الحرب جحيم. جميعنا يوافق على ذلك. يُقتل الناس، الكثير منهم غير مقاتلين. من بين غير المقاتلين هؤلاء هناك الكثير من الأطفال. يوم الأربعاء، قُتل أربعة أطفال على شاطئ غزة. كانونا يلعبون كرة القدم على الرمال عندما تعرضوا لجولتين متتاليتين من ضرب النيران، من قبل طائرة إسرائيلية.

هذا مايقوله مصور “نيويورك تايمز” بيتر هيكس، الذي كان من بين مجموعة من الصحافيين الذين شهدوا الهجوم من فندق مجاور وقدموا الإسعافات الأولية للجرحى:

كنت قد عدت إلى فندقي الصغير على الشاطئ حوالي الساعة 4 عصرا لإرسال صور لنيويورك عندما سمعت انفجارا ضخما. هرعنا أنا وسائقي إلى النافذة لرؤية ما حدث. أصيب كوخ صغير فوق سور بحري في ميناء الصيد من قبل قنبلة أو صاروخ إسرائيلي وكان يحترق. ظهر صبي صغير من الدخان، وركض نحو الشاطئ المجاور.

أمسكت الكاميرا الخاصة بي وكنت أضع درعا واقيا وخوذة، بعد حوالي 30 ثانية من الانفجار الأول، وقع انفجار آخر. الطفل الذي رأيته يركض كان الآن ميتا، مستلقيا دون حراك على الرمال، إلى جانب ثلاثة أطفال آخرين الذين كانوا يلعبون هناك.

عند وصولي إلى الشاطئ، شعرت بضيق تنفس بسبب ركضي مع الدرع الواقي الثقيل. توقفت؛ كانت هناك مخاطرة كبيرة في الذهاب إلى الرمال المكشوفة. تخيل كيف ستبدو صورتي الظلية ، التي تلتقطها طائرة إسرائيلية من دون طيار، عند ظهرها كصورة مشوشة على جهاز كمبيوتر محمول في مكان ما في إسرائيل: مرتديا دراعا واقيا مع خوذة، وحاملا لكاميرا قد تبدو عن طريق الخطأ كسلاح. إذا قُتل أطفال، ما الذي سيحميني أنا، أو أي شخص آخر؟

في وقت لاحق من هذا المساء، ظهرت التقارير المفصلة، إلى جانب سلسلة من الصور المروعة (مؤلمة جدا إلى درجة لا تسمح بوضع الرابط لهذه الصور هنا) من الموقع، أصدر الجيش الإسرائيلي بيانا:

ليست لدى الجيش الإسرائيلي أية نية لإلحاق الأذى بالمدنيين الذين جرتهم حماس إلى واقع القتال في المناطق الحضرية. نحن نحقق بحذر في الحادث المذكور. استنادا على نتائج أولية، كان الهجوم يستهدف نشطاء إرهابيين لحماس. الضحايا من المدنيين المذكورين جراء هذا الهجوم هم نتيجة مأساوية. إن استغلال حماس الساخر لسكان يتم احتجازهم كرهائن أدى إلى إلغاء جيش الدفاع الإسرائيلي لهجمات على أهداف إرهابية في مناسبات متعددة في هذه العملية. لا يزال التحقيق مستمرا.

وذكر مراسل الشؤون العسكرية في القناة العاشرة ألون بن دافيد أن طائرة إسرائيلية أطلقت طلقة تحذيرية على منشأة بحرية تابعة لحماس بالقرب من المكان الذي لعب فيه الأطفال الفلسطينيين. عندما حاولوا الفرار، اعتُقد عن طريق الخطأ بأنهم نشطاء حماس وتم استهدافهم. كان هذا خطأ فادحا.

في هذه الأثناء، بدأ مسؤولون إسرائيليون كبار بتلقي أسئلة عن الحادث في والاعلام العالمي والمحلي.

“أنا أعتقد أنه من الفظيع أن حماس تذبح أطفالها”، كما قال أحد الوزراء، عضو في المجلس الوزاري الأمني الذي يرأسه نتنياهو، في مقابلة مع شبكة “سي ان ان”. “حماس ترتكب إبادة جماعية ذاتية ضخمة. يأخذون النساء والأطفال، ويضعونهم إلى جانب قاذفات صواريخ ويطلقون الصواريخ على إسرائيل”.

ولكن محاوره ألح عليه، “ولكن هؤلاء الأطفال كانوا يلعبون على الشاطئ؟”

ولكن الوزير لم يتردد، “لا تستهدف إسرائيل المدنيين عمدا، نقطة.” كما قال، “ما تفعله إسرائيل هو الدفاع عن نفسها”.

صحيح أن سياسة إسرائيل لا تتعمد أبدا استهداف غير مقاتلين وتتجنب التسبب بالأذى الجسدي لهم كلما أمكن ذلك. وهي تبذل قصارى جهدها لإظهار أن الجيش يبذل كل الجهود لتحذير المدنيين من هجمات جوية وشيكة عندما لا يكون هناك خطر لهروب الهدف. مع ذلك، فإن النسبة العالية من الضحايا المدنيين تكاد تبدو أمرا مفروغا منه (تفيد الإحصاءات في غزة أن النسبة وصلت حتى الآن إلى 70%)، سواء كان ذلك نتيجة الأخطاء المؤكد وقوعها تقريبا في بعض الأحيان في تحديد الأهداف- كان هناك حوالي 1,800 طلعة جوية لقصف أهداف منذ بدء عملية “الرجف الصامد”- أو نتيجة وقوع (اللعنة على هذا التعبير المُلطف) “أضرار جانبية” عندما يتواجد غير مقاتلين في المكان الخطأ في الوقت الخطأ.

إذا لماذا، كقاعدة عامة، يصر المسؤولون الإسرائيليون على أن مسؤولية الضحايا المدنيين تقع فقط على حماس. هذا السؤال يجب أن يُطرح وليس بالضرورة في سياق حادثة يوم الأربعاء؛ من المرجح أن تحقيق الجيش سيخلص إلى الاعتراف بالخطأ، واعتذر الرئيس شمعون بيرس. لكن بشكل كبير هذه مسألة نظرة: تم تصوير القصف، وشهده عدد من الصحفيين. يموت غير مقاتلين كل يوم في غزة، وبعدد أكبر بكثير من عدد المقاتلين. صحيح أن حماس تخبأ مقاتليها وصواريخها ومنشآتها بين المدنيين في غزة، ولكن إسرائيل هي من اختار مهاجمة هذه الأهداف، وبقيامها بذلك ينبغي عليها ألا تتهرب من مشاركة تحمل المسؤولية عند وقوع خطأ.

الحقيقة الواضحة، والمحبطة رغم ذلك، هي أن الاعتراف بأن الجيش الإسرائيلي معرض للخطر، والاعتراف بالخطأ عند ارتكابه من شأنه أن يقوض من الشرعية الدولية التي تتمتع بها إسرائيل لشن حرب على حماس، والتي تقوم بإطلاق الصواريخ بشكل عشوائي على المدنيين الإسرائيليين لسنوات. تريد الحكومة المحافظة على الاحتمالات مفتوحة لأطول وقت ممكن، للسماح بحملة موسعة، خاصة أنها وضعت قدما على الأرض. مع تعرض إسرائيل- البعض سيقول أنه يتم استهدافها بشكل خاص – لمراقبة دولية مكثفة، فإن تحمل مسؤولية سقوط ضحايا مدنيين في غزة من شأنه أن يحد من حرية تحرك الجيش وزيادة الضغوط آخذة بالازدياد أصلا للإنهاء الهجوم.

قال وزير آخر ليلة الأربعاء في مقابلة على القناة الثانية:

أنا أعتقد أنه على عكس حالات سابقة، هذه المرة سيفهم العالم أن مقتل هؤلاء الأطفال المروع والغير الضروري والمؤلم هو خطأ حماس. ولذلك لا نزال نتمتع برصيد دولي واسع لمواصلة العمل في غزة وحتى توسيع العملية في غزة إذا كانت هناك حاجة لذلك. أكرر: إن هذا مؤلم، ولكن الطرف الذي أراد حدوث ذلك كل الوقت هو حماس. لهذا السبب هي تقوم باستخدام الأطفال كدروع بشرية. تقوم دولة إسرائيل بكل ما في وسعها لتجنب مثل هذه المآسي، ولكننا في حالة حرب؛ هم أيضا يطلقون النار على أطفالنا.

ما قاله الوزير ذكر بتصريح قالته مرة رئيسة الحكومة غولدا مئير، وهو معروف لكل طالب يدرس عن الصراع: “يمكننا مسامحة العرب على قتل أطفالنا. لا يمكننا مسامحتهم على إجبارنا على قتل أطفالهم”.

تغيير كلمة “عرب” بكلمة “حماس” (تمشيا مع مقولة أخرى لرئيس حكومة آخر- “العرب هم نفس العرب”) وسنحصل على جوهر رد الفعل الإسرائيلي الرسمي على سقوط قتلى مدنيين: هذا كله خطأ حماس. لم نريد قتلهم، ولذلك لا نتحمل مسؤولية موتهم.

سواء إن كانت إسرائيل بحاجة لقول ذلك للحفاظ على الدعم الدولي، وإذا كان عدد القتلى من المدنيين هو ثمن معقول لوقف لإطلاق نار لا بد منه الذي من المرجح أن يوفر فترة من الراحة من إطلاق الصواريخ على المدنيين الإسرائيليين- هذه الأسئلة هي خارج نطاق هذا المقال. مع ذلك، ينبغي قول شيء واحد، حتى لو كان صناع القرار في القدس لا يقولونه- وحتى إن كانوا غير قادرين على قوله – في هذا الوقت: مهما كان ذلك غير مقصود، الجيش الإسرائيلي هو من قتل هؤلاء الأطفال الفلسطينيين، وليس حماس. هذه مأساة مروعة. نقطة.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.