا أحبكم أيضا”، قبل سماع ضحكات مليئة بالتقدير والإعجاب.

هذه الثواني القليلة تلخص زيارة ترامب إلى إسرائيل – تعبيره عن التضامن الغريزي مع الدولة اليهودية وتعهده بحمايتها والبهجة التي إستضافته البلاد بها – بعد ثماني سنوات من الشعور لدى الإسرائيليين بأن الدعم الذي منحه الرئيس باراك أوباما كان مشروطا دائما. “أعدكم بذلك: إدارتي ستقف دائما مع إسرائيل”، كما تعهد.

هناك خلافات واضحة حول القضية الفلسطينية بين الرئيس الأمريكي وحكومة رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو. هذه الخلافات ظهرت في الكلمتين اللتين ألقاهما الزعيمان في المتحف. نتنياهو أشار إلى أنه لو كان الإعتداء الذي وقع في مانشستر ليلة الإثنين من تنفيذ إنتحاري فلسطيني وأسفر عن مقتل إسرائيليين، كان محمود عباس، بعيدا عن إدانته إلى جانب ترامب في بيت لحم في وقت سابق الثلاثاء، سيقوم بدفع الرواتب لعائلة منفذ الهجوم. وقال نتنياهو: “لو كان المهاجم فلسطينييا والضحايا أطفالا إسرائيليين، كانت عائلة الإنتحاري ستحصل على راتب من السلطة الفلسطينية. هذا هو القانون الفلسطيني. ينبغي تغيير هذا القانون”. ترامب، على النقيض تماما، أكد قناعته بأن عباس والفلسطينيين “على إستعداد للتوصل إلى السلام”. منحرفا مرة أخرى عن النص المعد له، سعى ترامب إلى مواجهة الشكوك الإسرائيلية: “أعرف أنكم سمعتم ذلك من قبل. أقولها لكم. هذا ما أفعله. إنهم على إستعداد للتوصل إلى سلام”.

نتنياهو يريد أن يصدق أنه قادر على صنع السلام مع العالم العربي، وأن العديد من القادة العرب الذين التقى بهم ترامب في الرياض سيقومون، في وقت لاحق، بالضغط على الفلسطينيين باتجاه شروط لإتفاق يمكن لإسرائيل القبول به بأمان. على النقيض من ذلك، من الواضح أنه تم إقناع ترامب بأنه يجب العمل على العملية بالعكس. بالإعتماد على محادثاته في الرياض، قال الرئيس الأمريكي “لدي إعتقاد راسخ بأن بإمكان إسرائيل والفلسطينيين صنع السلام، سيبدأ ذلك عملية سلام في جميع أنحاء الشرق الأوسط”.

هناك أيضا بعض خيبة الأمل في معسكر اليمين الإسرائيلي لأن ترامب لم يف حتى الآن بالتعهد الذي قطعه خلال الحملة الإنتخابية بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس. كذلك هناك خيبة أمل بعد قيامه بسلسلة من التصريحات التي انتقد فيها المشروع الإستيطاني. وبأنه لم يتحرك لمحاولة إلغاء الإتفاق النووي السيء مع إيران.

هناك بعض المخاوف بشأن حجم صفقات الأسلحة والإتفاقيات الأخرى التي أبرمها مع السعودية، والتأثير الذي يمنحه مبلغ 380 مليار دولار على شكل إستثمارات للسعوديين في واشنطن. هناك خيبة أمل بحسب تقارير في المؤسسة الإستخباراتية حول تسريبه المرجح لمعلومات إستخباراتية إسرائيلية للروس، والسؤال حول علاقاته بروسيا، حليفة عدد كبير من أعداء إسرائيل. وهناك الكثيرين أيضا، من ضمنهم نتنياهو بكل تأكيد، الذين أملوا في أن يقوم بإتخاذ خط أكثر تشددا مع عباس حول الرواتب التي تمنحها هرمية السلطة الفلسطينية للإرهابيين بشكل خاص، وتشجيع العداء  لإسرائيل في صفوف الفلسطينيين بشكل عام.

ولكن مع ختام الزيارة فإن الشعور العام في إسرائيل أن الزيارة كانت زيارة  ذات محتوى كبير قام بها رئيس يدعم إسرائيل بشكل صريح وعائلته التي تحب إسرائيل (البعض منهم يهود).

كان من المثير للإهتمام أيضا رؤية مدى الراحة التي ظهر بها نتنياهو برفقة ترامب – على العكس تماما من اللقاءات التي شابها التوتر مع أوباما. (كان من المثير للإهتمام أيضا رؤية ميلانيا ترامب تصفق على كلمات نتنياهو ضد سياسة السلطة الفلسطينية في دفع الرواتب لعائلات الأسرى الأمنيين).

ترامب لم يقم بنقل السفارة، ولكن لخطابه في “متحف إسرائيل” كان بكل تأكيد الصدى الأكبر لخطاب يلقيه رئيس أمريكي في تأييد شرعية إسرائيل في عاصمتها – دحض مطول وعاطفي لجميع قرارات مجلس الأمن واليونسكو المروعة التي نفت التاريخ اليهودي في المدينة. ترامب صرح أن “القدس هي مدينة مقدسة. جمالها، روعتها وتراثها لا تشبه أي مكان آخر على وجه الأرض”، وأضاف فورا بعد ذلك إن “علاقة الشعب اليهودي بأرضه المقدسة قديمة وأبدية. يعود تاريخها إلى آلاف السنين، بما في ذلك عهد الملك داوود الذي تحلق نجمته اليوم بفخر على علم إسرائيل الأبيض والأزرق”.

وهذه الكلمات كانت مدعومة بالطبع بصنعه التاريخ من خلال قيامه، كأول رئيس أمريكي على رأس منصبه، بزيارة حائط المبكى والوقوف هناك بتأمل صامت مع عائلته بالقرب منه وكيباه سوداء وضعها احتراما على رأسه.

لا يعرف الإسرائيليون أكثر من الأمريكيين كيف ستسير ولاية ترامب الرئاسية من هنا. فهم لا يمكنهم التأكد من ما سيقوله أو يفعله – أو كيفية تأثير ما قاله أو فعله حتى الآن على ولايته.

لكنه جاء إلى القدس، وقال لإسرائيل إنه يحبها. شدد على التحديات التي تواجهها. أشاد بإسرائيل لإزدهارها رغم وجودها تحت هجوم مستمر. لم يحاول التلاعب بالكلمات في إدانة الإرهاب الإسلامي وتعهد بمحاربته. تعهد بالوقوف إلى جانب إسرائيل ضد إيران لضمان أن لا تحصل طهران على سلاح نووي. ومرة أخرى، لقد وقف إحتراما في أقدس المواقع اليهودية – الصورة التي لحسن الحظ غطت على صورة “السلفي” بإعتبارها الصورة التي لخصت رحلته.

خطط السلام وتفاصيل أخرى؟ ليس هذه المرة. كما قال في “متحف إسرائيل”، لم يكن هذا في الواقع هو الهدف من زيارته، والذي كان ضمان أقصى قدر من التركيز على المعركة ضد الإرهاب الإسلامي.

هل هناك احتكاكات وخلافات في الإنتظار؟ من يعلم؟ ولكن مودة متبادلة؟ حتى الآن بكل تأكيد. في أعقاب هذه الزيارة، مع توجه ترامب إلى الفاتيكان الثلاثاء، سيفكر الكثير من الإسرائيليين على الأرجح، نعم، نحبك أيضا.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.