إذا كان الأدب العالمي يهتم بالإبداع والبحث عن آليات تعبيرية جديدة، تطور فعل الكتابة وتجعله يتماشى مع لغة العصر، فإن الأدب المغربي المعاصر يبقى بعيدا كل البعد عن الحداثة الأدبية. فهذا النوع من الأدب –المغربي- أدب تلقيدي يرتكز على التقليد الأعمى للأدب الفرنسي والأدب العربي. وقليلون هم الكتاب المغاربة الذين فرضوا أنفسهم على الساحة الأدبية الوطنية، وبالتالي نجد أن معظم الروائيين المبدعين يعيشون في الغرب وينشرون كتبهم هناك. ومن ثمة يتضح، أنه أدب المافيا والأصدقاء، ولا أدل على ذلك من احتكار مجموعة من يسمون أنفسهم أدباء لدور النشر والثقافة بالمغرب. وهذا الاحتكار يكرس مفهوم الإقصاء والتمييز في النشر، وأن معارف هذه المافيا هم من يستفيدون وحدهم من النشر، أي يقومون بنشر كتب جماعية تتركز على نفس الأسماء ليوهموا العالم أنهم الرواد والمبدعون وما إلى ذلك. بيد أن الحقيقة تقول: إنهم لا يمثلون الأدب المغربي الكبير؛ أدب شكري، وكبير عمي، وعبد الكبيرالخطيبي، وآخرون. وإنما يمثلون وحسب فئة لا علاقة لها بالأدب، بمعنى فئة جعلت منه – أي الأدب- سوقا تجاريا يبعون فيه كتبا لا تصلح لشيء.

إن الأدب المغربي المعاصر بهذا المعنى، هو نتاج لطبقة مسيطرة تسعى إلى القضاء على المبدعين من خلال تهميشهم، لتظهر هذه الطبقة في الواجهة وكأنها الوحيدة التي تمتلك قوة الكلمات والقلم. إنه أدب الأصدقاء والعائلة، إذ إن دور النشر لا تنشر إلا للمعارف والمقربون من نفس الكتاب، خاصة الصحفيين والمذيعيين التلفزيين لتبسط سيطرتها الكاملة على الساحة الأدبية المغربية. والغريب أن هذه الطبقة تعتقد نفسها فعلا رائدة الأدب المغربي المعاصر، وتحاول جاهدة إقناع القارىء المغربي أنها الفئة المميزة والأكثر قدرة على التعبير والإبداع الأدبي.

ومن بين الحقائق على ذلك، أن الكتاب المغاربة المبدعين حقا مهمشون، لاسيما الشعراء منهم. إن هذه المافيا الأدبية سيطرت على كل شيء بما في ذلك دور النشر والصحافة ومعارض الكتاب، بحيث نجد دوما نفس الأسماء في الواجهة. كما أن النقد الأدبي المغربي نقد متملق وكاذب؛ يمدح المقربين ويهمش المبدعيين الحقيقيين. مما يعني أنه نقد لا أساس له ولا قاعدة إبداعية ينبي عليها وتأطره، إنه أداة تستعملها هذه الفئة لاستمالة القارىء وجعله يشتري كتابا لا يصلح للقراءة. هو إذن، نقد عوض أن يكون محايدا وموضوعيا هدفه الأدب والإبداع الأدبي، يزيغ عن ذلك ليمجد ويمدح إنتاجات البعض بغرض النشر أو لدوافع شخصية. وعليه فإن جل النقاد المغاربة متملقون ومتزلفون، ولا علاقة لهم بهذا الميدان الذي يلعب دورا كبيرا في تطور الأدب عبر التاريخ. كما أنهم يشنون هجوما على الكتاب المغاربة المقيمين بالخارج حسدا منهم وخدمة لمصالح هذه المافيا الأدبية.

وبالبناء على ما سبق، فإن الأدب المغربي أدب القمامة بإمتياز؛ أي إنه لا يصلح لشيء ولا يهدف إلى تنوير العقول وتهذيب النفوس وكشف عورات المجتمع المنافق أصلا وفصلا. فجل القراء المغاربة يقرأون الأدب الفلسطيني والفرنسي والأمريكي واللبناني والمصري والروسي وهلم جرا، في حين أن هناك قلة قليلة من القراء السطحيين تهتم عقولهم بإصدارات هذه الفئة التي تعاني كثيرا بسبب هذا النقص الحاد في القراء. فأزمة القراءة هاته تدفع بهذه المافيا إلى التلاعب حتى بالجوائز الأدبية التي أصبحت حكرا على مجموعة من الأسماء. بالنظر إلا أنه أدب مستواه التعبيري جد ضعيف مقارنة بالأدب المصري أو اللبناني مثلا، حيث إنه ما يزال في دائرة التقليد، ويتضح ذلك في أن الكتابة الأدبية المغربية المعاصرة جلها سطحية تفتقد إلى لغة عميقة وشاعرية تتماشى مع لذة القارىء المتمرس والنموذجي، فهو أدب مستواه التأويلي محدود وأفقه الفني معروف مسبقا، مما يخلق لدى القارىء نوعا من الملل ويدفع به إلى قراءة الأدب الغربي.

لماذا هو أدب القمامة؟ لأنه، وبإيجاز، أدب يدور في حلقة مفرغة، والسبب راجع إلى أن الكاتب المغربي يفتقر إلى الحس والشعرية وجفاف في ماء العاطفة والفكر المجتمعي في الكتابة الروائية. وإن الكاتب المغربي يفكر في الشهرة أكثر من تفكيره في خلق آليات وتقنيات إبداعية جديدة خاصة به. وهذا سبب السطحية في الكتابة والتقليد المتكرر في جل النصوص، إذ نجد أن بعضا منهم يستوحي كتاباته من روايات غربية غير معروفة عند القارىء المغربي محاولا إقناعه بأنه صحاب هذا الإبداع وهذا الخيال الخصب.

وبالعودة إلى إشكالية النقد، فالنقاد المغاربة يركزون على اسم الكتاب وسيرته الذاتية وانتماءه العائلي ومعارفه وممتلكاته عوض التركيز على النص، الذي هو أساس النقد كما هو متعارف عليه عند المدارس النقدية الحديثة. وهذا راجع كما قلنا إلى علاقة القرابة أو الصداقة، فالناقد يمجد الكاتب والكاتب يمجد الناقد بحيث يحاول كل طرف استغلال الآخر لأغراض شخصية لها علاقة بالحقل الأدبي. والتملق في النقد ليس غريبا عند هذه الطبقة ما دامت الشهرة وبيع الكتب هما الهدف، فكل الطرق مشروعة بلغة ميكيافيلي. وهذه الظاهرة تجعل من تقدم الأدب المغربي وتطور آليات إبداعه أمرا صعبا. فبدون قوة النقد المحايد الذي يتبنى الإبداع كأساس له، لا يمكن للكتاب المغاربة تطوير كتاباتهم. فكل من كتب شيئا يعتبر نفسه رائد الأدب المغربي المعاصر ويعيش في هذا الوهم إلى أن يصطدم بكاتب رفيع المستوى فيجد نفسه عالة على الأدب.

إن الأدب المغربي المعاصر متخلف كثيرا عن الأدب العربي بمجمله، لدرجة أن أغلب القراء المغاربة لا يعرفون عددا كبيرا من الكتاب المغاربة بسبب إهتمامهم بالأدب الغربي والعربي. ولعل من بين الطرق التي تسعى من خلالها طبقة الأصدقاء استهداف القارئ نشر كتب جماعية ذات طابع إنساني لكسب مزيد من القراء. وهذه الطرق التي يشارك فيها كتاب أجانب، هي من الآليات التي تنهجها أيضا دور النشر لكسب مزيد من الأرباح. ومن هنا يتبدى أن أدب القمامة هذا يهدف إلى الربح وليس الإبداع. فإذا كانت دور النشر الغربية تنقب على المبدعين، فدور النشر المغربية لا تنشر إلا للشخصيات المعروفة أكاديميا أو فنينا او إعلاميا. وهذا الافتقاد إلى الحس الأدبي الإبداعي يجرد الأدب المغربي من طابعه الفني.

وعليه، فإن الأدب المغربي في حاجة ماسة إلى تطوير ذاته عن طريق تكسير هذا الاحتكار وهذه السيطرة التي تشوه سمعته الفنية. إنه بحاجة إلى نقاد متشبعين بالفكر الإبداعي والحداثي لكشف هذه التجاوزات، وفتح المجال أمام مبدعين شباب لم يجدوا من يساعدهم على النشر، ما دامت هذه المافيا هي المتحكمة. كما يجب أن تعطى الأولية للمبدعين الحقيقيين المهمشين، إن كنا فعلا نحلم بتطوير مجاله الإبداعي. علاوة على ذلك، يجب إرجاع الثقة إلى القارىء المغربي، وذلك عن طريق منحه مادة صالحة للقراءة وليس كتابا جماعيا بغرض الربح المادي. ثم إن الكتب الجماعية لا يجب أن تحمل صيغة الأدب المغربي ما دامت لا تعبر إلا عن فئة تعود القارىء على تواجدها في كل مكان وزمان. إن القارىء المغربي ليس غبيا ليشتري مادة تفتقر إلى الحس الإبداعي وتعاني من الهشاشة الخيالية. فالأدب قبل كل شيء؛ هو إبداع وحس وخيال بلغة الإنسانية وليس مجموعة ورقية للبيع.

بصفة إجمالية، إذا لم يستطع الأدب المغربي التخلص من هذا الاحتكار وهذه السيطرة، فسيظل دوما أدب القمامة والأصدقاء. مع العلم أنه على الأدب أن يساهم في رقي الشعوب والثقافات وليس في تكريس لغة الإقصاء والهيمنة والتهميش. والأدب الذي يكرس الاحتكار والهيمنة لا يمكن اعتباره أدبا، وإنما شيئا آخر لا يمس للأدب بصلة، لاسيما أنه –الأدب- مرآة الشعوب وفضاء تعبيراتها وتجلياتها الاجتماعية والنفسية والروحية، وليس سوقا للبيع والشراء كما هو الحال عند هذه المافيا التي كسرت مفهوم الأدب وجعلت منه مصطلحا فارغ المحتوى. كما أنه يجب على الباحثين الشباب محاربة هذا الاحتكار والعمل على تلميع صورة الأدب المغربي واقعيا من خلال النقد المحايد والبناء المتشبع بلغة الإبداع والحداثة والفن.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.