منذ رحلة وادي نابا قبل عامين، لقد اهتممت بشكل هاو بالنبيذ، قرأت كتبا عن النبيذ. وغالبا ما أشرب الكثير من النبيذ المنتج محليا، حيث هناك الكثير منه في إسرائيل: 35 مصنع نبيذ تجاري، وما يقارب 250 مصنعا صغيرا للنبيذ، وخمس مناطق لزراعة أشجار العنب الفريدة من نوعها.

في الآونة الأخيرة، عندما فكر أحد الأصدقاء المقربين بالدخول في صناعة النبيذ، دعاني للإنضمام إليه في زيارة إلى مستثمرين محتملين. لم أسأل الكثير من الأسئلة، وكانت الرحلة ذريعة لطيفة للخروج من تل أبيب. فقط بعد عبور نقطة تفتيش تابعة للجيش الإسرائيلي أدركت أن صديقي يأخذني إلى الضفة الغربية المحتلة.

وصلنا مصنع طوره للنبيذ. حيث، في حين تفحص صديقي صاحب تفكير رجال الأعمال للآلات، خضت وحيا حول تربية العنب الشبيه بإهتداء بولس على طريق دمشق عندما تذوقت شراب “ماونتن بيك”، مزيج من النبيذ الغامق مركب من 56٪ كابرنيه سوفنيون، 32٪ ميرلو، 7٪ كابرنيه فرانك و 5٪ بيتيت فيردو، مع نكهات من الفلفل والتوت والكاكاو. على الفور، أدركت أنه كان ولا يزال أروع نبيذ شربته؛ تجربة تذوق فنية ومؤثرة. التناقض القاسي لذلك اليوم تركني في معضلة أبيقورية وأخلاقية، عالقا بين النبيذ الرائع وضميري.

تأسس مصنع طره للنبيذ في مستوطنة ريخيليم قرب مدينة نابلس عام 2003 من قبل الزوج والزوجة ايرز وفيرد بن سعدون، وتغطي كروم العنب الخاصة به 200 فدانا من التلال على ارتفاع 850 متر، وينتج 56,000 زجاجة سنويا من عدة أصناف، جميعها معتقة لفترة لا تقل عن 20 شهرا في خابيات فرنسية جديدة، ولفترة أطول في الزجاجة. لقد فازت شركة طره بأكثر من 30 ميدالية إسرائيلية ودولية.

تم تأسيس مستوطنة ريخيليم التي يقطنها نحو 70 عائلة يهودية أرثوذكسية في عام 1991، عندما قامت 25 امرأة بالتخييم تظاهريا بين عشية وضحاها على التلال الفارغة حيث قتلت مستوطنة يهودية زميلة في هجوم إرهابي. تحولت الليلة الى أسبوع، ثم شهر، ثم تطورت إلى تأسيس تلقائي لبؤرة استيطانية غير قانونية. استمرت ريخيليم في الوجود بشكل غير قانوني لأكثر من 20 عاما، حتى عام 2012، عندما قاد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قرار اللجنة الوزارية لتقنينها رسميا.

جميع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، بحكم طبيعتها المجردة من وجودها، وبغض النظر عما إذا تم أو لم يتم الإعتراف بها من قبل دولة إسرائيل، تنتهك القوانين والأعراف الدولية (قرار الأمم المتحدة رقم 242 الدولي وقرارات مجلس الأمن الدولي 446، 452، 465، 471، و476، واتفاقية جنيف الرابعة، ولوائح لاهاي لعام 1907، وغيرها), التي تحظر الإستيلاء على الأراضي والمياه والموارد الطبيعية من قبل قوة الإحتلال، فضلا عن نقل المواطنين إلى الأراضي المحتلة. كما ينتهك الإحتلال الإسرائيلي القوانين الدولية لحقوق الإنسان بقدر ما تنفي اسرائيل مواطنة الفلسطينيين، والعديد من حقوق الإنسان الأساسية، حيث خلقت نظاما مستقلا، وقانون غير متكافئ للفلسطينيين في الضفة الغربية. لما يقارب 50 عاما، اضطهدت السياسات التمييزية للحكم العسكري الإسرائيلي في الضفة الغربية حياة الفلسطينيين وعززت نمو المستوطنات اليهودية.

منذ الإستيلاء على الضفة الغربية في عام 1967، كانت الزراعة الإسرائيلية وسيلة للإستيلاء، معززة من سيطرتها واستغلال الأراضي الفلسطينية من أجل الربح؛ تسيطر هذه الصناعة على 23,000 دونم من أراضي الضفة الغربية. كجزء من عملية طويلة الأجل واستراتيجية ممولة تمويلا جيدا مدعومة من قبل الحكومة ومنفذة من قبل المستوطنين، تستخدم دولة إسرائيل طريقتين مركزيتين للإستيلاء على أراضي الضفة الغربية، “غسلها” على نحو فعال للإستخدام اليهودي القانوني: أوامر مصادرة عسكرية وإعلانها “كأراضي دولة”. هدف إسرائيل هو إقامة الحقائق على أرض الواقع التي تزيد أرباح إسرائيل من هذه الأراضي وإقامة “ملكيتهم” بحكم الامر الواقع، قبل أي مفاوضات سلام مستقبلية.

كيهودي ليبرالي وصهيوني الذي يؤمن بالمساواة في الحقوق والديمقراطية والحرية، ويعمل بنشاط ضد الإحتلال والعنصرية، لدي حجة قوية لعدم شراء نبيذي المفضل، وبالتالي معارضة الأعمال الإستيطانية. حركات مثل حركة المقاطعة وسحب الاستثمار ومبادرة الإتحاد الأوروبي لتصنيف منتجات المستوطنات قد أشاعت فكرة المقاطعة كوسيلة للإدانة ولممارسة الضغط السياسي والمالي على إسرائيل.

ولكن هنا المشكلة: ما زلت غير متأكد 100٪ أنه من الخطأ أخلاقيا شرب النبيذ. وحتى لو أقاطع نبيذي المفضل لأنه هو الشيء الصحيح الذي ينبغي عمله، هل سيغير ذلك شيئا؟

نبيبذ “ماونتن بيك” هو الشيء الذي يجلب لي لحظات متعة حقيقية. أليس هذا سببا كافيا لشراءه والاستمتاع به؟ الفيلسوف اليوناني القديم أبيقور قال أن كل ما يجلب السعادة في الحياة هو ما ينبغي ان يعتبر “جيد”. كتب فيلسوف القرن الـ -17 اليهودي باروخ شبينوزا، “لا يوجد قانون طبيعي، لذلك يمكن أن يكون هناك أي صح أو خطأ”. يعتقد فريدريك نيتشه أن قوة الإرادة هي أعلى ميزة بشرية؛ ومن المحتمل أن يشيدني لشرب نبيذ ملطخ بالدماء وعدم الاكتراث. الفيلسوف الماركسي الجديد سلافوي جيجك، من ناحية أخرى، بالتأكيد قد يدين شرب نبيذ الضفة الغربية وكوفي ستاربكس أو أي منتج من الاضطهاد الرأسمالي الفاسد في جميع أنحاء العالم.

عندما طرحت قضية النبيذ الأخلاقية لصديقي المستثمر المحتمل، قال شيء مثير للإهتمام، “إذا اشتريت اشياء فقط من الشركات التي تتفق تماما مع سياساتها وممارساتها، فلن تشتري أي شيء”. انه محق، وحتى يمكن للشخص أن يبالغ اكثر مع هذه الحجة.

يبدو أنني والكثير من الناس بالفعل، على استعداد وقادرون على الفصل بين منتجات رائعة وأفكار أو أعمال فنية وأخلاقية الاوضاع، والأعمال التجارية أو الناس الذين يقفون وراءها.

وودي آلن، في رأيي، هو واحد من أعظم المفكرين والمخرجين في التاريخ. كما انه كان على علاقة جنسية مع ابنة زوجته المراهقة، الذي تزوجها لاحقا. ولكن هذا لا يمنعني من شراء تذاكر لأفلامه. خان الدكتور سوس زوجته في حين كانت تعاني من مرض السرطان. وكان مارتن لوثر كنغ الابن زاني. مرسيدس بنز، بي ام دبليو وفولكس واجن جميعهم استخدموا سخرة اليهود خلال الحرب العالمية الثانية. توماس جيفرسون وجورج واشنطن امتلكوا عبيدا. ويتم إنتاج الأيفون في ظل ظروف مشكوك بها في المصانع الصينية. رومان بولانسكي، مخرج عالمي شهير آخر، اعتقل وسجن لتخدير واغتصاب فتاة تبلغ من العمر 13 عاما في منزل جاك نيكلسون في عام 1977، قضية لا تبدو أن اقلقت أكاديمية فنون السينما، وجوائز غولدن غلوب، وجوائز بافتا وعدد لا يحصى من المهرجانات التي احتفلت به مع عشرات من الجوائز.

إذا تألف العالم الأخلاقي من الأبيض والأسود فقط، وحاولت تصفية الشعب أو المنتجات التي أقل من “نظيفة” ومعصومة، من يخسر حقا؟ مع ماذا سوف تبقى؟ سيكون من المستحيل النجاح في مسعى كهذا. امر لطيف ان تقوم بالتبشير، لكننا نعيش في عالم عملي. قليلة ومتباعدة هي المنتجات التي تكون 100٪ مستدامة، متحللة وأخلاقية. حتى انه كان هناك بابا الذي كان نازيا في السابق.

أيضا، أين نضع الخط الفاصل الجغرافي؟ لكل بلد في العالم بعض العيوب الثقافية أو السياسية. هل علينا مقاطعة المنتجات الجامايكية بسبب سوء تعامل الدولة مع الجنسية المثلية، المنتجات البرازيلية بسبب تخريب الغابات، والمنتجات الروسية بسبب غزو شبه جزيرة القرم والمصرية والصومالية والسودانية، المالية، النيجيرية، اليمنية والمنتجات الكينية بسبب ختان الإناث؟ اين بحق السماء، ينتهي ذلك حرفيا؟

كمستهلكين فكريين، يجب أن نكون قادرين على التعلم من الناس الذين نختلف معهم، فصل قمح فكرة معينة عن السخرية، وربما حتى استخدام منتج لا نتفق مع أصوله. إن وجد مختبر طبي إسرائيلي في الضفة الغربية علاج لمرض السرطان، هل يتوجب علينا مقاطعتها؟

مشكلة أخرى. عقوبات ومقاطعات، سواء شعبية أو حكومية، تهدف الى معاقبة والى القاء ضغط سياسي على النظام الحاكم أو الشركة لتغيير سياساتها الإشكالية. ولكن متى وأين، من الناحية التاريخية، عملت تلك المبادرات في الواقع؟ العقوبات الأميركية ضد ايران، التي أنشأت في عام 1979، وازدادت تدريجيا، لم تمنعها من بناء قدرات نووية والتي أصبحت في نهاية المطاف أداة للضغط لإسقاط تلك العقوبات نفسها. إن العقوبات التي فرضتها الامم المتحدة على كوريا الشمالية قد عزلتها بالتأكيد، ولكن بالتأكيد لم تطيح بالديكتاتوريته الموروثة. يستشهد العديد من النشطاء بالعقوبات التي وضعت في سنوات الثمانينات ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا كمثال على عزلة سياسية ناجحة، ولكن أي مؤرخ جدي قد يعترف بأن هذه العقوبات كانت عبارة عن نتيجة ثانوية للانتفاضة الشعبية الداخلية في جنوب أفريقيا، وليست المحرض الرئيسي لتغيير النظام.

من ناحية أخرى، هناك قضايا مقاطعات ناجحة لشركات تجارية. مثال شهير هو مقاطعة عام 1955 لحافلات مونتجومري التي استمرت عاما كاملا، والتي شنت تلقائيا بعد القاء القبض على روزا باركس، أمريكية من أصل إفريقي بعد رفضها التخلي عن مقعدها في مقدمة حافلة المدينة. بالتعاون مع مجتمع السود وعدد من القادة البارزين، بما في ذلك ناشط الإنسانية مارتن لوثر كينغ، تسبب الحراك بضائقة اقتصادية جدية لشركة الحافلات التجارية وقاد الى حكم المحكمة العليا الذي اقر ان فصل الجلوس كان غير قانوني.

عندما سألت فيرد بن سعدون من كروم طره للنبيذ كيف تؤثر جهود حركة المقاطعة وقانون الإتحاد الأوروبي لتصنيف المنتجات على عملها قالت: “لم تؤثر إطلاقا. لم يتبق اي مخزون من نبيذنا. لا يملك زبائننا في الولايات المتحدة وأمريكا الجنوبية أي فكرة عما هي المقاطعة”.

لذلك، أنا عالق في مأزق أخلاقي. أنا أحب النبيذ، ولكني أكره الإحتلال. أريد الإستمتاع بالحياة، ولكن لا أريد أن أكون منافقا. لايهم ماذا سوف أقرر في النهاية، هناك شيء واحد أعرفه، وهو الامر الوحيد الذي أثبتته زيارتي إلى ريف النبيذ في الضفة الغربية.

في مصنع طره للنبيذ، عرض مالكه إيرز بن سعدون منحي أنا وصديقي نظرة على كرمه، على مسافة قصيرة بالسيارة خارج حدود المستوطنة الآمنة. تساقطت الأمطار وطغى البرد غبى ذلك اليوم العاصف. مشينا في كرم يلفه الضباب، وقفت صفوف الكرمة الرطبة على سفح تل صخري متداعي في وسطه برج اسمنت قديم عسكري، حيث جلس فيه جندي إسرائيلي وحده مع بندقية قناصة – ربما لساعات، متجمدا ويشعر بملل وضجر عميق. ماذا كان يحمي بالضبط، كروم العنب؟ مستوعبا المشهد الكئيب والغريب، كنت متعاطف وغاضب على حد سواء. اموال ضرائب الإسرائيليين (وانا معهم) وموارد الجيش الإسرائيلي، وسلامة الجندي الشخصية وحياة الفلسطينيين, ضحي بها جميعا لصالح مستوطن واحد وعنبه باهظ الثمن. مثل الكرم الرطب والقاتم الطبيعة العبثية والشريرة والمثيرة للشفقة للاحتلال باكمله، الإحتلال الذي يجب أن ينتهي.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.