عندما كنت صغيرة كُنتُ أحب كثيرًا أن أبدو أكبر من سني، وأقلد الكبيرات، ونظرتي للزواج كانت عبارة عن فستان، تسريحة شعر، وماكياج.

كبرت وكبرت معي هذه النظرة الضيقة للزواج، تمامًا كما تكبر مع باقي الآنسات الصغيرات اليوم، فمن الغريب أن يتشابه حلم طفلة بنتُ أعوامٍ قليلة بحلم فتاة شارفت على العشرينات، طفولة متأخرة، الإنسان لا يكبُر إذا لم يبرح أحلام الطفولة، ولا ينضُج إذا بقي مُراهقًا.

ما زالت تُزف العديد من الطفلات اليوم، لتلد الطفلة طفلًا، طفلة لا تعرف من الحياة شيئًا إلا أن تحصل على ما تريد، وتفعل ما يعُجبُ المُجتمع، لتنال شهادة البِرّ منه.

لا أدري كيف لجيلين أن يكونا نُسخةً واحدة؟ ألا يوجد خلل هُنا؟ كيف لفتاة أن تعيش حياة أمها في ظروف وزمان وشكل حياة مختلفين؟ لماذا تُكرَّر المأساة ولا نعبأ إلا بالانتقال الميكانيكي والظاهري، بينما العقلية والفكر والتربية مع بعض الفروق الطفيفة واحدة؟

لا أرغب بالحديث عن زواج القاصرات من تحت العشرين،أو فوق العشرين بقليل فهذه آفة ما زالت تحدث وكأن لا أحد يعبأ بمخاطر حدوثها، وكأنهم يعيشون الحقبة اليونانية التي كانت تُقدم فتاة عذراء جميلة قُربانًا، هذا المجتمع يُقدم القرابين حتى يومنا هذا، يقدمها لإله الزواج الذي سيلعن ويُقبّح كل فتاة لم تتزوج بعد منتصف العشرينات. هذا المجتمع الذي ما زال يحرك المرأة والرجل كما يشاء، ويفرض عليهما من بعدهما التعاسة!
فكيف يتضارب الزواج مع الأكاديميا؟

في الوقت الذي تكبر الفتاة العربية المسلمة تجر حلمها الأبيض خلفها والشاب يجُرُّ حلمًا من نوعٍ آخر،( فأحلام الفتيات تختلف عن أحلام الشباب )، يقف الاثنان على المذبح في فترةٍ ما، في جيلٍ غضٍ يُطالَبُ الاثنان بالتخطيط لحياتهما حتى جيل ال 50، من الفتيات من تكون خطتها كالآتي: إنهاء المدرسة، عريس، زواج، إنجاب، عمل . أو الفتاة الطموحة تفكر كالآتي: إنهاء المدرسة، الالتحاق بالأكاديميا، إيجاد عمل، عريس، إنجاب.او تتزوج ثم تلتحق بالأكاديميا.

أما الشاب العربي فقد تكون خطته كالآتي: إنهاء المدرسة، إيجاد عمل، بناء بيت، عروس، إنجاب.

أو: إنهاء المدرسة، الالتحاق بالأكاديميا، عمل، بناء بيت، عروس، إنجاب.

إن الفتاة عندما تخطط لحياتها التي تنهم تفاصيلها نهمًا، ولا تحظى بفترة راحة قبل الانتقال من مرحلة إلى مرحلة أو من بند إلى بند تجد نفسها في مرحلة ما تعيش حالة من الاغتراب، فهي رتبت أولوياتها بشكل يتناسب مع مستوى تفكيرها، ولكن هذا التفكير إذا تضارب مع ترتيب المجتمع للأولويات ستقع الأنثى في صراع نفسي كانت شريكة فيه بحُسن نية، ولكنها نسيت أنها في مجتمع لا يمنح التخفيضات، وكأننا في ذلك الجهاز المليء بالأوراق النقدية المتطايرة، وعليك أن تلتقط ما استطعت منها قبل أن تنتهي حياتك في الداخل.

الفتاة والشاب اللذان خططا حياتهما بشكل سليم والتحقا بالأكاديميا سيقفان على نفس المفترق سوية، ولكن الشاب يعبر المفترق تاركًا رفيقته هناك، يتركها لأنه قد يختار فتاة صغيرة في السن لم ترَ من الحياة شيئًا بعد، ولأنه هو الذي يختار وما أسهل مهمة الاختيار، ” أشّر ودّشّر “.

عندما يتحول تأخير سن الزواج لصالح الالتحاق بالأكاديميا لعنة على الفتاة فعلينا أن نعيد حساباتنا. علينا أن نفهم أن هناك ظلمٌ ما يحدُث، شركاءٌ فيه المظلومون أنفسهم!
طفلة في سن ال 18 تشعر بالضغط من حولها وكأن حياتها ستنتهي وهي لم تبدأ بعد! لماذا؟

ما الحل؟

عندما تفرض الفتيات على الشباب انتظارهن حتى ينهين تعليمهن لن تعاني فتاة ولن تشعر بأنها رُفِست إلى ذيل المرغوب بهن في قائمة الباحثين عن الزواج، وعندما يفرض الشباب على الفتيات إكمال تعليمهن وانتظارهن حتى يفرغن من ذلك لن يعاني أحد من الطرفين !

إن المشكلة لا يمكن أن يحلها طرفٌ واحد إلا إذا كان هناك اتفاق جماعي على رفع البطاقة الحمراء في وجه الزواج المبكر، أو الزواج ” السابق للأكاديميا “، لا يمكننا الرقص في عُرسين ولا يجب أن نتوقع أن يبدع مجتمعنا ويرقى ما دام يجلد الذكر قبل الأنثى، ليعيش الاثنان حياة الكهولة في عز الشباب.

إن التفكير بالمستقبل لا يجب أن يحرم الإنسان من متعة التفكير بالحاضر، فالحاضر أولى أن نعيشه لنبني مستقبلًا يُعاش !

*من ذاكرة الفيس

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.