حكمة تقليدية تتردد في إسرائيل بقيادة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ومرددة مؤخرا من قبل زعيم المعارضة اسحق هرتسوغ، فحواها يقول: “إن الوقت لم يحن بعد للمضي قدما نحو أي حل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني”. مع ذلك، يبدو أن تعويذة “الآن ليس الوقت المناسب” لم تصل آذان صانعي القرار الدوليين الآخذين بالتزايد. حيث يتابع فرانسوا هولاند جهوده لعقد مؤتمر دولي (مبعوثه بيير فيلمونت موجود هنا مرة أخرى لإستكشاف الإحتمالات)؛ اجتمعت اللجنة الرباعية من جديد بعد وقت طويل لمناقشة هذه المسألة بالذات؛ وقد غادر نائب الرئيس الأمريكي بايدن لتوه بعد زيارة وجيزة، والتي خلالها بحث الأوضاع في إسرائيل والسلطة الفلسطينية؛ وعلى الرغم من أن رئيس الوزراء يتجنب اللقاء وجها لوجه مع باراك أوباما، أفيد أن رئيس الولايات المتحدة يزن من جديد خطوة أخرى لتعزيز حل الدولتين. للحظة كهذه والتي تبدو في غير محلها، هناك كم هائل من التحركات الدولية في الأسابيع الأخيرة.

لطالما كان الوقت عاملا حرجا، وإن كان بعيد المنال بشكل استثنائي في الجهود المبذولة لوضع حد لما أصبح واحدا من أعقد الصراعات في الذاكرة الحديثة. على مر السنين، وخاصة منذ مطلع القرن العشرين، وسعت التأخيرات المستمرة الفجوة بين خيار الدولتين (والذي ما زالت الأغلبية على كلا الجانبين متشبثة به) والآفاق الوشيكة لتحقيق ذلك.

اليوم، أولئك الذين يعبرون عن شكوكهم حول احتمال التقدم وبصرون على تأجيل آخر، يستسلمون لترسيخ الوضع الراهن مهما كان مقلقا ومدمرا. بالنسبة لهم، الآن ليس الوقت المناسب لأي مبادرة. أولئك الذين يصرون على الدفاع عن مستقبل مختلف وأفضل، يتحدثون عن الإحياء الحيوي للإجتماع من جديد. بالنسبة لهم، هذه الفترة التي يتزايد فيها العنف تمثل الوقت المناسب لبذل كل جهد ممكن للخروج من هذا المأزق المنهك. أصبح المماطلون بإسم الواقعية الصارخة المؤمنون الجدد بالقضاء والقدر؛ والمرتقبون من باب الإيمان بسلام عادل، براغماتيي الحاضر. نتيجة لعبة شد الحبل المتداولة بين المماطلين والمعجلين للمسألة، ستحدد خيارات السنوات القادمة.

بنيامين نتنياهو ومحمود عباس، لأسباب مختلفة جدا، قادا مباراة المماطلة على أمل أنها ستعمل لصالحهما. أصبح الرافضون حقا أسرى المنطق التكافلي الذي قاموا بصنعه. عندما كان هناك قدر من الهدوء والأمل على الجانب الفلسطيني من أجل بعض التحركات، لم تجد إسرائيل أي حافز للمضي قدما. عندما اندلع العنف واستمر بالتفاقم، كما كان الحال منذ شهر سبتمبر الماضي، كانت إسرائيل مترددة بالدخول في أي نوع من المفاوضات خوفا من مكافأة مرتكبيه.

أظهر رئيس الوزراء نتنياهو يأسا مزعوما إزاء تقدم ممكن أعرب عنه بعض زعماء العالم. كرد على انزعاج أنجيلا ميركل الكبير، انقض على جزء من تصريحها المتخذ في اجتماعهم الأخير قائلا: “الآن ليس الوقت المناسب لتحقيق تقدم شامل حقيقي ..”، ودعا الإقتراح الفرنسي لعقد مؤتمر دولي في ظل الظروف الحالية ليس أقل من “مستغرب”. كما أشار إلى أن الرئيس الأمريكي أوباما، بينما استضاف الرئيس رؤوفين ريفلين في البيت الأبيض، وضح أن اتفاق بين الاسرائيليين والفلسطينيين “ليس ممكنا” في هذا الوقت. في الواقع، عندما قال زعيم المعارضة اسحق هرتسوغ: “… من المستحيل الآن التفاوض على حل الدولتين”، سر عمليا بسماع ذلك. “عندما قلت ذلك قبل عام، هاجمني الجميع. اليوم نسمع الشيء ذاته من زعماء العالم، وليس فقط من أوباما وميركل. حتى زعيم المعارضة يفهم ذلك الآن”.

محمود عباس، من جهته، أيضا رفض سلسلة من العروض، – من تلك التي قدمها جون كيري في جولته الأخيرة من المحادثات، حتى تلك التي بثها المحاورين الآخرين في الأسابيع الأخيرة – على أمل الحصول على صفقة أفضل غدا. في هذه العملية، لقد فقد دعم دائرته المقربة وقاعدة دعمه، مما يجعله بالتالي وبشكل ايروني معتمدا على تقبل أي انفراجة في هذه المرحلة.

لقد عززت هذه التأجيلات المتسلسلة أولئك المتواجدين على الجانب الإسرائيلي والذين لا يريدون أي تغيير، وعلى الجانب الفلسطيني الذين يعتقدون أن الزمن سيكون في صالح قضيتهم في النهاية. واجتمعت هذه القوى في السنوات القليلة الماضية لخلق توافق آراء فلسطيني- اسرائيلي نادر، والذي ينص على أن التقدم نحو التوصل إلى اتفاق عملي اليوم امر غير مجد. وهكذا نجحت مماطلتهم المستمرة بترسيخ الجمود وزادت من تفاقم ما تحول الى جمود لا يطاق بشكل متزايد.

وهناك عدة عوامل تكمن وراء التقييم أن الوقت لم يحن بعد لإعادة العلاقات على الجبهة الإسرائيلية-الفلسطينية. أولا وقبل كل شيء, هناك التقلب الشديد في المنطقة وانتشار التطرف الإسلامي، يليه تهميش القضية الفلسطينية ودوامة العنف المستمرة والتي أودت بحياة 34 اسرائيليا، وأدت إلى مقتل أكثر من 150 فلسطينيا خلال ستة الأشهر الماضية وحدها. دون استعداد أي من الزعيمين لإظهار الليونة، تبدو الظروف مشؤومة لأي مبادرة كبرى.

مع ذلك، هذه العوامل نفسها، قد تؤدي في الواقع إلى تحول في المشاعر سواء على الصعيد الدولي وعلى أرض الواقع. هناك إدراك متزايد بأن الإستقرار الإقليمي غير ممكن – بما في ذلك وقف إطلاق النار الهش في سوريا – دون نوع من التحرك في إسرائيل وفلسطين. الخلافات الحالية حول دور إيران وحماس وحزب الله تعزز هذه النقطة. كذلك، لقد فشلت التدابير القوية المستخدمة على نحو متزايد من قبل إسرائيل ضد مرتكبي هذه الإنتفاضة الفردية الثالثة، لتهدئة التهديدات المستمرة للأمن الشخصي. إن فعلت شيئا، فهي أدت بسلسلة من استطلاعات الرأي لتسليط الضوء على الشعور المتنامي بانعدام الأمن الشخصي بشكل كبير في الأشهر الأخيرة، إلى جانب الإتهامات المتبادلة والانقسامات الداخلية في المجتمع الإسرائيلي والفلسطيني. أصبح اليأس علامة الزمن الضاربة، والتي إن تركت دون حل، ستهدد بتقويض التماسك المجتمعي في كل أجزاء الإنقسامات الفلسطينية-الإسرائيلية.

يدرك بعض القادة جيدا الحقيقة أن الوقت آخذ بالنفاد. وكان الرئيس أوباما واضحا جدا عندما قال: “على الرغم من أنه من الواضح أن هذه فترة تبدو فيها آفاق السلام بعيدة المنال، من المهم أن نستمر في المحاولة”. أيضا، أنجيلا ميركل، عند تعبيرها عن شكوكها إزاء ما تقدم، أضافت: “نحن نؤمن، من ناحية أخرى، أنه علينا دفع عملية تعايش سلمي وعلى هذا برأيي، أن يكون مبني في نهاية المطاف على حل الدولتين”.

لهذا السبب يقومون، إلى جانب آخرين، بدراسة أنشطة لمجموعة من الإحتمالات لا تهدف فقط لتحسين الواقع على المدى القصير (كما تنص خطة هرتسوغ أحادية الجانب) أو ابتكار وسائل جديدة لإدارة الصراع (كما يرغب نتنياهو ومستشاريه)، ولكن لتعزيز حل دولتين شامل ودائم ومدعوم دوليا لإنهاء الصراع بأسرع وقت ممكن.

يخوض الإسرائيليون والفلسطينيون طبيعة جديدة، أمر معتبر غير طبيعي تماما من كل منظور انساني يمكن تصوره. في حال استسلموا لسلبية وتقاعس قادتهم من خلال متابعة ميلهم للمزيد من التسويف، فهم يواجهون خطر المساس بتطلعاتهم لتقرير مصير عادل، بالإضافة الى توقهم الى حياة آمنة مفعمة بالأمل والكرامة الإنسانية.

وعلى الرغم من الصعوبات العديدة والتي ينطوي عليها ذلك، ليس هذا هو الوقت للتخلي عنها. كما سأل هيليل الحكيم: “إن لم أكن أنا لنفسي، فمن سيكون لي؟ وإن كنت أنا لنفسي، فما أنا؟ وإذا لم يكن الآن، فمتى؟”

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.