القدس، المدينة التي تقع في أكثر التقاطعات إزدحاما على أهم دروب التاريخ وتتمتع بموقع جغرافي مثالي، حيث يتوجب على الجيوش التي تحلم بالهيمنة على العالم بعبورها. في كل مرة تنشأ إمبراطورية جديدة في القدس، تتحول المدينة العريقة إلى دمار وتندثر معالمها. بعيدا عن كونها “مدينة السلام”، إلا أنها لا تزال مدينة مصدوعة ومقسمة، مرددة التشرذم الموجود داخل جميع البشر. وتعلمنا تلك المدينة الشامخة أنه في كل مرة تبدو حياتنا مدمرة ومنكسرة من أساسها، يمكن إحياءها وتقويمها من جديد وعلى الحياة أن تستمر.

كما جاء في المقطع الأخير من اسم المدينة “جيروسالم” (سالم)، معنى الكلمة الساميّة والتي تشتق من ذات الجذر ككلمة “إسلام”، هو “إصلاح ما قد كسر” أو “جعل الشيء كامل وتام”. الكلمة ترمز على عملية شفاء بطيئة تسمح بإصلاح ما كُسر؛ ورغبة تواقة للشفاء والنهضة والتي توجد داخل كل منا.

لدى جميعنا تصدعات وانكسارات في حياتنا. أشياء كثيرة في الحياة تؤثر علينا وتحبطنا بطرق غير متوقعة. طوائف ومجموعات مثل تنظيم “داعش” تستغل رغبة الناس الطبيعية بالشفاء من خلال تقديم حل متجانس وسريع. بدلا من تضميد الجراح، اسلوبهم يخلق وحش فرانكنشتاين، خليط من أجزاء ميتة؛ بلبلة ودمار. اسلوب يحاول المتطرفون عبره تفطير اتباعهم من الإنكسار الطبيعي داخل أنفسهم إلى كبش فداء خارجي يجب التضحية به وتدميره من أجل القضاء على كل مشاكل العالم التبشيرية في عهد المسيحية والخلاص للاوتوبيا.

مفهوم “العقلانية الطبيعية” ليست إلا مسألة منظور؛ الحقيقة هي أن للبشر درجات متفاوتة في الجوانب النفسية، الروحية أو الإجتماعية. أذكر أني قرأت مقالا في مجلة طبية قبل سنوات، حيث حدد باحث نفسي مسح دماغ على كونه ينتمي إلى “قاتل مختل اجتماعيا”. والذي اتضح أنه مسحا لدماغه الخاص.

هناك نوع من الفنون يدعى “Kintsukuroi ” والذي يتعلق بإعادة بناء الفخار العادي والبسيط، والذي يتم تحويله إلى تحف فنية رائعة كما يتم اعادة تركيب القطع المكسورة بإستخدام الذهب والمعادن النفيسة الأخرى التي تشدد على جمال الإنكسار. يلهم هذا النوع من الفنون العديد من الإستعارات حول وضع الإنسان. جميعنا كالطين، تشكلنا جميعنا بشكل فريد من نوعه كالفخار. كما هو الحال مع كل شيء محطم، القطع المكسورة في كل منا فريدة من نوعها ومختلفة، ولا يمكن لوعائين أن ينكسرا بشكل مماثل.

الفكرة العامة، أننا جميعنا “مخطئون” ويجب أن نكفر عن خطايانا الموجودة داخل العديد من الديانات في العالم. مع ذلك، الشفاء الذي غالبا ما يدعى “بالتوبة” و”الخلاص” يتطلب عملية تدريجية تستغرق وقتا وتتطلب عمل جذري داخل نفس المرء. الا ان الطوائف والجماعات المتطرفة تحلم بتوفير حلول سريعة لحالة انكسارها الطبيعي من خلال تقديم طرق مختصرة التي لا علاقة لها بالطبيعة او بالخلاص.

ليست هناك حلول سريعة ومطلقة للشفاء. نعم، اذا كانت هناك مشكلة، فمن الطبيعي أن تكون هناك حالات انكسار، ولكن على كل منا العمل على معالجتها لوحده. يمكننا أن نتلقى الإرشاد أو التوجيه من الجانب الآخر، ولكن علينا أن نبذل الجهد بأنفسنا. محاولة اختصار العملية عن طريق ما هو سيء أو عن طريق تدمير الذات هو ضربة عبثية.

مع مرور الوقت، عندما نكبر ونبلغ سن الرشد يبدأ انكسارنا واحباطنا بالتطور أكثر نفسيا وفكريا. هذا الإنكسار والإحباط وكيفية تأتيره علينا خلال تلك المرحلة الهشة من الحياة هو ما سيحدد طريقة رؤيتنا للعالم وما سيهند تصرفاتنا لمدى العقود التالية. في هذا العمر الحيوي تكون حساسيتنا وتسرعنا في ذروتهم، الأمر الذي يشكل سببا اساسيا لكون معظم المجندين في الطوائف والجماعات المتطرفة مثل “داعش” تتراوح أعمارهم بين 15-25.

الكثير منا واجهوا المخاطر والعواقب الوخيمة بعد محاولة اختصار الحلول. غالبا ما ندمر جهودنا بانفسنا عندما نتسرع. نادرا ما يأتي التقدم بسرعة أو بسهولة؛ إنه يأتي مع جهد وتفكير ومعرفة وبصيرة ومثابرة. متطرفون مثل داعش، يستغلون نفاد صبرنا الطبيعي ويعززون تفاهات متل الطغيان لعبادة الله. لو ارادنا الخالق كاملون، لكان قد خلقنا على هذا النحو.

هناك، ومع ذلك، حلا، وإن لم يكن بسيطا. علينا أن ندرك أننا جميعنا نملك المشكلة الطبيعية ذاتها. يمكن تجسيد تلك المشكلة كأنها حالة من الإنكسار موجودة في صميم كل إنسان، وهذا ما يجعلنا بشرا. هناك العديد من العوامل الخارجية التي تساهم في تشكيل هذه الشعور: تأثير التربية والحالة الإقتصادية,الإجتماعية, الدينية والسياسية. النتيجة ستكون وفقا للطريقة التي اخترناها في سبيل تحقيق الشفاء. اما محاولات الخلاص من خلال مهاجمة الآخرين هي مثل محاولة إصلاح كسر جسدي عن طريق إحراق المشفى. الطريقة الطبيعية هي أن ننظر في أعماق أنفسنا والبدء في عملية شفاء من الداخل.

يعلمنا القرآن الكريم أن ادوات الاصلاح الذاتي موجودة داخل كل شخص منا والتي تمكننا من السير في أي من الإتجاهين. بامكاننا العثور بداخلنا على الأدوات للنجاح او الفشل ، للطف وللإساءة. العوامل خارجية والتي من شأنها أن تؤثر علينا بشكل لا محال, دائما موجودة. ولكن، طريقة الرد عليها هي مسألة اختيار. مسألة تقع كليا بأيدينا. مثل طرق القدس المختلفة، هناك العديد من المسارات إلى الشفاء.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.