كثيرا ما نتحدث عن سياسة الحكومة والأحزاب السياسية اتجاه أبناء الطائفة الدرزية، في حين يكاد أن يكون النقاش حول المقومات الأساسية، التي تؤثر على تصرفنا السياسي، وعلى كيفية انتخابنا شبة معدوم. لا شك أن سببا كبيرا لهذا النقص، يعود للحقيقة، بان قدرتنا على التأثير في تقرير من يمثلنا داخل الأحزاب السياسية العاملة ضئيل، وغالباً ما تنتهي حصيلة المعارك الانتخابية للكنيست، بظهور شخصيات فرضت علينا من قبل شخصيات سياسية، تكاد تكون علاقتهم بقضايانا السياسية والاجتماعية والاقتصادية مفقودة.

هكذا نرى، على سبيل المثال، بأن ثلاثة من المرشحين، تم تعيينهم بواسطة رؤساء أحزابهم، دون أن يكون أي تأثير لأي جهة من أبناء الطائفة في الموضوع. فقد تم تعيين السيد حمد عمار، من قبل إيفيت ليبرمان، والسيد سليم قدور، من قبل يائير لابيد وأكرم حسون، من قبل موشيه كحلون، في حين تم انتخاب الثلاثة الآخرين، بواسطة أعضاء مراكز أحزابهم، التي يكاد لا يكون أي تأثير لأبناء الطائفة في الأمر، بل ما هو شبه معدوم. والحديث هو عن السيد أيوب قرا في حزب اليكود، ود. عبد الله أبو معروف في القائمة المشتركة، والسيد صالح سعد في المعسكر الصهيوني.

وفي رأيي، ليس المتهم الأول في التقصير في النقاش والجدل في هذا الواقع، هم المرشحون المذكورون هنا، ولا من سبقهم في السنوات الماضية، لأنهم في النهاية، لاعبون في الساحة الحزبية، التي تفرض عليهم التعامل مع قوانين حزبية صارمة، كي يتمكنوا من الحفاظ على مقاعدهم في قوائم أحزابهم، في حين أرى بجزء من وسائل الإعلام والمواقع الإكترونية، والتي تعتبر في المجتمعات المتحضرة، سلطة رابعة (سلطة تنفيذية- سلطة تشريعية- سلطة قضائية) المتهم الأول لمثل هذا النقص، وبالتالي في فشل تطوير حوار سياسي ناضج، يساعد الناخب في بلورة فكر سياسي رفيع، يمكنه من التعرف بشكل أوضح على احتياجاته الشخصية والثقافية، وبين الحزب المناسب من أجل تحقيق مثل هذه الاحتياجات.

المقومات التي تلعب دورا هاما عند الناخب الدرزي، تزداد أهمية في ظل الهوية السياسية المركبة التي تميز الأغلبية الساحقة من أبناء الطائفة، وكونهم أبناء لطائفة دينية-ثقافية تارة ومواطنين في دولة أسرائيل تارة أخرى، في حين تتواجد الأخيرة في صراع مستمر مع انتمائهم الثقافي- العربي ، فما هي أهم تلك المقومات وكيف ممكن تصنيفها:

ابن العائلة:
يلاحظ أن العديد من أبناء العائلات الدرزية، يصوتون في الانتخابات للكنيست، لصالح حزب سياسي معين، وذلك بسبب وجود مرشح من عائلتهم القريبة أو الموسعة التي عرفت حتى أواخر القرن الماضي بالحمولة. وهنا تلعب ألايديولوجية الحزبية وبرنامج العمل المستقبلي دورا ضئيلا، لأن اهتمام الناخب الأول والأخير، هو نجاح ابن عائلته، ودخوله البرلمان الإسرائيلي، وبهذا وضع العائلة على الخارطة الاجتماعية للطائفة.

إبن البلد :
لا شك بان وجود مرشح من قرية درزية، يؤثر بشكل كبير على نسبة التصويت داخل القرية، لصالح الحزب الذي ينتمي إليه،وليس صدفة أننا نلاحظ ارتفاعا حادا بنسبة التصويت لصالح حزب معين، في جولة واحدة، في حين نرى غياب دعم ملحوظ لنفس الحزب في جولات أخرى. فالتفاف أهل البلدة حول ابن قريتهم أو بلدتهم هو انعكاس طبيعي للمزيج الاجتماعي الذي يجمع أهل القرية بعضهم ببعض، وارتباطهم بصلات عائلية وزواج ونسب.

الطائفة أولاً :
تتعامل هذه النخبة من المصوتين، مع المحيط السياسي في المنطقة، كتحالف وتنافر بين أقليات وطوائف دينية . فهي تضع نصب أعينها الطائفة ومصلحة الطائفة وكيانها فوق جميع الاعتبارات، وهي على استعداد تام، لغض النظر عن هوية الحزب الأيديولوجية وبرنامجه السياسي اتجاه المواضيع السياسية والاقتصادية العالقة، طالما هو يكرم الكيان الطائفي، ويحافظ على الطائفة كمجموعة دينية وثقافية في البلاد.

ما بين الطائفة والدولة :
تختلف هذه النخبة عن التي سبقتها بأنها تبحث عن الحزب السياسي، الذي يوفق بين الانتماء الطائفي، ونجاح الدولة والعلاقة المتبادلة بين الاثنتين، إيماناً منها، بأنه لا يوجد حزب سياسي جيد للطائفة فقط، وإنما يوجد حزب سياسي جيد للدولة، الأمر الذي يؤدي إلى تقدم أبناء الطائفة في الدولة دون المس في تركيبتهم الثقافية والدينية المميزة.

عاشت دولة إسرائيل :
تضع هذه المجموعة من الناخبين، كيان الدولة، بهويتها اليهودية والصهيونية، في سلم أولياتها، وهي على استعداد أن تقدم كل ما تملكه، من أجل الحفاظ عليها، كدولة قوية ومسيطرة في المنطقة، حتى على حساب القضاء على المركبات الثقافية التي تميز أبناء الطائفة، وبقائها كمجموعة مميزة. أبناء هذه المجموعة، هم أنفسهم يتهمون الطائفة بالفشل، حتى عندما يكون التقصير نابعا من سياسة الحكومة اتجاه الطائفة، وتقصيرها نحوها، وعدم القيام بواجباتها اتجاهها.

عاشت الأمة العربية :
هذه المجموعة تتصرف بعكس المجموعة السابقة، وترى بالكيان الإسرائيلي، كيانا عنصريا، وتعتبر الأحزاب الداعمة لهذا الكيان، أنها هي أيضا عنصرية، ولذلك يجب الالتفاف حول أحزاب سياسية، تنادي بتغيير جذري لمركبات الدولة وهويتها. الشبه الوحيد بين هذه المجموعة، والتي سبقتها،هو بأن الانتماء الطائفي، لا يلعب أي دور عندها، بل هو في كثير من الأحيان يقف حاجزا أمام تفاعل كامل مع قوى عربية تعمل من أجل إزالة الكيان الإسرائيلي.
على المستوى الشخصي فانا أعترف باني انتمي الى تلك الفئة التي تبحث عن الحزب السياسي الذي يوفق بين نجاح الدولة وتقدمها في القضايا الهامة دون المس في كياننا كمجموعة دينية وثقافية، أما خصومي السياسيين فهم أولائك الذين ينتمون إلى مجموعة “عاشت دولة إسرائيل” و ” عاشت الأمة العربية”. لأن الأولى على استعداد بأن تضحي بكياننا من أجل مؤسسة قامت في البداية، وقبل كل شي من أجل الحفاظ على كيان لمجموعة دينية-ثقافية أخرى، ألا وهي الأغلبية اليهودية. أما الثانية فهي تعمل من أجل القضاء على مؤسسة يعود الفضل لها في الحفاظ على كياننا كمجموعة دينية-وثقافية، وهذا من اجل سيطرة مجموعات ثقافية ودينية أخرى .

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.