في الزمن القريب الماضي، كان يُستخدم في التراث الشعبي المصري، جهاز ال”كتوسكوب” والذي كان يُعرف بإسم “البيانولا”.

كان صاحب البيانولا، يحمل صندوقاً مُستطيلاً، يُسمي “صندوق الدنيا”، مُزينًا برسومات جميلة، به فتحات مستديرة، وكان يضع دكة خشبية، للأطفال والكبار ليجلسون عليها، ويُغطي رءوسهم بملاءةِ سوداء، وينظرون في الفتحات الدائرية بصندوق الدنيا، لمُشاهدة الصور أو بمعني أصح الفيلم الذي يعرضه أمامهم جهاز البيانولا من خلال صندوق الدنيا.

بالتأكيد الدنيا فيها الكثير من الأحداث والعجائب والغرائب، قد يكون مُمتعًا، مُدهشًا، مُؤلمًا، أشياء مُتوقعة وأخري غير مُتوقعة، أشياء قد نتفق معها وأخري نرفضها أو لا نتفق معها، أنها الدنيا، أنها الدنيا بكل متنقضاتها حيث إختلاف البشر، واختلاف رغباتهم ومشاكلهم أيضًا!

من خلال الفتحات الدائرية الموجودة بصندوق الدنيا، سنشاهد معًا في شكل فيلم سينمائي، بعض الأحداث أو المشاكل أو الغرائب، التي قد يَمُر بها البشر ربما في مصر أوخارجها، أيضا مُمكن مُشاهدة موضوعات مختلفة مُمتعة قد تستهويك!

(01)
الناس تريد أن تأكل لا أن تموت! .. وإتفرج ياسلام!

أنا طبعا ما دخلتش الجيش، ولكنني سمعت أنهم يُدربون أفراد القوات المسلحة منذ اللحظة الأولي لدخولهم الخدمة، علي كيفية الحفاظ علي أنفسهم أحياء حتي إذا أتت بهم الظروف إلي مناطق صعبة ليس بها أكل أو ماء، يجب أن يجدوا شيئا يُبقيهم أحياء إلي أن تتغير الظروف، قد تضطرهم الظروف إلي أكل مأكولات ضارة أو تعافها النفس!
تجدهم مثلا يأكلون؛ أوراق الشجر، الثعابين، الطحالب، الضفادع، الحشرات، وإذا تعذر في بعض الأحيان وجود ماء قد يضطر الشخص لشرب مياه ليست صالحة للشرب أو حتي شُرب ماء بوله!

هناك دائمًا صراع بين الحياة والموت، صراع بين الأكل والجوع، الجوع قد يكون بشعًا، عندما لا يجد الإنسان ما يسد رمقه وخصوصًا الأطفال، الجوع قد يُصبح كافرًا عندما يضطر الشخص لإرتكاب جرائم الإنتحار أو السرقة أو حتي القتل، عندما يطن في أذنية صراخ أطفاله وهم يتضورون جوعًا، بسبب الفقر المُدقع وعدم إمكانية توفير رغباتهم الغذائية والمعيشية!

أسواق جديدة بدأت تظهر في مصر، عُرفت بإسم “أسواق كسر المصانع”، هذه الأسواق فتحت فُرص عمل للفُقراء، الذين يريدون أن يعيشوا ويعولوا أُسرهم، ربما لا يحملون شهادات أو مؤهلات للتوظيف، الغير متاح الآن حتي للمؤهلين في البلد بسبب الوضع الأقتصادي السيئ.

هذه الأسواق ملأت بطون الغلابة الذين لا تسمح لهم إمكانياتهم المادية بتلبية إحتياجاتهم وأحتياجات أسرهم بسبب الفقر المُميت، وإنخفاض الدخول أو إنعدامها، وأيضًا إرتفاع الأسعار المُخيف!

دخلت السوق، وجدت البائعين الذين وجدوا لهم سبوبة في الكسب، ذهبوا إلي المصانع التي تُنتج المُنتجات الغذائية، وجدوا أنه أثناء الإنتاج توجد بعض المُنتجات المكسورة، ولا تستطيع المصانع تعبئتها وإرسالها للمحال، هل الأفضل أن يتم وضعها في صناديق الزبالة، ثم يذهب بعض الغلابة الذين يتضورون جوعًا للنبش وسط القمامة للحصول علي ما يسد رمقهُم أم يأخذها الغلابة بسعر رخيص؟!

وجدت البائعين مُصطفين علي جانبي الشارع وكل بائع أو بائعة وضع أمامه منضدة، ووضع عليها المُنتج الذي اشتراه من كسر المصانع، والناس يسدون الشارع من الإزدحام، ويتسابقون مُتلهفين علي الشراء، لأن الأسعار في هذه الأسواق ربما تصل إلي أقل من رُبع أو خُمس قيمة الأسعار للمنتجات المعروضة للبيع في المحال ومنافذ البيع.

الناس الذين كانوا يسمعون مثلا عن الجبنة الرومي أو الموتسريلا أو الأنشوجة، أصبحوا يتذوقونها ويأكلونها، الحلويات والجاتوهات التي كانوا يشاهدونها في الفترينات أو في التليفزيون، وكان الأطفال والكبار لُعابهم يسيل علي هذه النوعية من الحلويات، الآن أصبحت متوفرة لهم من خلال أسواق كسر المصانع، أي شئ يشتهونة حتي الملابس يجدونه بسعر رخيص جدًا في أسواق كسر المصانع!

نعم انه ليس مُغلفًا، وليس عليه أي بيانات غذائية، ولكن المثل يقول؛ “إيه اللي رَمَاك علي المُر .. إللي أَمّرْ مِنُه”، نعم الناس تريد أن تأكل لا أن تموت!

البائعون يدافعون عن عملهم الجديد الذين يتكسبون منه بعد أن كانوا عاطلين في ظل البطالة التي تجتاح البلد، الناس تُريد أن تعيش وتأكل لا أن تموت!

علقت صديقة لي تُحب مصر جدًا، وهيّ لبنانية الأصل قائلة؛ “نحن لا نقبل هذا الوضع علي مصر”!

نعم أتفق معها، ولكن ما الحل الناس تُريد أن تأكل لا أن تموت؟!

(02)
وياروح ما بعدِك روح! .. وإتفرج ياسلام!

أصعب مُشكلة مُمكن أن تواجه الإنسان هيّ الجوع وليس الفقر، ولكن الفقر قد يؤدي إلي الجوع، والجوع قد يؤدي إلي الموت، وقد يكون الموت جماعي، حينما تتعرض بعض المناطق بأكملها للمجاعة مما يؤدي إلي الموت الجماعي.

الحاجة قد تُزلزل كيان الإنسان، وقالوا لكي تتحكم وتسيطر علي شعب إجعله يجوع، فإما يلف في دائرة البحث عن الطعام الذي يُبقيه علي قيد الحياة، وإما يقوم بثورة تلتهم كل شئ أمامه؛ وياروح ما بعدك روح!

الإنسان أمام الجوع ممكن أن تختلف توجهاته وردود أفعالة، ولغاية حد معين ممكن الوالدين يضحوا بأنفسهم لكي يبقي أولادهم علي قيد الحياة، أنهم فلذة الأكباد، وأحيانا أخري يكون العكس، فنسمع ونشاهد هذه الأقوال والأفعال، التي تثمن وتدعم صراع الإنسان علي البقاء في الحياة؛ “ياروح ما بعدك روح”، “إن جالك الطوفان حُط ولِدك تحت رجليك”!

في العهد القديم، كان يوجد ملك إسرائيلي علي السامرة، وكان لا يعمل الصالح في عيني الرب، بالرغم من أنه كان يلبس المسوح على جسده تحت الملابس، كنوع من التذلل للرب، ولكن عبادته كانت عبادة شكلية يتظاهر بها أمام الشعب.

وكان للأعداء ملك أشر من ملك إسرائيل، الملك بنهدد ملك آرام، قرر أن يُهاجم إسرائيل (السامرة)، جمع بنهدد جيوشه وصعد مُحاصرًا السامرة.

بسبب الحصار وقعت السامرة في جوع شديد، ويحكي الكتاب أن رأس الحمار أصبح له سعر، حتي زبل الحمام أصبح له سعر، رأس الحمار بثمانين من الفضة، وزبل الحمام بخُمس من الفضة، بالتأكيد الإنسان سيُصارع الجوع ليبقي علي الحياة؛ وياروح ما بعدك روح!

القصة التي سأحكيها لكُم الآن، أصعب شئ مُمكن أن تسمعوه أو تتخيلوه، ملك السامرة الإسرائيلي، كان جائزًا على السور، فصرخت إمرأة إليه،
تقول: خلص ياسيدي الملك.
فقال: لا يخلصك الرب. من أين أخلصك؟ أمَن البَيدر أو من المعصرة؟
ثم قال لها الملك: مالِك؟
فقالت: إن هذه المرأة قد قالت لي إبنك فنأكُله اليوم ثم نأكل ابني غدًا، فسلقنا إبني وأكلناه ثم قلت لها في اليوم الآخر هاتي ابنك فناكله فخبأت إبنها!

بالتأكيد هاتين المرأتين تُحبان ولديهما ولكن رغبتهما في الحياة كانت أقوي من عاطفة الأمومة، والمثل يقول: “إن جالك الطوفان حط ولدك تحت رجليك”!

فلما سمع الملك كلام المرأة مزق ثيابه، أنا أيضاً مزقت ثيابي!

هذه قصة حقيقية ومذكورة في (ملوك الثاني 6: 25-31)، تُبين مدي قسوة وخطورة الجوع علي الحياة، أنه صراع علي البقاء بأي ثمن؛ وياروح ما بعدك روح!

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.