التصعيد على الحدود الشمالية الإسرائيلية يتزامن مع انتخابات أخرى. توقيت المواجهات الأخيرة – التي أدت الى مقتل جهاد مغنية وجنرال إيراني ورد حزب الله الذي انتهى بمقتل جنديين إسرائيليين – هو قسم من النزاع الحزبي حول عنوان الحملة الانتخابية الحالية. السياسة والتوترات المتصاعدة مرتبطة لدرجة انه من المستحيل التفرقة بينهم في هذه المرحلة. المعضلة واضحة: يبدو انه لا يمكن مناقشة اهم المسائل في إسرائيل خلال الانتخابات؛ لم يكن لأي مسألة أخرى تأثيرا كبيرا لهذه الدرجة على نتائج الانتخابات في الماضي.

نظرا الى ان مسألة الأمن مركزية لهذه الدرجة لجميع الشؤون الخارجية والداخلية الإسرائيلية، حان الوقت للتركيز على التوجهات لهذه المسألة. ديمقراطية إسرائيل لطالما دارت حول أفكار مختلفة للأمن ونتيجة جميع الانتخابات السابقة اثرت بشكل مباشر على طريقة التعامل مع هذه الأمور. والان قبل الانتخابات ال20 في اسرائيل، الإسرائيليون منقسمون بآرائهم. هنالك ثلاثة توجهات متنافسة على دعم الجمهور.

الخطاب الأمني الإسرائيل في العقد الأخير يحكمه تيار ال”نقف لوحدنا”، الذي يعبر عنه الليكود وحلفائه تحت قيادة بنيامين نتنياهو. افتراضه الأساسي هو ان إسرائيل، المنعزلة بمنطقة عدائية، لا يمكنها ان تعتمد باي أحد غير ذاتها. مع الدعم الدولي المتقلب، كيان الدولة يعتمد أولا على قدراتها ومواردها. الاعتماد الذاتي معرف بمصطلحات عسكرية، مع حق إسرائيل بالدفاع عن نفسها ضد أي تهديد فوري او ممكن ضدها. التوجه المتشدد لهذا التيار مبني على الخوف – الذي يعبر عنه رئيس الوزراء نتنياهو بأناقة بالداخل وبالخارج.

يتم التعبير عن الوجه الاستراتيجي لهذا التيار بواسطة فكرة إدارة النزاع: الايمان التام بدوام النزاع العربي-الإسرائيلي والحاجة المرافقة له للتعامل معه بواسطة الحفاظ على الأوضاع الراهنة. مع انعدام الدعم الدولي غير المشروط، تيار ال”نقف لوحدنا” يميل الى التبشيرية التي تعزز نزعاته للتركيز بذاته.

هذه الاستراتيجية تساعدنا لتفسير الرفض المستمر للسعي لأي اتفاق مع الفلسطينيين، بالإضافة الى الإصرار على دعم المشروع الاستيطاني. ويساعد أيضا لتفسير تفضيل الحكومة الحالية لمركب اليهودية بدلا عن الديمقراطية بتعريف الدولة – مع كل ما يتضمن هذا من عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية في البلاد.

اصبح تيار ال”نقف لوحدنا” بأشد صوره مهيمنا خلال حكم نتنياهو. والان عند مواجهته لتحدي انتخابي ككبير، من غير المفاجئ انه اختار ابراز توجهه العسكري المستقل. لما يبدو انه وضع محتم الفوز بالنسبة له، تصعيد التوترات على الحدود يعزز تلك المشاعر بالضبط التي تدعم توجهه الاستراتيجي (ولهذا – كما يظهر من التجارب السابقة – أيضا يعزز مكانته في الانتخابات). واضافة على ذلك، يمكن رفض أي انتقاد لهذه الخطوات كغير مسؤول او منحاز سياسيا (او كليهما).

ولكن مع هذا، قد يكون من الصعب بهذه المرحلة اقناع جمهور مشكك – الذي لا زال بحالة الصدمة من حرب الصيف الأخير في غزة – ان حكم اخر لنتنياهو سوف يكون من مصلحتهم. خلال السنوات الست الأخيرة، تدهورت مكانة إسرائيل الدولية ووصلت العلاقات مع الولايات المتحدة ومعظم أوروبا الى حضيض جديد. تقلصت إمكانية اتفاق مع الدول المجاورة لإسرائيل. بالرغم من توعد الناطقين باسم استراتيجية ال”نقف وحدنا”، ازدادت التهديدات الخارجية ويستمر عدم الاستقرار الجسدي والاقتصادي بالنمو. وبدلا عن تقبل الخطاب السائد بخضوع، الشعب مستعد للنظر بتيارات بديلة.

قائمة حزب العمل الموسعة تحت قيادة يستحاك هرتسوغ وتسيبي ليفني بدأت بإحياء تيار “التحالف” لأمن إسرائيل، المبني على الايمان ان أمن إسرائيل وسلامتها تعتمد على المهارات الدبلوماسية بنفس درجة اعتمادها على المهارات العسكرية. هذا التيار (احياء للتيار المركزي في السنوات الأولى لإقامة الدولة) يقول ان العلاقات الدولية هي اهم الموارد الاستراتيجية لإسرائيل وانه يجب العناية بها بفائق الحساسية. هذا لا يعني علاقات انه يجب اصلاح علاقات إسرائيل مع الولايات المتحدة وأوروبا فحسب، بل انه يجب بذل مجهودا للسعر لتحالفات في المشهد الإقليمي المتقلب بشكل عام، ومع الفلسطينيين بشكل خاص.

تيار “التحالف” يتطلع الى الخارج بفكره، وواقعي جدا بممارسته. بدون تجاهل أهمية تعزيز قدرات الدفاع، يسعى لاتفاقات تحولها لغير ضرورية. النتيجة الاستراتيجية لهذا التيار هو السعي وراء الاتفاقيات الدائمة – تماما مثل الاتفاقية مع مصر في سنوات السبعين، او تلك مع الأردن قبل عشرين عاما. داعمي هذا التيار يرفضون الأوضاع الراهنة بصراحة، ويأملون لاستبداله بمنهج قد يؤدي الى مستقبل مستقر ومتساو أكثر.

في هذا التيار المنافس، الجوانب اليهودية والديمقراطية لهوية إسرائيل لديها أهمية متساوية. ولهذا السبب المسائل المحلية – وبالأخص التقدم الاقتصادي لمعظم الإسرائيليين – تعتبر مهمة تماما مثل التهديدات، التي قد تكون مبتكرة، الأخرى على حدود إسرائيل. هذا لا يلغي إمكانية الحرب عند الحاجة الماسة لها، ولكن هذا يعني انه يجب توجيه اهتمام أكبر لمشاكل الحياة اليومية للمواطنين المتنوعين في إسرائيل.

داعمي تيار “التحالف” يعانون الان تحت حمل مضاعف. في المدى القريب، هم معنيون بتحويل الانتخابات الحالية لتصويت لنزع الثقة من تعامل رئيس الوزراء مع المسائل الداخلية ولكنهم لا يستطيعون توقيف مغامراته العسكرية. في المدى البعيد، انهم يفتحون مجالات جديدة لضمان مستقبل إسرائيل، ولكنهم لا يستطيعون، بدون الحصول على الحكم، الاثبات ان توجههم واقعي. نتيجة لذلك، يبدو انهم عالقين بمصيدة مزدوجة التي يمكنهم النجاة متها فقط في حال يتمكنون من اضعاف تيار ال”نقف وحدنا”.

التيار الوسطي الجوهري لفكر المعارضة المركزية أدى الى تطور تيار اخر، “إصلاحي”. التيار “الإصلاحي” ننشأ من الادراك ان البدائل فشلت بضمان كل من الامن الخارجي او الاستقرار الداخلي. داعمي هذا التيار – الذين يقعون في يسار الخارطة السياسية، وبالأخص في ميريتس – يدعون الى تغير تعريف الأمن تماما. حسب وجهة نظرهم، الاستقرار الاقتصادي، الاجتماعي، العسكري والدبلوماسي كلها قسم من فكرة الأمان الإنساني الواسعة. لا يمكن فصل أي مركب من الباقي. وفقا لهذه النظرة، على إسرائيل ان تبذل مجهودا خاصا في الوقت الحالي للوصول الى اتفاقيات مع الدول المجاورة لها ولإطلاق سياسات شاملة أكثر لجميع مواطنيها.

كثرا ما يقول منتقديهم انهم ساذجين، “الإصلاحيين” مع هذا يبقون اقوى المنادون للتغيير في المشهد الساسي الإسرائيلي الحالي. النتيجة الاستراتيجية لهذا التيار، نظرا ليأس تيار ال”نقف لوحدنا” وعضم وضوح توجه تيار “التحالف”، تدعو للمجازفة اليوم لضمان بقاء اسرائيل كقسم هام من المنطقة في المستقبل. هذا يعني تقبل مبادرة السلام العربي مع دولة فلسطينية بمركزه، بينما يتم تطبيق سياسات اجتماعية-ديمقراطية تعزز المساواة بين المجتمعات المتنوعة في إسرائيل. مبادئ ديمقراطية، إذا، هي ما يصل بين داعمي هذا التيار، الذين يصارعون للحصول على نفوذ سياسي.

في إسرائيل، الانتخابات والمواجهات العسكرية يأتون سوية، تماما كما الأمن والسياسة عادة تعتبر وجهاد لنفس العملة. ولكن لا يوجد تفسير واحد ثابت للأمن، لمجاله ولطريقة تحقيقه – تماما كما لا يوجد تفسير واحد للصهيونية او هوية واحدة شاملة لدولة إسرائيل. الانتخابات توفر فرصة للبحث بهذه المسائل الأساسية وتحديد الأهمية النسبية لكل من هذه التيارات. ولهذا، بدلا من تجاهل هذه المسائل، من مصلحة جميع المرشحين ان يكشفوا مواقفهم للشعب بصراحة وان يدعوا الناخبين ان يختاروا. هذه هو هدف الانتخابات.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.