آخر رد فعل على تصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حول دور البولنديين في إبادة أكثر من ثلاثة ملايين يهودي خلال الحرب العالمية الثانية، إلى جانب التوضيحات التي أصدرها بعد إصرار من رئيس الوزراء ماتيوس موراوييكي عشية انعقاد لقاء مجموعة “فيزيغراد” في القدس، يثير، وبقوة متجددة، مسألة مدى استعداد القادة الإسرائيليين على التنازل عن المبادئ الأساسية للبلاد من أجل تعزيز ما يعتبرونه مصالح الدولة. هذه القضية ليست جديدة: لقد صاحبت قرارات إسرائيلية على الساحة الدولية منذ عقود. اليوم، ومع ذلك، فإنها تهدد بالهجيان مرة تلو الأخرى، ويبدو أن إسرائيل تتخلى عن التزاماتها التاريخية وقيمها الأساسية لصالح مكاسب قصيرة الأجل (غالبا ما تكون مشكوك فيها).

يدور الجدل الدائر بين الذرائعيين الذين يجادلون بأن المصالح المركزية لإسرائيل تتطلب التكيف مع الظروف المتغيرة (في بعض الأحيان على حساب القواعد الإرشادية) وبين أولئك الذين يصرون على أن الرؤية الأساسية للبلاد هي المساواة والعدالة والسلام، وفقا للمعايير اليهودية والعالمية على حد سواء – كما وضعت بعناية في إعلان استقلال إسرائيل – هي بمثابة بوصلة مؤكدة للسعي وراء مصالحها البراغماتية. على مر السنين، اكتسبت النظرة الواقعية للسياسية انتشارا على حساب بديلها القائم على القيم، مدعومة بالادعاء المشكوك فيه أن أي شيء يقوي إسرائيل في أي لحظة هو مبرر أخلاقيا بطبعه. قد يكون هذا النهج يجرد إسرائيل من سبب وجودها الأساسي. فقط الرغبة في التعلم من التجربة السابقة قد توقف هذا الاتجاه وتساعد على إعادة تلك القيم التي مكنت إسرائيل من البقاء والازدهار في مجتمع الأمم على مدى السنوات السبعين الماضية.

بنيت إسرائيل على رماد المحرقة بهدف توفير ملاذ آمن لليهود وبناء مجتمع لائق لجميع مواطنيها. ومع ذلك، ففي منتصف السبعينيات، بعد أن قطعت جميع الدول الأفريقية تقريبا علاقاتها مع إسرائيل، تحول مهندسو السياسة الخارجية الإسرائيلية إلى جنوب إفريقيا لموازنة أكبر كارثة دبلوماسية في تاريخ البلاد. منذ البداية، خلقت هذه الخطوة معضلات أخلاقية لإسرائيل. يستند نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا على النظريات العنصرية جدا التي هي لعنة للتقاليد التاريخية التي بنت إسرائيل. لقد ندد الزعماء الإسرائيليون مرارا وتكرارا بأيديولوجيته. كان للقيادة البيضاء في ذلك الوقت تاريخ طويل من معاداة السامية. لكن الدولتين المحطمتين تشتركان في مصالح مشتركة معينة (الحاجة إلى إقامة شراكات اقتصادية متنوعة، والقلق من تنامي النفوذ السوفييتي، والبحث عن أسلحة متطورة)، إلى جانب الخوف من تزايد العزلة دوليا.

تم تكريس جهود هائلة لترسيخ العلاقة بين إسرائيل وجنوب إفريقيا، وتبريرها جزئيا كوسيلة لحماية الجالية اليهودية المزدهرة في جنوب إفريقيا. تم إبرام اتفاق شامل خلال الزيارة الرسمية لرئيس الوزراء جون فورستر إلى إسرائيل في عام 1976، والتي بلغت ذروتها في مراسم وضع إكليل من الزهور في ياد فاشيم. إن صورة هذا اللا سامي المعروف (الذي كان مسجونا خلال الحرب العالمية الثانية بسبب أنشطته المؤيدة للنازية) جلبت إلى رئيس تناقض صارخ بين المراسي الأساسية لإسرائيل وسياساتها الفعلية.

بالرغم من الضجة التي نجمت عن ذلك (والتي شملت استقالة المدير العام لوزارة الخارجية آنذاك، البروفيسور شلومو أفينيري)، فقد عمّقت إسرائيل علاقاتها مع جنوب إفريقيا، ولم تلتزم إلا متأخرا بأصوات المنتقدين الداخليين وانضمت إلى العقوبات الدولية المفروضة على جنوب أفريقيا عشية سقوط الحكم الأبيض. لا تزال دروس هذه المغامرة غير الحكيمة تُسمع من جديد. لا يمكن لأي قدر من العقلانية أن تفسر تعاون إسرائيل مع حكومة عنصرية صارخة، ولم يتم الترويج لأي مصالح إسرائيلية حاسمة في هذه العملية. ظهرت إسرائيل مع صورة ملطخة ظلت تطاردها لسنوات – وبالتالي تعوق أيضا الهدف المهم المتمثل في استئناف العلاقات الدبلوماسية مع معظم البلدان الواقعة جنوب الصحراء الكبرى. كانت الرسالة واضحة: كانت التكلفة العملية لتداعيات التباعد عن المبادئ الأساسية أكبر بكثير من أي فوائد قصيرة الأجل قد تكون مستحقة من هذه الروابط.

قد يبدو أن العلاقة الوثيقة بين ما هو صحيح أخلاقيا وما هو جدير بالاهتمام كان سيتم فهمها إلى حد كبير في هذا المنعطف (في الواقع، فإن نهاية الحرب الباردة، الفرص الاقتصادية الجديدة، وإتفاقية أوسلو، جميعها فتحت العديد من الأبواب لإسرائيل في السنوات اللاحقة). لكن مع تقدم الوقت، تم نسيان الدرس العميق من التجربة مع جنوب أفريقيا بشكل منهجي. جاءت أولى نتائج ذلك النسيان مع توسع العلاقات الأمنية مع الأنظمة الديكتاتورية والقمعية في جميع أنحاء العالم (بما في ذلك على وجه الخصوص ميانمار، إريتريا، تشاد، والعديد من جمهوريات آسيا الوسطى). لكن هذه الأمور تحولت إلى فيضان حقيقي في ظل حكومة نتنياهو الحالية.

إن التحول نحو مجموعة” فيزيغراد” هو مثال رئيسي علل ذلك الفيضان. كان ينظر في البداية إلى تعزيز العلاقات مع بولندا والمجر وسلوفاكيا والجمهورية التشيكية كوسيلة لكسر إجماع الاتحاد الأوروبي على المسائل المتعلقة بإسرائيل وفلسطين. لكن منذ ذلك الحين، نمت لتشمل قضايا مثل دعم الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وحدها والنضال ضد التحركات الإيرانية في الشرق الأوسط. لقد عززت سلسلة من التطورات العلاقات بين إسرائيل وهذه الدول الأوروبية الوسطى، مما أدى إلى زيارات متبادلة (والتوقف في ياد فاشيم دائما) والآن قمة في إسرائيل.

ولكن هنا، مرة أخرى، لم تكن هذه الاعتبارات البراغماتية المباشرة قادرة على تخفيف التحديات الأخلاقية التي ينطوي عليها الأمر. لقد أوجدت هذه الاعتبارات روابط بين إسرائيل – التي تفتخر باستمرار أنها الديمقراطية الوحيدة في المنطقة – وأنظمة بالتأكيد غير ليبرالية واستبدادية جديدة، والتي في أحسن الأحوال، تحتفظ ببعض مظاهر المنافسة الانتخابية. لا يمكن للتحالف الهادف لإسرائيل مع هذه الحكومات إلا أن يثير تساؤلات حول قوتها الديمقراطية والتزامها تجاه الروح الديمقراطية. إذا لم يكن ذلك كافيا، فإن هذه الدول تقودها أحزاب سياسية قومية للغاية تمتلك سمات فاشية جديدة وجذور معادية للسامية بشكل واضح. لا يمكن التوفيق بسهولة بين علاقة بزعماء مثل فيكتور أوربان، أندريه بابيس، أو ماتيوس موراويكي، وبين التزام إسرائيل بحماية إرث الماضي وحماية المجتمعات اليهودية التي تعاني من تهديدات جديدة معادية للسامية. توفر التحركات البهلوانية اللغوية التي يقوم بها نتنياهو وأنصاره محاولات ضعيفة لتغطية الفراغ الأخلاقي المتنامي.

كثير من الإسرائيليين، ومعظمهم من المعارضة (بما في ذلك يئير لبيد، آفي غاباي، وتامار زندبرغ) أشاروا باستمرار إلى التناقضات التي ينطوي عليها الأمر. لقد انضم إليهم العلماء والصحفيون والناجون الذين يتحسرون على فقدان أي حساسية تاريخية من جانب قادة إسرائيل ولا يزالون غير مقتنعين بالأهمية الكبرى لتكوين علاقات مع هذه الحكومات. يجب أن يكون هناك سبب ساحق لخلق مثل هذه الفجوة بين قيم إسرائيل وأفعالها، ليس فقط في هذه الحالات، ولكن أيضا فيما يتعلق بعلاقات إسرائيل الحالية مع إدارة ترامب. إذا لم يكن هناك سبب، فإن هذه السياسات تصبح في أحسن الاحوال ساخرة وفي أسوأ الأحوال منافقة.

التداعيات عظيمة جدا. في المقام الأول، فإن هذه التحركات تتغاضى بشكل غير مباشر عن معاداة السامية إذا جاءت مع دعم السياسات الإسرائيلية الحالية، مما يقلل من التحديات المعاصرة لمعاداة السامية والمخاطر التي يخلقها المحرضون عليها. ثانيا، فإنها تخلق إلتباس حول الطبيعة العنصرية لمعاداة السامية مهما كان نوعها. ثالثا، لا تترك مثل هذه الخطوات مجالا للاختلاف المعقول مع السياسة الإسرائيلية، مما يضع دعم جدول أعمال الحكومة الحالية فوق كل القيم الأخرى. رابعا، إنها تؤثر سلبا على وضع المجتمعات اليهودية في عدد متزايد من البلدان. خامسا، يمكن بسهولة أن تأتي بنتائج عكسية (مثال على ذلك هو انسحاب رئيس الوزراء البولندي من القمة المرتقبة هذا الأسبوع). وأخيرا، قد تؤدي هذه السياسات في النهاية إلى تقويض شرعية إسرائيل من خلال استبعادها من مجتمع القيم الديمقراطية الذي دعمها دوليا منذ إنشائها.

إن هذه الأعمال التي تقوم بها قيادة إسرائيل الحالية لا تقل عن الفظاعة. حتى لو كان من الممكن تفسيرها جزئيا باعتبارات انتخابية، فإن هذه أيضا لها حدود (يلعب نتنياهو الآن بشكل صريح بالنار، آملاً بأن لا يحترق). لكن الأضرار التي نتجت من العملية على مستقبل إسرائيل هائلة. إن البلد الذي لا يفتخر بأصوله والقيم التي أدت إلى نشأته يفقد بسرعة اتجاهه الأخلاقي. بدون إعادة تأهيل تكامل القيم والمصالح بوعي، يمكن أن يؤدي هذا المسار بسهولة إلى النسيان – هذا النسيان هو هو سبب آخر، قد يكون مركزيا، لتغيير المسار قبل فوات الأوان.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.