تحلّ علينا، كلّ عامٍ أو أقل، خارطةٌ جديدة للشرق الأوسط، وتقسيماتٌ مستقبلية لدولِ ما بعدَ سايكس-بيكو والربيع العربي. ولم ألحظ حتى هذه اللحظة تحليلاً معمّقاً عن خصائص الدول وتحوّلاتها من حالةٍ لأخرى. وبما أنه من الاستحالة على أيّ محلّل، أو حتى أكثر الأجهزة الرسمية تطوراً، توقُّع الخارطة المستقبلية على وجه الدقة، قد يكون من الأجدى تفسير تحوّل المجتمعات، وبالتالي عدم الوقوع في مغالطاتٍ إستشرافية أو مبالغاتٍ استراتيجية.

علينا الغوص أكثر في خصائص مجتمعات الشرق الأوسط، فما الذكاءُ بأن نقول مثلاً: أصبح العراقُ ثلاثاً، وسوريا ستقسّم أربعاً، والسعودية ثلاثاً أو أكثر، والسودان، بعد شماله وجنوبه، سيصبح ثلاثاً بدارفور، ومصر اثنتين، وإيران أربعةً أو خمسة، وأن يصبح للكرد دولة كبرى، وللنوبيين والأمازيغ دولة، وأن حدودَ المملكة الأردنية الهاشمية ستتوسّع أكثر؟ إن الأهمّ في حياة الشعوب ليس حدودَها الفيزيائية المرسومة (والمتغيّرة) على الخرائط، بل كيفية التحوُّلِ إلى الإنماء الحقيقي، وبناءِ الأمم الحرّة.

يرى عالم نوبل للاقتصاد (دوغلاس نورث) بأن المجتمعاتِ ثلاثةُ أنواع: الأنظمة البدائية (وهي عصاباتٌ صغيرة من الصيّادين)؛ والأنظمة المقيَّدة المحدودة (وهي مجتمعاتٌ تقدّم حقوقاً سياسية واقتصادية لنخبٍ معيّنة فقط)؛ والأنظمة الحرّة المفتوحة (وهي ديمقراطيات رأسمالية تعطي الحقوق السياسية والاقتصادية لمعظم المواطنين). هذه الأنواع الثلاثة من الأنظمة تشبه الحالاتِ الكيميائيةَ الثلاث (الصلبة، والسائلة، والغازية)؛ أي أنها تتميز وتختلف بوضوح عن بعضها الآخر، ويحدث الانتقالُ أو التحوّلُ بين الأشكال المختلفة ضمن ظروفٍ خاصة.

يحقق النظامُ المحدود الاستقرارَ الزائفَ من خلال تزويد كل مجموعةٍ عنيفة أو معارضةٍ محتمَلَة بامتيازات معينة. إلا أن إعطاء حقوق حصرية لمجموعة واحدة يستلزم بالضرورة تقييد حقوق المجموعات الأخرى: فأن نقولَ لحكام النظام الشرق أوسطي المحدود إننا نصرُّ على التخلّص من الفساد، مثلاً، لهو بمثابة الطلب منهم لارتكاب الانتحار السياسي! ومن أحد الخصائص الرئيسة للأنظمة المحدودة العملُ على الحدّ من حقوق الجماهير؛ فإذا نال الجميع حقوقهم الاقتصادية والسياسية، لن يكون لدى الحكام أيُّ عرضٍ خاص يقدمونه لتهدئة الثائرين أو المعارضين المحتمَلين. وعليه، يقوم النظام المحدود بتوزيع السلطة بطريقة تحافظ على رضى المجموعات المنظَّمة التي من المحتمل أن تكون خطرةً عليه، وإبقاء الوضع السائد على ما هو عليه.

يتميز النظام المحدود بتوازنٍ إجتماعي حسّاس، له خصائص مشتركة: أولها، السيطرة على العنف من خلال امتيازات النخبة؛ وثانيها، تقييد الحرية الاقتصادية بين أفراد المجتمع؛ وثالثها، وجود حماية قوية نسبياً لحقوق المُلكية للنخب، وضعيفة نسبياً لغير النخب (ومن هنا، فإن سيادة القانون في المجتمعات المحدودة هي بالنهاية امتيازٌ حصري للنخب)؛ وأخيراً، تعدُّد القيود المفروضة على حرية الدخول (والخروج) في الأنشطة الاقتصادية، والسياسية، والمدنية، والعسكرية.

إن الانتقال من النظام المقيّد المحدود إلى الحرّ المفتوح لهو أمرٌ نادرُ الحدوث وفي غاية الصعوبة والإشكالية. فالسّمة الأساسية لعملية الانتقال هي نشوء التبادل المجرَّد (غير الشخصي) بين الأفراد، يتضمن أطرافاً لها القدرة على إجراء تبادلٍ مستقل دون وجود علاقات شخصية طويلة الأجل، مما يتطلب أن يكون طرفا التبادل على درجةٍ كافيةٍ من الثقة بأن تكون حقوقهم وواجباتهم آمنةً ومضمونة.

من هنا، يجب توفّر ثلاثة شروط مؤسساتية قبل حدوث الانتقال الحقيقي (من المحدود إلى المفتوح)، ولنسمّها شروطَ العتبة الثلاث: سيادة القانون للجميع، وعلى الجميع؛ واستمرارية حياة المؤسسات؛ والسيطرة السياسية على القوات المسلحة. ولا يتم، كما ذكرنا أعلاه، الوفاء بأولّ شرطٍ من الشروط في الدول التي يُعوَّل فيها على العلاقات الشخصية من أجل الأمن الشخصي والمجتمعي. أما استمرار حياة المؤسسات (بكافة أنواعها)، فيعني وجود مؤسساتٍ سياسية واقتصادية (وحتى تجارية) يمكنها أن تعمّر بعد زوال أعضائها الرئيسين (وإلا فإن تلك المؤسسات لن تقوم سوى على الولاء الشخصي)؛ فحين يرى مواطنو الدولة مؤسسةً ما تعيش وتستمر إلى ما بعد زعمائها الحاليين، سيبدأون، دون أدنى شك، بدعم العلاقات التعاقدية مع تلك المؤسسة (إن كانت مجلسَ نواب، أو محكمةً دستورية، أو شركةً وطنيةً اقتصادية، أو مركزَ شرطة، أو حتى وقفاً دينياً). وعندما تبدأ الحكومة بتوفير الإطار القانوني لحماية العلاقات التعاقدية بين المواطنين، يصبح أحد العناصر الأساسية من عناصر النظام الحر المفتوح جاهزَ الامتثال لشروط العتبة المؤسساتية. ومن أجل أن يكون لأي مؤسسة وطنية دوام الحياة والاستمرارية، لا بدّ من أن يكون للدولة نفسها ديمومة الحياة: فإذا كانت جميع قرارات الحاكم قابلةً للإبطال عند موته، عندئذ لن يتم استيفاء هذا الشرط.

أما السيطرة السياسية للقوات العسكرية فتتطلب ألا يكون هناك أيّ مؤسسة أو جهة ذات قدرة على إثارة أعمال عنف واسعة النطاق (بلطجة، ميليشيات، قبائل مسلحة، زعماء طوائف، جيوش غير نظامية، جهات أصولية لا تعترف بالآخر، وهكذا). وبشكلٍ واضحٍ لا لبسَ فيه، لا يتمتع لبنانُ اليوم (حيث يُعدّ حزب الله قوة عسكرية مستقلة) بالسيطرة السياسية للجيش الوطني. ومن ناحية أخرى، إذا سيطر فصيلٌ واحد على الجيش (كما هو الحال في عراق اليوم)، فهذا لا يتماشى مع تعريفنا للسيطرة السياسية للجيش. ومن هنا، فإن معيارنا الثالث للسيطرة السياسية للجيش يتطلب قوةً عسكرية موحّدةً ومنفصلةً عن أيّ فصيلٍ سياسي، أو طائفي، أو إثني، مع فرض نزعٍ للسلاح على كلّ الفصائل. ولتحقيق ذلك، يتوجب توفّر تحالفٍ متوازن من اللاعبين السياسيين على مجموعة من القواعد والإجراءات التي تحكم استخدام قوات الدولة العسكرية، وأن يكون لهذا التحالف آليات واضحة لضمان اتباع تلك القواعد.

تعطينا الخصائص، والمعايير، والمعاني الضمنية أعلاه مآلات الشرق الأوسط مستقبلاً. فقد كانت المنطقة (الهلال الخصيب، والمغرب العربي، ومصر، والسودان، واليمن، والخليج العربي، وتركيا، وإيران، والباكستان، وأفغانستان) قبل الربيع العربي تُحكَم من أنظمةٍ محدودة، وستظلّ هكذا: دولٌ تقاوم التغيّر (التحوّل) إلى الأنظمة الحرة المفتوحة، وتعيق محاولات تحفيز التنمية الاقتصادية (لأن التنمية الحقيقية تتطلب التنافس العادل، مما يهدّد المزايا التي تُعتبر عنصرَ استقرارٍ للأنظمة المحدودة).

سيظلّ الشرق الأوسط (باستثناء إسرائيل ذات النظام الحرّ المفتوح) على حالته الطبيعية (أنظمة محدودة تقاوم التقدّم، ونادراً ما تنتقل أو تتحول إلى أنظمة حرّة مفتوحة)؛ فالفصائل الرئيسة في الشرق الأوسط ليست على استعداد للتخلي عن أسلحتها، ومالها السياسي، وفكرها المتطرف، وعنصريتها تجاه الآخر، والتنازل عن غنائمها السياسية، والعسكرية، والانتخابية، والاقتصادية. ولا يتوفر في المنطقة مؤسساتٌ دائمةُ الحياة يمكنها أن تقدّم التزاماتٍ تعاقدية مع شعوبها، ولا حتى حقوقاً أصيلة في كنف وسيادة القانون.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.