أثناء رحلة إلى الولايات المتحدة بمناسبة “البار-متسفاه” لي ولشقيقي، ذهبنا إلى مدينة ملاهي ضخمة. من بين العديد من الألعاب، كانت هناك أفعوانية (سفينة دوّارة) كبيرة، والتي قد تكون أطولها وأشدها رعبا في ذلك الوقت. تبدأ بتسلق طويل حاد وبطيْ ثم تتوقف لبضع ثوانٍ طويلة في القمة قبيل سقوط حر يستمر على مدار عدة حلقات مرعبة.

أعاني من رهاب المرتفعات، ورهاب آخر خاص بالأفعوانيات، لكن الضغط الاجتماعي كان كبيرًا جدًا (ولربما كان ضغط بار متسفا حيث يتوجب علي أن أصبح رجلاً)، لذلك صعدت الى هذة اللعبة. كان التسلق أطول وأكثر ألماً مما كنت أتخيل، حيث تعلمت خلاله درسًا مهمًا في الحياة، وهو أنني أستطيع أن أبكي وأتوسل لو أردت، لكن القطار لن يتوقف ليسمح لي بالخروج. مع اقترابنا من الذروة، أدركت أنه كان هناك شيء واحد يمكنني القيام به كان لا يزال في سيطرتي: يمكنني إغلاق عيني. بعد ثلاث دقائق، انتهى الأمر، ومع إغلاق عيني لم يكن الأمر مخيفًا مقارنة مع لو أبقيتها مفتوحة.

في يونيو الماضي، تم تشخيصي بسرطان القولون. نصيحة إحترافية: إذا حصلتم على المجاملات بشأن النزول في الوزن خلال فترة زمنية قصيرة دون أن تحاولوا خسارة هذا الوزن، فعليكم زيارة الطبيب. المؤشر الأخير في نهاية الأمر كان عندما إنزلق خاتم زواجي فجأة من يدي.

فحص أشعة مقطعية وتنظير سريع للقولون أكد ذلك. بالمناسبة، هذه ليست مقالة عن أن “تنظير القولون سهل و يجب عليكم الذهاب إلى فحص”، لكنها فعلا سهلة ويجب عليكم الفحص, وقراءة المزيد عن الموضوع.

الشيء الوحيد الذي تعلمته هو أن الطريقة التي تريد أن تعرف بها أنك مصاب بالسرطان هي دخول هذا الواقع ببطئ. في حالتي حدث الأمر كما يلي:

قال الطبيب إن الأعراض خطيرة ويجب فحصها، لكن السرطان في أسفل قائمة ما قد يكون الأمر؛

ثم أظهر فحص الأشعة المقطعية أنه “آفة غير طبيعية” (التي أوضح بحث غوغل أنها كلمات مرادفة طبية لشيء يشبه الورم السرطاني)؛

ثم أشار تنظير القولون بأنه ورم (الذي قال غوغل مرة أخرى أنها طريقة كتابة الطبيب أنه “نموًا جديدًا وغير طبيعي للأنسجة في جزء ما من الجسم، خاصة ذا مزايا سرطانية”).

بحلول الوقت الذي أجلسني فيه الطبيب أخيرًا مع وجه حزين تماما ليقول “أنت مصاب بالسرطان”، قلت “جيداً. الآن بعد أن بدأنا نتحدث عن هذا الأمر بشكل منفتح، هل يمكننا مناقشة الخطة؟ ”

السرطان هو كلمة مشحونة للغاية. كلنا نعرف شخصًا أو عدة أشخاص ماتوا بسبب السرطان. قامت وزيرة الثقافة (!)، ميري ريغيف، بمقارنة طالبي اللجوء السودانيين بالسرطان (ثم اعتذرت لمرضى السرطان بسبب المقارنة). أعتقد أن أحد الأسباب التي جعلني أشعر براحة كبيرة في تقبل التشخيص من البداية، والكتابة عنه الآن، هو إدراك أن كلمة مشحونة أخرى للغاية تنطبق علي، فهي تجربة مألوفة. إنها الخروج من الخزانة، لقد كنت هناك وفعلت ذلك.

كان الجزء الأصعب في الخروج عندما خرجت من الخزانة (صرحت بمثليتي) هو الخروج منها إلى نفسي: إدراك أن كلمة “مثلي الجنس” تنطبق عليّ، لكن بدون كل الدلالات السلبية. إن قول “أنا مثلي” لم يجعلني أمشي بأي اختلاف أو تحدث بشكل مختلف أو أي شيء آخر نشأت معه. لذا فعندما دخل مصطلح “السرطان”، كان من السهل علي رؤيته على حقيقته: ما زال خطيراً، محنة شاملة، ولكن ليس رعبا جشعا غامضا وضخما.
ملاحظة جانبية: عليك ان تكون مثلي الجنس وايضا مصاب بالسرطان وفقط عندها يُسمح لك بمقارنة الاثنين.

وأكدت فحوصات أخرى أن السرطان لم ينتشر، ما يعني أنني محظوظا. لذلك كان علينا فقط التعامل مع ورم واحد، ألم بشع، قبيح، والذي كنا بحاجة للتخلص منه. لذلك أسميته دونالد.

اكتشفت بسرعة أن العيش مع السرطان ليس بالأمر الصعب. الجزء الأول، عندما كان جديدًا، كان سهلاً كما وصفته. رد البعض على الخروج من خزانة السرطان بصعوبة أكثر من الآخرين، لذلك كنت بحاجة إلى دعمهم أثناء المحادثة ووعدهم بأن يكون كل شيء على ما يرام. ابني الذي يناهز 10 سنات تعامل مع الامر مثل البطل. عدم الاختباء، وعدم الهمس وراء الظهر، والمواجهة، كان لذلك شوطا طويلا نحو الحد من مخاوفه وقلقه في هذا الجيل.

لقد تعلمنا أن ما هو أصعب بكثير من الإصابة بالسرطان هو أن تكون متزوجا من شخص مصاب بالسرطان. كل ما طٌُلب مني هو الظهور في المكان المطلوب والركود هناك. في كل من سيناريوهات الحالة الأفضل والأسوأ. من ناحية أخرى، كان لزوجي أن يتعامل مع العمل، الأطفال، بالضافة الى حس فكاهتي الكئيب. قد يكون رجلاً، لكنه “أيشيث حايل” (ست بيت معدّلة/ ربة بيت ناجحة).

عندما لم يعد السرطان جديدًا، كان الاستيقاظ هو الجزء المزعج الوحيد من اليوم: الانتقال من “‘ممم، إنه صباح جميل” مباشرة إلى “أوه نعم، ما زلت أعاني من السرطان”. وكأني لا أزال على الأفعوانية التي يمكنني النزول منها حتى تنتهي الجولة. لكن بشكل مدهش كان هناك خوف قليل. خلال الصيف، دخلت للإشعاع اليومي، وقبل أسبوع أجريت عملية جراحية تمت فيها إزالة دونالد، مع قطعة صغيرة لطيفة من القولون التي كانت ستلائم تماما في طبق تشولنت (طبخة يخنة يهودية تقليدية). كنت أعرف أنني أستطيع دائمًا إغلاق عيني إذا كان الأمر مخيفًا، لكن لم تكن هناك حاجة لذلك. بطريقة ما، فإن تفرّد التجربة ساعد الفضول على التفوق على الخوف.

السبب الآخر الذي جعلني غير قادرا على إجبار نفسي على كره العلاج، هو الاعتراف بالامتياز الهائل الذي استمتعت به طوال الوقت. مع العلم أن الكثيرين، في غزة على سبيل المثال، غير قادرين على الوصول إلى مثل هذه الرعاية الصحية، أو في حالات نادرة عند القيام بذلك، فإنها تأتي مع محنة لا يمكن تصورها. يعمل أطباء من أجل حقوق الإنسان بجد لمحاولة تغيير ذلك، لذا أرجو النظر في دعم عملهم.

أنا أشارك قصتي، لأنني أعتقد أنه كلما زاد عدد الأشخاص الذين يشاركونهم قصصهم، كلما أصبح هذا الأمر مخيفًا بشكل أقل. إذا حصلتم على مثل هذا التشخيص، فاعلموا أنها ليست نهاية العالم. قد يكون أمر معقد، بل وإنه أمر مخيف، ولكنه أيضًا فرصة. فرصة للتعرف على أنفسكم بشكل أفضل، للتعلم عن أنفسكم أنه لا يوجد شيء لا يمكنكم التغلب عليه. كما أنه يفعل المعجزات في إعادة اكتشاف الصداقات والتكريس لأحبائكم، وتقديركم الخاص لهم.

وبذلك، أكون قد تخلصت من دونالد واحد، ولأبقى مع الآخر.

وهذا مكرس لطبيبي الجرّاح:

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.