وصل الخطاب العام في إسرائيل – الذي لم يتميّز ببراعة لغوية أبدا – إلى مستوى قياسي منخفض. تملأ موجات الأثير والشبكات الاجتماعية التبادلات السامة التي تسكب الشتائم تقريبا على كل ما كان في صميم المجتمع الإسرائيلي وكل من يجرؤ على التمسك بهذه المبادئ. معظم المواطنين الإسرائيليين يجدون أن الغلاف الجوي في المجال العام ملوثا، إن لم يكن بغيضا تماما. أولئك الذين لا يهابون تماما هذا السيل من الكلمات يتصارعون مع طرق التعامل مع تبادل الشتائم وما يدل عليه.

وفي جذورها، فإن ضائقة إسرائيل الحالية هي ثمرة عملية تخفيف حدود وجودها القانوني والمؤسسي والمعياري والمادي. فالحرية في المجتمعات المفتوحة تتركز دائما على تغيير الحدود بعد الموافقة عليها؛ فالحرية – الفردية والجماعية – تأتي دائما مع قدر من ضبط النفس. ومع ذلك، على مر السنين، أطلقت إسرائيل زمام الأمور في كل مجال تقريبا، مما يسهم في الكشف عن إطار وجودها بحد ذاته. وعندما لا تكون هناك حدود، عندما لا يتم منع أي تعليق، تستدعي الفوضى حتما. وللحفاظ على حريتها، يجب عليها أن تحدد معالمها وتعيد تشكيلها.

وأوضح مظهر للتراجع عن هذه الحدود – والأكثر سطحية – هو في مجال الخطاب. في نهاية الأسبوع الماضي فقط، رأى الإسرائيليون منشورات يائير نتنياهو ابن رئيس الوزراء على فيسبوك، الذي نشر كاريكاتير معادي للسامية بشكل صارخ ليصف خصوم والده المحليين – وهو ميم انترنت الذي أشاد به على الفور معظم القوميين البيض في الخارج. وليست هذه هي المرة الأولى التي يهاجم فيها نتنياهو منتقدي الائتلاف الحالي بلغة مستمدة من أسوأ خطاب الكراهية المعادي لليهود. رد إيهود باراك عدو والد عبر تويتر كان أيضا من سياق متطرف: فقد ذكر رئيس الوزراء السابق أن سليل الوظيفة الحالية يمكن قد يتفاعل جيدا مع علاج نفسي مكثف. هذه ليست سوى أحدث سلسلة من المناوشات اللفظية التي تتحدى حتى المعجم الغني والهدّام للسياسة الإسرائيلية.

كما أنها أحدث تعبير عن تشويه حرية التعبير (حق فردي لجميع المواطنين) لإسكات منتقدي الحكومة – الهدف الأكثر شيوعا للسخط المدني. وفي المجتمعات الديمقراطية حقا، هناك خط واضح بين حماية حرية التعبير والتحريض؛ بين الحرية لتوضيح المعارضة ونشر الكراهية الصريحة. في إسرائيل، لطالما كانت هذه الحدود غير واضحة، ورافق النقاش حول تحديدها تطور المجتمع الإسرائيلي. ولكن فقط في الآونة الأخيرة استولى من في السلطة على مفهوم حرية التعبير والانتماء من أجل تكميم أفواه المعارضين بشكل منهجي ومهاجمتهم بشكل فردي باسم حرياتهم المدنية الخاصة بهم.

وقد أصبح بنيامين نتنياهو، الذي قاد التهمة ضد التحريض الفلسطيني ضد إسرائيل تقريبا بمفرده، المحرض المحلي الرئيسي في إسرائيل. لقد انتقد المواطنين العرب، و”اليسار”، ومنظمات حقوق الإنسان، ومؤيديهم – وكان ضد أي قوة على خلاف مع مبادئه في المجتمع الإسرائيلي. وقد حذا حذوه زملائه السياسيين. ولكن عندما أصبح موقفه غير مستقر بشكل متزايد، أضفى الطابع الشخصي على رسالته، واصفا معارضيه بالصفات والتشهير علنا. في كثير من الأحيان، قد استجاب هؤلاء بلطف، ليصنعوا ساحة سياسية تعسفية وخالية تدريجيا من الجوهر. ونتيجة لذلك، تم استنفاذ ثقافة النقاش بشكل شامل، وتحولت القضايا الرئيسية على جدول الأعمال الوطني إلى الهامش. وبالتالي فإن شدة الخطاب العام وفراغها هو غيض من فيض أكبر بكثير.

أما النقطة الثانية، وهي أعمق بكثير، لعدم وجود حدود واضحة تكمن في المجال المعياري. وأوضح دليل هو الانتشار المثير للفساد الرسمي في كل زاوية تقريبا ومكان في المجال العام. إن عدم قدرة الواضحة على الالتزام بسيادة القانون، والامتناع عن إساءة استعمال السلطة لتحقيق مكاسب شخصية، واحترام المكابح الموضوعة على الموظفين العموميين، قد استولت على الأخبار وغمرت النفس العامة (70 في المائة من العناوين الرئيسية الأسبوع الماضي كانت عن فضائح الفساد الرئيسية التي يشارك فيها رئيس الوزراء و / أو شركائه الرئيسيين). لقد تم اختراق التمييز الحاسم بين المناصب العامة والمكاسب الشخصية تماما.

وفي الوقت الذي تراكمت فيه المزيد من المعلومات حول صفقات الغواصات الملتوية، والمكائد الإعلامية الضخمة والامتيازات الشخصية مقابل الحصول على مزايا رسمية، لم يول سوى قدر ضئيل من الاهتمام للمبادرات السياسية الرئيسية التي أجريت دون رقابة شعبية كافية. تشمل هذه المبادرات زيادة هائلة في بناء المستوطنات، هدم المنازل على نطاق واسع في الضفة الغربية وفي المجتمعات العربية داخل إسرائيل، تجديد المعسكرات اليهودية في الأحياء الفلسطينية في القدس، القيام بتصعيد على المعاقل السورية وحزب الله، وتسلل المضامين الدينية في النظام المدرسي، ومزيدا من الفصل بين الجنسين في الأماكن العامة. إن عدم القدرة على السيطرة على العنف (محليا وفي الشوارع)، إلى جانب عدم القدرة على التعامل مع الثغرات الاجتماعية والاقتصادية الآخذة في الاتساع، هي نتيجة أخرى لعدم كفاءة الوسائل وغموض التدابير الرامية إلى رصد الإجراءات الحكومية.

ويمكن أن يعزى جزء من هذه المزالق المعيارية إلى مجال ثالث من إنهيار الحدود: التدهور التدريجي للتمييز الهيكلي في النظام السياسي الإسرائيلي. لقد صممت الهجمات المباشرة على استقلال القضاء – التي تقوده وزيرة العدل – لتقويض الفصل بين السلطات وإضعاف مجموعة الضوابط والموازنات المؤسسية الحساسة جدا. هذه الضوابط تزداد تفاقما عند معرفة الخطط لزيادة تسييس الخدمة المدنية عن طريق عدم وضوح الحدود بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، بالإضافة إلى تقليص الدور الإشرافي للصحافة الحرة مرة أخرى.

ومما يثير الفضول، ليس عن طريق الصدفة، أن إضعاف الترتيبات المؤسسية ركز بشكل مباشر على المعارضة الرسمية التي أسهم تفتيتها ومشاحناتها الداخلية وتردداتها الموضوعية إسهاما مباشرا في إضعافها. وقد أدى عدم وجود بدائل واضحة على المستوى الرسمي إلى تعزيز دور المجتمع المدني – مما جعله وقادته آخر مصدر للقلق الرسمي حيث أصبح الآن معرّض لنزع شرعية متزايدة.

ويشكل عدم وجود قيود فعلية ومعيارية وقانونية ومؤسساتية على أصحاب المناصب وأفعالهم امتدادا للغياب المستمر للحدود الجغرافية المحددة بوضوح والمعترف بها دوليا. على مدى السنوات الخمسين الماضية، لم تتمكن إسرائيل من التوصل إلى اتفاق داخلي أو خارجي بشأن معالمها الملموسة. وهي تعيش في طي النسيان الذي سهل عمليات الاستيلاء على أجزاء من الأراضي التي تم ضمّها في عام 1967، والذي سيمكّن ضم مناطق أخرى في حالة تنفيذ تصميم المتطرفين من اليمين. وقد عرفت المجتمعات الحدودية التي لا توجد لديها حدود محددة، على مر التاريخ، بالتراخي الأخلاقي المبني على انعدام القانون.

وهكذا، فإن خرق حواجز إسرائيل الواضحة وبعيدة المنال باسم استقلالها أدى إلى تقليص حريتها بشدة. هذه ليست مجرد إرث من إدارة الليكود الحالية: فقد تم الترويج لإطلاق الحدود المعيارية والمؤسساتية من قبل الحكومات والقادة من جميع الأشكال والأطياف السياسية. غير أن هذا الميل كان منظما ومبني بشكل مخطط له خلال العقد الماضي بمساعدة نشطة من أولئك الذين اختاروا – بسبب الخوف أو الإحباط أو اليأس – أن يظلوا صامتين. وهذا ليس حتميا وليس أمرا لا رجعة فيه.

يتطلب الإبداع والابتكار في المفترق الحالي استعدادا للمشاركة بنشاط في إعادة تشكيل الحدود المادية والأخلاقية والسلوكية والهيكلية لإسرائيل. ويمكن استخلاص الإلهام لمثل هذا الإجراء من الاصدار الإسرائيلي الجديد “الوضع” استنادا إلى كلمات ديفيد غروسمان كما ترجمتها جيسيكا كوهين.

“أن أريد، أريد – أن أجرؤ أن أريد، ما زلت أذكر (ولكن أقل) ما معنى أن أريد، أن آمل، أن أتوق، أن أؤمن أنه لا يزال بإمكاننا الهروب من هذا المصير … لا يمكن أبدا أن نملك حياتنا، إذا لم يملكوا حياتهم. لا يمكنهم أبدا أن يملكوا حياتهم إذا لم نملك حياتنا … أريد، أريد أن أجرؤ على أن أريد، ما زلت أذكر (ولكن أقل) معنى أن أريد، أن آمل، أن أتوق، أن أؤمن أنه لا يزال بإمكاننا كتابة هذه القصة بشكل مختلف. أن أؤمن بأنني سأكون شخصا حرا، شعبا حرا، في بلدي، في بيتي، داخل نفسي”.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.