عندما قرر بنيامين نتنياهو ان يدعو لانتخابات جديدة في ديسمبر الماضي، كان قد قال انه برر الخطوة الخاطفة على أنها ضرورية للاستقرار السياسي وممارسة الحكم. بالكاد خمسة أشهر لاحقا، قال انه على وشك أن يؤدي القسم في حكومة معلقة ليس فقط على أغلبية ضعيفة متالفة من اثنين، ولكن خاضعة لنزوات مستمرة من النسور السياسية الناهمة داخل حزبه وائتلافه الجديد. هذا الوضع، على عكس الحكمة التقليدية، ليس مجرد نتيجة للصعوبات المتعلقة بالنظام الانتخابي في إسرائيل. هو، في الواقع، مظهر عميق لتآكل قوة الدولة الإسرائيلية في السنوات الأخيرة، وأفضل مظهر للتدهور التدريجي لقدرات الحكومية والتضامن الاجتماعي وللمعايير الملزمة.

لسنوات عديدة، تفاخرت إسرائيل بما كانت تعتبر عموما أن تكون واحدة من دول القوة الحقيقية الوحيدة في الشرق الأوسط (تركيا هي الاخرى). تمتلك الدول القوية مؤسسات قادرة على صياغة وتنفيذ السياسات، درجة من الاستقلال عن فئات اجتماعية (متنافسة غالبا) التي تمكن السعي لتحقيق مصلحة عامة أوسع، بالاضافة الى قواعد ملزمة التي توفر لاصقة للتفاعل. لعدة عقود, قد تأثرت قدرة الدولة الإسرائيلية سلبيا بالتحديات المستمرة لاحتكارها استخدام القوة في الأراضي الواقعة تحت سيطرتها وبالحقيقة الواضحة بأنها تفتقر إلى حدود واضحة ومعترف بها دوليا.

لقد كانت مجرد مسألة وقت قبل ان تبدأ عدم القدرة على حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني في التاثير سلبا على الأسس التي تقوم عليها الدولة نفسها، خصوصا التضامن الاجتماعي، وبالتالي على مبادئها التوجيهية وقدراتها الحكومية. لا شيء يجسد هذا الإضعاف التدريجي أكثر من العمليات التي تحيط بتشكيل الحكومة الرابعة لرئيس الوزراء نتنياهو.

مفاوضات التحالف، بحكم التعريف، موسم تفاوض مكثف، حيث يسعى الشركاء المحتملين خلاله لتعظيم البضائع السياسية واكتساب العديد من المناصب المعتبرة. ومع ذلك، أنهم غير مصممين كنهاية حملة لأصول الدولة لمجموعات محددة، ما لم يكن اولئك الذين على رأس الدولة على استعداد للتضحية بالحكم الذاتي للدولة من أجل الاحتفاظ بالسلطة. لكن لعجة سنوات الآن، لقد تزامنة الأسابيع بعد الانتخابات العامة مع تعرية متعمدة من المصلحة العامة لمواطني إسرائيل من خلال مزيج من القطاعي وخصخصة المجال العام.

لقد انتقلت اجزاء كبيرة من موارد الدولة لقطاعات معينة من المجتمع الإسرائيلي – على حساب آخرين- وكان ذلك الامر واضحا بعد جولز الامتخابات الاخيرة. بدأت العملية مع الاتفاق بين الليكود ويهدوت هتوراه، والتي ليس فقط انها وعدت ب-4.5 بليون شيكل على الأقل لترميم مخصصات الأطفال للعائلات الكبيرة ورواتب طلاب المعاهد الدينية فقط، ولكن أيضا منح الحزب السيطرة على اللجنة المالية التابعة للكنيست. بعد ذلك مباشرة، امنت شاس وعود مكلفة للمزيد من الفوائد لمؤسساتها التعليمية (بما في ذلك إزالة إشراف الدولة على مناهجها الدراسية)، وكذلك وزارة الاديان المربحة بشكل غير عادي. الوعد بإلغاء الضريبة على القيمة المضافة على السلع الأساسية، إلى جانب استيلاء أرييه درعي الوشيك على وزارة الاقتصاد, يمنح شاس قوة اقتصادية لا يستهان بها.

المشاحنات الاخيرة بين الليكود وحزب هبايت هيهودي قادت لمزيد من المكافآت من بين قائمة نفتالي بينيت: وزارة التربية والتعليم مع أموال تكميلية (اجزاء مخصصة تحديدا لجامعة ارييل)، وزارة الزراعة إلى جانب سلطة المستوطنات (المصدر الرئيسي لتمويل المشروع الاستيطاني)، وطبعا، وزارة العدل مع سيطرتها على اللجنة الوزارية لشؤون التشريع. في هذه الظروف، لا يمكن للقوى الاقتصادية الهائلة الممنوحة لموشيه كحلون- وزير المالية المعين، ان تبدأ بتحقيق التوازن في مدفوعات الاصوليين، والقوميين المتدينين والمستوطنون – على حساب المجموعات الأخرى، ولا سيما المحتاجين، في المجتمع الإسرائيلي.

ليس من المستغرب أن تلك الجهات الداعمة للتعريف العرقي والقومي المتزايد لإسرائيل, بقيادة الليكود الذي استفاد من أبسط شكل من أشكال الهوية السياسية خلال الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية عام 2015، سيستفيدون إلى أقصى حد من انتصارهم الانتخابي. مع ذلك، من السخرية أنه عن طريق شراء غير خجل لشركاء محتملين وتشجيع قابلياتهم المفترسة، ان الحزب الحاكم وزعيمه يساهمان بشكل مباشر في إضعاف قدرتهما على توجيه السياسة في السنوات المقبلة.

ان هذا صحيح بشكل خاص نظرا لميل الليكود لتشجيع الخصخصة إلى جانب القطاعية. بينما تم توجيه النظر إلى التحالف، استردت الحكومة اتفاقها مع أقطاب الغاز على حساب إيرادات الدولة في المستقبل. العديد من القضايا البارزة، وعلى الأخص تلك المتعلقة بيسرائيل بيتينو وأحدث فضيحة رشوة التي تشمل رونيل فيشر والنائب العام التل ابيبي السابق روث ديفيد، التي تشمل جماعات مصالح قوية، والتشديد على قطاعات واسعة من أجهزة الدولة (وخصوصا قدرتها على إنفاذ القانون), قد أصبحت مليئة بالفساد. ومما زاد الطين بلة، المعقل الرئيسي للقانون والنظام, السلطة القضائية، مهاجمة الآن من قبل الوزيرة المقبلة اييليت شاكيد، التي عقدت العزم على تسييس أحد المصادر الأخيرة للتوازن النظامي.

تسلل أجهزة الدولة وتعرضها لمجموعات قوية وأفراد, تساوم بالمبادئ الأساسية لتحقيق المساواة والمعاملة العادلة. فورة اليهود الإثيوبيين الأسبوع الماضي قد تكون مجرد مقدمة لردود الفعل الأخرى على التمييز المنهجي الفاحش من الفئات المهمشة (مثل المواطنين العرب في إسرائيل بشكل عام والبدو بشكل خاص). في الوقت نفسه، الطبقة الوسطى العاملة، العمود الفقري للاقتصاد الإسرائيلي، الخاضعة لاختبار حدودها: قد ضاقت آفاقها، خدماتها في تقلص، وارتفعت ضرائبها لتلبية فاتورة منتفعي خزائن الدولة الجالسين في الحكومة .

تفكك ما تبقى من التضامن الاجتماعي في إسرائيل نتيجة للاستيلاء على الدولة من قبل مصالح تخصيصية تعزز ثقافة التمييز والانتهازية الحزبية. كما أنها تلحق أضرارا فادحة في قدرة مؤسسات الدولة على الحكم. لم يكن هناك حزب حاكم قادر على تصميم السياسات، ناهيك عن استراتيجية طويلة الأجل- لبعض الوقت الان. بشكل محتم، يتم تحدي قدرة الحكومة على العمل (وبالتالي متانتها) باستمرار، والأهم من ذلك هو تعزيز مسار تدهور الدولة على نحو متزايد.

لقد كان هذا النمط قيد صنع لبعض الوقت. ولكنه الآن يهدد تآكل أسس هذا الصرح الذي هو دولة إسرائيل، مما يجعل إسرائيل أشبه بكثير مما تعتقد من العديد من جيرانها. هناك، مع ذلك، سبل لمنع انهيارها. أولا وقبل كل شيء، على جميع الزعماء الانسحاب من الاستيلاء الخاص على الدولة عن طريق تضييق المصالح الاجتماعية. هذا يعني تطبيق المعايير العالمية في تصميم السياسات وتخصيص الموارد، لا سيما مبادئ المساواة في الوصول والتوزيع العادل. وهذا يعني أيضا الاستفادة من أدوات العمل الإيجابية لضمان المزيد من العدالة الاجتماعية. ثانيا، يجب مواصلة مكافحة الممارسات الفاسدة في جميع المستويات بلا هوادة – مع مساعدة سلطة قضائية قوية ومستقلة. وثالثا، مطاردة مجموعات الأقليات العربية والمعارضة في إسرائيل، المسيء جدا لتعزيز ثقافة مدنية مشتركة، يجب أن يتوقف.

قبل كل شيء، مع ذلك، الحفاظ على تماسك الدولة يعتمد الآن أكثر من أي وقت مضى، على تحديد حدود إسرائيل وعلى إعادة تأكيد تفوقها ضمن هذه الحدود. لا يمكن أن يتحقق ذلك بدون الاجتماع أولا مع جيرانها الفلسطينيين ثم مع الدول الأخرى في المنطقة (لا تزال المبادرة العربية للسلام رؤية واعدة في هذا الصدد). تحقيق هذا الهدف, هو حتمي للدفاع عن الدولة ليس فقط من التهديدات الخارجية، ولكن في المقام الأول من نتائج القضم في جذورها من قبل الجماعات التي تلتهم كميات غير متناسبة من موادها، الاجتماعية والرمزية.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.