تعود فكرة تأسيس الطائفة الدرزية إلى بداية القرن العشرين حين حاول ابن أبو سنان الشيخ عبد الله خير تأسيس ما عرف حين ذاك بالمجلس الدرزي. اعتمدت فكرة الشيخ عبد الله إلى تأسيس مجلس سياسي يضم ممثلين عن جميع القرى الدرزية في البلاد يقوم بمعالجة قضايا الطائفية المهمة ومتابعتها أمام سلطات الانتداب الإنجليزي. واضح بأن الشيخ عبد الله قد تأثر في برنامجه من المؤسسات اليهودية – الصهيونية التي أقامها اليشوف حين ذاك في فلسطين، ونجاح هذه المؤسسات في تحقيق إنجازات كبيرة على أرض الواقع كاستيعاب اليهود الجدد، والاستيلاء على الأراضي من العرب والتي يكللها طبعًا نجاح الطرف الإسرائيلي في الصراع على فلسطين وتأسيس دولة أسرائيل عام 1948.

محاولة تأسيس الطائفة فشلت حين ذاك، وذلك لعدة أسباب من أهمها غياب طبقة مثقفة تستطيع تقبل إدارة الطائفة بحسب معايير حديثة. الشيخ عبد الله كما هو معروف كان من المثقفين القلائل الذين اطّلعوا على التغيرات الحاصلة في ظل الانتداب البريطاني، ولربما كان الوحيد الذي حاز على لقب جامعي خلال تلك الفترة بعد أن أنهى دراسته في جامعة بيروت. مثل هذا العائق غير موجود اليوم، بل على العكس تمامًا تتحلى الطائفة بشريحة أكاديمية متفوقة في مجالات مختلفة، ونخبة متعطشة لمشروع يخدم تنظيم وتأسيس الطائفة على أسس ديمقراطية نزيهة.

سبب أخر أدى إلى فشل محاولة الشيخ عبد الله خير هو حقيقية كون الأغلبية الساحقة من أبناء الطائفة حين ذاك من رجال الدين وعدم استعدادهم لمواجهة التغيرات الاقتصادية والسياسية خلال فترة الانتداب من خلال مفاهيم وأساليب غير تقليدية. مثل هذا العائق غير وارد في يومنا لأن الجميع يفهم، بما فيهم رجال الدين والمحافظين من بيننا، بأنه لا يمكن مواجهة التغيرات الجذرية في محيطنا وعلى كلا الساحتين المحلية والإقليمية وفي المجالات المختلفة من خلال أساليب تقليدية، ناهيك عن أن الأغلبية الساحقة لا تبحث عن حلول لقضاياها من خلال هذا المنظار.

بناء عليه يمكننا الادعاء بأن هنالك إجماع كبير وواضح حول الحاجة الماسة إلى عملية تأسيس للطائفة الدرزية في البلاد، وتحديدًا عند الأغلبية الساحقة التي تضع نصب أعينها المصلحة العامة للطائفة والحفاظ عليها ككيان ثقافي وديني مستقل فوق أي مصلحة أخرى، في حين أصبح واضحًا أيضاً بأن تكون أولى محطات هذا التأسيس هو بناية وتعزيز مكانة المجلس السياسي للطائفة الدرزية ليصبح الممثل الشرعي والحقيقي لأبناء الطائفة الدرزية في البلاد.
العمود الفقري لمثل هذا المجلس هم بالطبع رؤساء المجالس المحلية الدرزية. هذا الادعاء المتكرر لا ينبع من القرابة العائلية بيني وبينهم، وإنما في حقيقية كونهم ممثلي جمهور انتُخبوا بشكل مباشر من قبل المواطنين في قرانا والذين يشكلون معًا أبناء الطائفة في البلاد. في حين من المرغوب ضم ممثلين لهذا المجلس عن قوى جماهيرية واجتماعية أخرى تمثل أوساطًا مميزة داخل الطائفة، كدروز شفاعمرو والرامة، قوى نسائية فعالة وممثلين عن المجلس الديني وإلخ.

للمجلس السياسي أهمية من الدرجة الأولى في تمثيلنا أمام السلطة المركزية ومؤسسات الدولة في كل ما يتعلق من حقوق وواجبات، وبهذا نقلد إلى قدر كبير الهيئات والأطر السياسية التي قامت في الماضي من أجل تمثيل مجموعات ثقافية وأقليمية مشابهة. أضف إلى ذلك حقيقية أن السلطة المركزية لا تستطيع أن تتجاهل مثل هذا المجلس لأنه يستمد شرعيته من كافة أبناء الطائفة، ناهيك عن الحقيقية بأن مثل هذا المجلس يستطيع الحصول على الكثير من الحقوق والمنح المالية لتسعى بنا قدماً في تطوير قرانا والبنية التحتية فيها.

لمثل هذا المجلس دور هام جدًّا ولا سيما في مراقبة عمل وخدمات المؤسسات الحكومية في قرانا، كالوقوف كالحارس الأمين على أي تقصير من قبلها؛ الأمر الذي سيلزم مثل هذه المؤسسات بتقديم خداماتها على أحسن وجه والإسراع في سدّ الفجوات في مواضيع جماهيرية بيننا وبين الأغلبية اليهودية. بالإضافة إلى ذلك، لمجلس من هذا النوع دور كبير في التصدي لمحاولات جديدة في الاستلاء على الأراضي التي بملكية قرانا، وعليه يستطيع التصدي لمشاريع سلطوية هدفها المسّ بما تبقى لدينا من مخزون قليل لمستقبل أولادنا وإمكانية تطورنا كمجموعة ثقافية-ودينية في السنوات المقبلة.

في غياب أطر طائفية جامعة يصبح المجلس السياسي المرجعية للانتماء وللتقدم وللحفاظ علينا كمجموعة ثقافية ودينية وعدم تحولنا في المستقبل إلى أفراد منعزلين يعيشون على قمم الجبال. يتمثل مثل هذا الدور من خلال نشاطات ثقافية وتربوية جامعة ومهرجانات رياضية. من ناحية أخرى للمجلس دور أول في تحدي لظواهر مزعجة وخطرة تشكل خطرًا على الطائفة وكيانها كالإجرام المنظم في جزء من قرانا، هجرة العائلات الشابة إلى المدن اليهودية وغيرها.

أبناء الطائفة يتعقبون عن كثب التحركات الأخيرة على مستوى رؤساء المجالس المحلية وتحديداً منذ الزيارة الأخيرة لمقام سيدنا شعيب، ويتمنون بشغف الاستيقاظ على خبر إعادة عمل منتدى السطات الدرزية كخطوة أولى اتجاه تأسيس الطائفة الدرزية في البلاد.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.