أخيرا اجتمعت الحكومة الإسرائيلية الرابعة والثلاثين، الرابعة التي يرأسها بينيامين نتنياهو، في نهاية الأسبوع الماضي للصورة التقليدية في بيت رئيس الدولة. في كل الصحافة العلمانية، يظهر 21 وزيرا (من ضمنهم رئيس الوزراء) بوضوح. في “يوم ليوم”، صحيفة حزب “شاس” الرسمية، تضم الحكومة 18 وزيرا فقط. تم إزالة الوزيرات الثلاثة (ميري ريغيف وغيلا غمليئيل وأييليت شاكيد) من الصورة. قد يكون هذا المثال الأكثر قبحا لما تحول إلى عادة إسرائيلية متنامية: إزالة التمثيل البشري لما هو غير مريح أو غير مرغوب أملا في أن تختفي التحديات الأساسية التي يمثلها بنفس السهولة التي يتم فيها إزالة الصور.

عدم رؤية الآخر تحول إلى أمر شائع في إسرائيل الحديثة – على الرغم من أن وسائل الإعلام تعمل لساعات إضافية وشبكات التواصل الإجتماعي تشهد نشاطا. من المفارقات أن حزب “شاس”، التي لم يظهر أي ندم على إزالة صور النساء من المجال العام، أدار حملته الإنتخابية بإسم القطاعات الغير مرئية في إسرائيل – أولئك المحرومين والضعفاء الذين يتم تجاهلهم بشكل منتظم (إن لم يكن ذلك تهميشا وإهانة) من قبل النخبة السلطوية. أرييه درعي، رئيس الحزب، حاول جاهدا إشراك مثقفين شرقيين بإسم الشفافية والسعي من أجل المساواة.

ولكنه، إلى جانب عناصر كثيرة أخرى في المجتمع الإسرائيلي، رفض علنا العرض الذي قدمه أيمن عودة، زعيم “القائمة العربية المشتركة”، لضم الأيدي في صراع مشترك لمحاربة عدم المساواة عميقة الجذور في السعي من أجل العدالة الإجتماعية. نادرا ما يتم تصوير مواطني إسرائيل العرب في المجال العام: صور من حياتهم اليومية لا تظهر على الصحافة العبرية الإلكترونية أو المطبوعة؛ نادرا ما يتم بث تصريحات لقادتهم حول شؤون تهم المصلحة العامة. حتى عندما يتم جلب مشاكلهم إلى قلب تل أبيب، فإنها تحتل موقعا هامشيا لوضعها بشكل شبه كامل في سياق الإنشقاق المدني والعنف.
وهم ليسوا لوحدهم. يشتكي الإسرائيليون من أصول أثيوبية منذ سنوات من عزلهم من التيار السائد للمجتمع الإسرائيلي: تم وضعهم في نواحي البلاد وفي أفقر الأحياء في المدن الإسرائيلية، تم عزل أطفالهم في مدارس وصفوف منفصلة، تم التقليل من شأن ثقافتهم والدوس على كرامتهم. وفقط تفجراتهم المنظمة (والعنيفة أحيانا) ضد الإهانات التي يعانون منها سمحت لهم على نحو دوري في تجاوز شفافيتهم الإجتماعية.

إن الإسرائيليين الذين يعجزون عن رؤية اليهود الأثيوبيين بينهم سيكونون عاجزين أيضا عن رؤية طالبي اللجوء الأفارقة – الذين تم نفي الكثيرين منهم إلى أقاصي النقب في حولوت وشاورنيم لضمان أن يظلوا بعيدين عن الأنظار. يتجنبون الأماكن التي يجتمعون فيها وأحياءهم المنسية. إذا نجحت كل الحكومات الأخيرة في تحقيق النتيجة التي ترغب بها، فسوف يتبدد ما يُسمى بالمتسللين تماما.

مما لا شك فيه، أكثر البعيدين عن الأعين الإسرائيلية هم الفلسطينيون في غزة والضفة الغربية (حيث تم عزل سكان غزة تماما بعد فك الإرتباط عام 2005؛ أما سكان الضفة الغربية تم وضعهم وراء الجدار الفاصل). حجوب الشيء في هذه الحالة هو أضمن طريقة لمحو التذكير الدائم بالمتاعب اليومية التي يواجها أولئك الذين يعيشون تحت الفوقية الإسرائيلية. من خلال خلق مظهر أن الفلسطينيين ليسوا جزءا من المشهد الإنساني لهذه الأرض، سيكون من الأسهل تصدير – وبالتالي تجاهل – محنتهم. قد يكون هذا هو السبب وراء المحاولة المخزية – والتي تم إحباطها وبشكل مبرر– في الأسبوع الماضي لإجبار العمال الفلسطينيين على السفر إلى منازلهم في حافلات منفصلة بعد ساعات عمل طويلة في مواقع بناء وحقول ومطابخ مغلقة داخل الخط الأخضر.

أينما تلتفت مؤخرا، هناك حالات إختفاء مع هدف من ورائها: لنساء، لمحرومين، للاجئين، لقادمين جدد، لعمال فقراء، لفلسطينيين وحتى للطبقات الوسطى. قلة من الأشخاص لديها القدرة على التقيد بمتطلبات المجتمع الإسرائيلي على كل تنوعه المعقد. في أحيان كثيرة، أكثر الناس المخفيين هو أيضا أول من يسارع في عزل مجموعات أخرى. الكثير من الناس لا يرون أي شخص آخر. في هذه العملية، بقايا ما كان مرة مصدرا للفخر الإسرائيلي، التضامن الإجتماعي فيها، يتفكك بسرعة في ضباب الرؤية الضيقة.

دائما يبدو أن هناك سبب لتجاهل مجموعة أو مجتمع معين. يتم إزالة وجوه النساء ظاهريا لأسباب دينية؛ سكان النواحي بعيدون جدا عن مراكز الحياة الإقتصادية والسياسية ليتم أخذهم بعين الإعتبار على أساس منتظم؛ مواطنو الدولة العرب، يعيشون بمعظمهم في بلداتهم الخاصة بهم وأولادهم يتعلمون في مدارس منفصلة؛ المتدينين الحاريديم يهتمون بشؤونهم فقط؛ والناطقين بالروسية يفضلون ثقافة فرعية نابضة بالحياة تقوم بتصفية الوجوه والأصوات الأخرى. يتم تمجيد التعددية الثقافية بسبب ميزة الغرابة فيها، وليس للحيوية التي تثيرها أو التسامح الذي تطلبه.

مهما كانت المبررات فالنتيجة هي واحدة: الإبقاء على قطاعات معينة بعيدة عن الأنظار هي أفضل طريقة لإبقائها بعيدة عن العقل أيضا. أولئك الذين يتم إستئصالهم من الرأي العام يتم تجريدهم أيضا بحكم الضرورة من قيمتهم الشخصية: فإذا كانوا غير مرئيين فمن المؤكد أن لا أهمية لهم. يخلق هذا التجريد من الإنسانية صورة مشوهة عنهم وعن ما يمثلونه وما يحق لهم (سواء كأفراد أو كجماعة). من خلال جعل أشخاص معينين غير مرئيين يري صانعو القرار الإسرائيليين – خاصة أولئك القائمين على وسائل الإعلام – ما يريدون هم رؤيته. فهم يقومون بتعزيز صورة منحرفة تعمل على تشويه الواقع وتضييق الخيارات. في الواقع فأن الإقصاء البصري (وبالتالي الموضوعي) يغرس شكل من أشكال العمى الإجتماعي الشاذ والضار بصورة كبيرة والذي يؤثر سلبا على كل الأطراف المعنية.

محو الآخرين يمهد الطريق أمام إنكار إحتياجاتهم ومشاكلهم وتطلعاتهم (إلا في مراحل حاسمة عندما تكون هناك حاجة لأصواتهم أو دعمهم). وهو أيضا أسلوب ناجح لتجنب مسائل عدم المساواة والتمييز والتعصب والظلم المستمر. ولكن عدم الرؤية لا يجعل هذه المشاكل الأساسية تزول. فهي ستستمر وتتفاقم حتى يتم حلها في نهاية المطاف.

ينبغي على الإسرائيليين، إذا كانوا يريدون حقا إصلاح مجتمعهم، بذل جهود متضافرة لتوسيع رؤيتهم الطرفية. لكل لقطة يرونها، عليهم أن يسألوا عن من لا يظهر في الإطار. في كل صورة تُعرض عليهم، عليهم البحث عن أولئك الذين تم تصنيفهم. وضوح الرؤية هي أفضل طريقة لفهم الواقع، وبالتالي لمواجهة التحديات التي يمثلها. ففي نهاية المطاف المجتمع الإسرائيلي يتألف من فسيفساء بشرية متنوعة يمكنها التماسك فقط إذا تم لصق كل مكوناتها بمادة لاصقة معيارية قوية.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.