رغم القتل والدمار والمجازر البشعة التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني الآن، وتحديدا في قطاع غزة، والتي لا يمكن فصلها عن سلسلة حلقات المجازر التي ترتكبها إسرائيل منذ الهجرات اليهودية الأولى إلى أرض فلسطين، بهدف القضاء على الوجود الفلسطيني، ماديا ومعنويا، إلا أن الفلسطيني عادة ما يخرج منتصرا، ليس بالضرورة عسكريا، وإنما أخلاقيا وسياسيا، ووجوديا ويستمر في نضاله من أجل حريته، وترجمة كل هذا في سعيه للوصول إلى حقه في تقرير المصير وإقامة دولته الحرة المستقلة بعاصمتها القدس.

ولا مجال هنا للعودة إلى التاريخ بشكل مفصل، ولكن ما يمكن الحديث عنه في هذا الإطار أن إسرائيل ومنذ إنشائها على أنقاض المجتمع الفلسطيني، تتحدث عن السلام وتتهرب من استحقاقاته، وهناك العديد من الوقائع التاريخية تثبت ذلك، وإن الملفت في هذا هو أنها كانت دوما تحظى بدعم دولي رغم بشاعة وفظاعة أعمالها ليس فقط بحق الشعب الفلسطيني وإنما أيضا بحق العديد من الشعوب العربية، والذي شجعها على ذلك ليس فقط الدعم الدولي وإنما أيضا عدم محاسبتها على الانتهاكات والجرائم التي ترتكبها، وتوج كل ذلك بالحقد الذي لا تزال دولة الاحتلال تصبه على الشعب الفلسطيني سواء في قطاع غزة الذي نحيي صمود أهله ومقاومته، أو في الضفة الغربية مؤمنة بأنها لن تحاسب على هذه الأعمال والجرائم وستفلت منها كما في المرات السابقة.

وفي هذا الإطار لا يمكن تحميل إسرائيل وحدها وزر ما تقوم به، وإن كانت هي الدولة المعتدية والمحتلة، بل جزء من هذا الوزر تتحمله أيضا الولايات المتحدة الاميركية والدول الأوروبية والعديد من دول العالم الأخرى التي تشجع وتدعم اسرائيل على استمرا احتلالها، الذي هو بحد ذاته جريمة يجب أن تحاسب عليها، وهو أيضا أساس الصراع وسبب القتل والحقد والكراهية في المنطقة والإقليم .

إن موضوع الإمعان في الجرائم والقتل والتدمير واستهداف المدنيين وتدمير البنية التحتية تحت ذريعة محاربة “الإرهاب” والحفاظ على أمن إسرائيل، يمكن أن ينطلي على السواد الأعظم من الإسرائيليين والمؤيدين لها، ولكن كيف لذلك أن ينطلي على دول وحكومات ومنظمات دولية تعي تماما أن ما تمارسه إسرائيل هو أبشع أنواع اللانسانية ألا وهو الاحتلال، وأن رد الفعل الفلسطيني جاء كنتيجة حتمية لمواجهة هذا العدوان أولا، والدفاع عن النفس ثانيا، والتخلص من الاحتلال ثالثا، ولا يمكن بأي حال من الأحوال وصف النضال ضد الاحتلال (لأي شعب من شعوب العالم) بالإعمال الإرهابية أو العدائية، فتاريخ الشعوب ينفي هذه المقولة، وللدول الأوروبية تاريخ مشرف في تحرير بلادهم من النازية.

وفي سياق الحديث عن النازية، فقد دفعت قارة أوروبا وأجزاء كبيرة من العالم ثمنا باهظا للانتصار عليها والتخلص منها، إلا أن الشعب الفلسطيني، وعلى ما يبدو، لا زال يدفع ثمن تخليص يهود أوروبا من الوحش النازي، ومن يتحمل المسؤولية الأخلاقية عن ذلك ليس فقط دولة الاحتلال وإنما أيضا الدول والقوى التي ساعدت على إنشاء إسرائيل ومن ثم الاعتراف بها وحمايتها ودعمها، والتواطئ معها في الكثير من جرائمها وتجاوزاتها التي لم يعد يحتملها الرأي العام العالمي، الذي خرج بمسيرات في أكثر من مناسبة ضد الجرائم التي ترتكبهاالدولة العبرية بحق الشعب الفلسطيني تحديدا، وكان الشارع الإسرائيلي أحيانا يخرج ضد ممارسات حكومته، ولكن في هذه المرة لم نر ذلك، وإن كان هناك بعض الاحتجاجات باستحياء قوامها الأساسي فلسطينيي الداخل وبعض بقايا اليسار الإسرائيلي. وهنا لا بد وأن نثمن المواقف المتقدمة للعديد من دول اميركا اللاتينية التي لم تكتف بمسيرات التضامن، بل قامت بالعديد من الخطوات الأخرى وعلى رأسها سحب سفرائها من تل أبيب، كذلك لا بد من الإشادة بمسيرات التضامن التي انطلقت في العديد من الدول العربية مثل الأردن، ولبنان، والجزائر، وغيرها من البلدان في أرجاء العالم المختلفة.

ما يهمنا في ذلك أن المجتمع الإسرائيلي بمجمله ونتيجة لعمليات التعبئة بالكراهية والحقد ضد كل ما هو فلسطيني من قبل أقطاب النظام السياسي في إسرائيل سلم بــــ”أخلاقية” المذبحة الذي ينفذها جيشه بحق كل ما هو فلسطيني، لا بل دعمه سواء تصريحا أو تلميحا أو صمتا، ونسي بل تناسى أن الشعب الفلسطيني وفي سبيل الوصول إلى سلام قَبِلَ بدولة فلسطينية على مساحة 22% فقط من فلسطين التاريخية وبقرار من منظمة التحرير في العام 1988، وأكدت عليه في العام 1993، وكانت النتيجة مزيدا من القتل والدمار وبناء وتوسيع المستعمرات، وقضم ما تبقى من الأرض، وسد أي أفق أمام الفلسطيني سواء بحصار غزة المستمر أو ببناء جدار الضم والتوسع العنصري في الضفة الغربية ومحاولة إخراج مدينة القدس من المعادلة الفلسطينية بالتهويد والاسرلة والعزل .

إذا ، النتيجة تدفع الفلسطينيين غصبا إلى الكفر بما يسمى مفاوضات التي حاول الاحتلال من خلالها القضاء على المشروع الوطني تحت مسميات خادعة مثل “عملية السلام” و”التسوية الدائمة”، و”دولة قابلة للحياة” وغيرها من المفردات التي تتردد في محاولة للالتفاف على الحق الفلسطيني المرتكز على قرارات الشرعة الدولية والمتمثل في دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران للعام 1967، بعاصمتها القدس الشرقية، وحل قضية اللاجئين وفق القرار الأممي رقم 194.

هذا الحق الفلسطيني، يترتب عليه استحقاقات مطلوبة من المجتمع الدولي، وكذلك من دولة الاحتلال التي كانت ولا تزال تتهرب من استحقاقات السلام العادل والشامل والدائم الذي يجلب الأمن والاستقرار إلى المنطقة والعالم، دون أن يتخلى الفلسطينيون عن حقهم في محاسبة دولة الاحتلال على جرائمها المستمرة، لأن العدل يبنى على أساس تحقيق الحقوق وليس على أساس قضمها أو ضياعها.

فالمطلوب الآن من المجتمع الدولي إجبار إسرائيل على الإيفاء بالتزاماتها، إذا ما أراد لها أن تعيش بأمن واستقرار، فمطلب الشعب الفلسطيني الآن هو إنهاء الاحتلال، والوصول بكل الطرق المشروعة قانونيا إلى حقه في بناء دولته ذات السيادة الكاملة، والسلام المطلوب فلسطينيا هو سلام الشجعان الذي أراده لنا شهيدنا الخالد ياسر عرفات الذي عمل مع اسحاق رابين لتحقيقه، ولكن تم قتل الأخير بأيدي إسرائيلية، والآخر وهو شهيدنا ياسر عرفات تشير بعض الدلائل إلى أن إسرائيل قد تكون متورطة في اغتياله. فالسلام بحاجة إلى شجاعة، وطلاب السلام داخل إسرائيل يجب عليهم إسماع صوتهم الآن، لأن هذا هو الظرف المناسب لقول كلمتهم ضد الجرائم التي ترتكبها حكومتهم، والتأكيد على أن الأمن والسلام لن يتحقق عبر فوهات المدافع وقذائف الطائرات، بل عبر الإقرار بالحق الذي لا يمكن إنكاره أو إخفاءه، وأن المشكلة الرئيسية هي وجود الاحتلال واستمراره .

لقد أثبتت إسرائيل ولأكثر من مرة أنها تتحدث عن السلام وتمارس العدوان، ولا أتردد بالقول أنها استخدمت المفاوضات من أجل تمرير مخططاتها الهادفة إلى القضاء على ما تبقى من آمال للسلام، وتحقيق رؤية متطرفيها في السيطرة على ما تبقى من فلسطين التاريخية من الضفة الغربية، والتخلص من قطاع غزة بأي صورة كانت استكمالا منها في القضاء على المشروع الوطني، فهي تعي تمام بأنه لا مشروع وطني فلسطيني دون غزة، كما أنه لا دولة فلسطينية دون الضفة.

وتأسيسا على ذلك، اعتبرت دولة الاحتلال أن الانقسام الفلسطيني هو أساس تحقيق حلمها، وبدأت في البناء عليه، وسلمت بديمومته، واتخذت العديد من الإجراءات في سبيل تعزيزه وتغذيته، ولكن المسؤولية الوطنية والتاريخية والأخلاقية دفعت بالكل الفلسطيني إلى إنهائه والمباشرة الفعلية بالتخلص من كل إفرازاته، وكانت ولادة حكومة التوافق الوطني أولى الخطوات التي اتخذت للتدليل وبشكل فعلي وعملي على أن الشعب الفلسطيني لن يقبل أن يكون منقسما على نفسه، وهذا الأمر افقد إسرائيل صوابها وخلل إستراتيجيتها ودفعها إلى محاولة فصل غزة عن الضفة بقوة السلاح، فبدأت عدوانها المتدحرج من محافظة الخليل، وصولا إلى قطاع غزة والمجازر التي تنفذها آلة الحرب الإسرائيلية بحق البشر والحجر هناك .

لقد أراد الاحتلال للانقسام أن يستمر ، إدراكاً منه بأن استمرارَ الفصلِ الجغرافي والسياسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، هو الكفيل بتصفية المشروع الوطني، لكن هذا العدوان ورغم الثمن الكبير الذي يدفعه الشعب الفلسطيني جراءه، إلا أنه أسس لحالة وحدة موقف غاب عن المشهد الفلسطيني لعشرات السنين.

لقد استوعب الشعب الفلسطيني والقيادة بأن المستهدف من هذا العدوان ليس غزة، وإن كانت هي العنوان، بل المستهدف هو الكل الفلسطيني، أرادوا أن يكسروا شوكة غزة ليقضوا على المشروع الوطني، ولكن العدوان وحّد الكل الفلسطيني على مجموعة من المطالب الآنية على طريق دحر الاحتلال، وهذه المطالب تتلخص في: وقف العدوان الإسرائيلي، التوصل لوقف إطلاق النار ، العمل على إنهاء الحصار وفتح المعابر، ووقف أشكال العدوان كافة بما يشمل، احترام حقوق الصيد البحري، وإلغاء ما يسمى المناطق العازلة الحدودية والإفراج عن أسرى صفقة شاليط التي أعادت إسرائيل اعتقالهم والإفراج عن الدفعة الرابعة من الأسرى القدامى والإفراج عن أعضاء المجلس التشريعي والعمل الفوري على إدخال المساعدات الإنسانية وعقد مؤتمر دولي للمانحين لإعادة إعمار غزة .

في العام 1991، دخل الفلسطينيون في “عملية سلام” متغاضين عن عقلية الكراهية والحقد والإلغاء الاحتلالية، وقبلوا بالحلول المرحلية، والآن هم أكثر تمسكا بالسلام ولكن للأسف لا يوجد “شريك” إسرائيلي، بل إن هذا الشريك المفترض أوغل في القتل والدمار وكأنه يقول للجميع هذه هي لغة السلام التي تفهمها إسرائيل. وردنا على هذه اللغة يكون التمسك بوحدة الموقف الفلسطيني والحفاظ على هذه الحالة التي غابت طويلا عن المشهد الفلسطيني، وعلينا أن نحافظَ على بوصَلَتِنا ونستمر في طريقنا نحو التحرر والاستقلال، والتأكيد على أن هذه الطريق تمر عبر الحفاظ على مكامن قوة الشعب الفلسطيني، وتعزيز دور وأداء منظمة التحرير الفلسطينية، والحفاظ على السلطة الوطنية الفلسطينية، لأن وحدة الشعب الفلسطيني ووحدة تمثيله هي أساس تحقيق الهدف في الحرية والكرامة والاستقلال.

وهنا أود الإشارة إلى أنني وخلال زيارتي الأخيرة إلى قطاع غزة والتي كانت قبل العدوان بعدة أيام ، لمست من جميع مكونات العمل السياسي الفلسطيني توقهم وتمسكهم وإصرارهم على تجاوز كل إفرازات الانقسام، والتقدم نحو إنهائه فعليا وعلى الأرض، واعتقد بأن تشكيلة الوفد الفلسطيني المتواجد الآن في القاهرة، والذي نؤكد على محورية وأهمية ومركزية دورها، جاء في هذا السياق، وهو يعكس بشكل واضح وجلي تماسك الموقف الفلسطيني، ويؤشر على تمسك الكل الفلسطيني بوحدة الموقف والهدف، والإصرار على انجاز الوحدة الداخلية .

نشر السيد منيب المصري هذا المقال في مواقع الكترونية أخرى.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.