في 17 مارس سيتوجه الإسرائيليون إلى صناديق الإقتراع. كل من يتابع عن قرب التحليلات السياسية التي تُنشر يوميا قد يعتقد خطأ أن هذه الإنتخابات هي إنتخابات يهودية. السهولة التي يتم فيها محو المواطنين العرب الفلسطينيين في إسرائيل، الذين يصل عددهم مع بداية عام 2015 إلى أكثر من 1.7 مليون (17% من إجمالي السكان)، هي بكل بساطة مذهلة, عمليا، نظرا للنظام الإنتخابي المجزأ في البلاد، كل حزب يتجاهل كتلة كبيرة من الناخبين يخاطر بفرص نجاحه. والأهم من ذلك، الميل إلى إستبعاد جزأ هام من السكان هو مؤشر على جهود جارية لتغيير جذري في طابع الدولة – المسألة الجذرية في الإنتخابات القادمة. لكل الإسرائيليين مصلحة شخصية في التأثير على أكثر النقاشات أهمية.

لدى الوسط العربي في إسرائيل سجل غير مستقر من المشاركة في الإنتخابات. نسبة التصويت في الإنتخابات البلدية هي من الأعلى في البلاد – وتصل باستمرار إلى 80%، وفي بعض الحالات إلى 90% من الناخبين المسجلين. على النقيض من ذلك، المشاركة في الإنتخابات العامة شهدت انخفاضا منذ بداية القرن: حيث بالكاد وصلت إلى 56% قبل عامين. السبب الرئيسي لهذا النموذج الإزدواجي واضح: على المستوى المحلي هناك شعور بالفعالية السياسية (القدرة على التأثير على القرارات)؛ على المستوى الوطني العكس هو الصحيح: الكثير من المواطنين العرب على اقتناع بأنه يتم استبعادهم بشكل منهجي من نموذج السلطة الوطني.

ازداد هذا الشعور في السنوات الأخيرة بعد تقديم سلسلة من القوانين المعادية للعرب وبعد أن أصبحت مظاهر التمييز المنهجي أمرا شائعا. في الصيف الفائت، سيطر خطاب عنصري – انبثق من أعلى المراتب في الإئتلاف الحاكم – على الخطاب العام، ما أدى إلى أفعال متعددة من التمييز الصارخ ضد المواطنين غير اليهود في البلاد. تظهر إستطلاعات الرأي الأخيرة أن الأغلبية العظمى من العرب في إسرائيل يواجهون التمييز بشكل يومي. على الرغم من أن الرئيس رؤوفين ريفلين عمل على التخفيف نوعا ما من هذا التعصب المستشري من خلال دعواته المتواصلة للإحترام المتبادل، لا تزال الحقيقة أن مواطني هذه الدولة من العرب الفلسطينيين يُعاملون باستمرار كأقلية مزعجة يمكن أن تشكل طابورا خامسا (على الرغم من أن إستطلاع رأي أخير أجرته مجموعة “ستاتنت” يُظهر أنه في ظل أي سيناريو مستقبلي، 77% على الأقل يرغبون بالبقاء مواطنين في إسرائيل)
بلغ الشعور القوي بالعزلة في صفوف العرب داخل إسرائيل ذروته خلال الأشهر الأخيرة في أعقاب مشاريع قوانين متعددة هدفت إلى تحديد إسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي على حساب طابعها الديمقراطي (ومواطنيها العرب أيضا). في حين أن معظم العرب الإسرائيليين يقرون بحقيقة أن إسرائيل هي تعبير سياسي للتطلعات القومية للشعب اليهودي، هم يصرون أيضا – كما فعل مؤسسو إسرائيل- على معاملتهم كمواطنين متساويي الحقوق. تحت هذه الظروف، ليس مفاجئا أن عددا متزايدا من المواطنيين العرب يشعرون بمعزل عن التيارات السياسية في البلاد.

قد تكون هذه التوجهات قد أثرت سلبا على المشاركة القوية في الإنتخابات القادمة إن لم يكن ذك بسبب الحملة الناجحة للحكومة المنتهية ولايتها برفع نسبة الحسم الإنتخابية لدخول الكنيست القادمة إلى 3.25%. هذه الخطوة – التي تم تبريرها جزئيا على الأقل، وبشكل مثير للسخرية، كوسيلة لزيادة تشنج الصوت العربي – قد تأتي بنتائج عكسية. بالتلميح إلى أن كل المواطنين غير اليهود في هذه البلاد مصنوعين من نفس الخلطة (والإشارة بذلك إلى أن الأحزاب العربية الثلاث الحالية التي تمثل الناخبين العرب لا تعكس التعددية الأساسية في الأيديولوجيات والتطلعات والميول الدينية بين مواطني البلاد من غير اليهود)، قد يكون المبادرون لهذه القواعد الجديدة عمليا قد شجعوا على أقبال عربي أكبر بكثير على صناديق الإقتراع في الإنتخابات القادمة.

من الواضح أنه من أجل اجتياز نسبة الحسم، هناك ضرورة لنوع ما من الإئتلاف بين الأحزاب العربية الحالية – الجبهة والقائمة العربية الموحدة والعربية للتغيير والتجمع. 80% من الوسط العربي في إسرائيل يفضلون قائمة واحدة (بحسب إستطلاع الرأي الأخير لستاتنت). إن المفاوضات بين القادة العرب لتحقيق هذا الهدف موجودة الآن في مرحلة متقدمة (مع دراسة وجود حزبين بديلين كاختيار احتياطي). إذا تم هذا التحالف، أشار 68% من الناخبين العرب المحتملين بأنهم سيشاركون في الإنتخابات (في إستطلاع رأي أجرته داليا شيندلين ونُشر في المجلة الإلكترونية 972+). هذا أكثر ب14% من الانتخابات الماضية، مما قد يرفع تمثيل العرب في الكنيست القادمة من 11 مقعد إلى 15 مقعد.

إعادة تنظيم الأحزاب العربية هو أمر مثير للإهتمام من عدة نواح. أولا، يبشر ذلك بصحوة في الإهتمام بالسياسة الوطنية بين ناخبين نفروا منها حتى الآن. ثانيا، يخلق كتلة إنتخابية قوية مع احتمال وجود تأثير على الساحة السياسية. ثالثا، يعيد إدخال شريحة كبيرة من المواطنين في تحديد المعايير العامة (القائمة المخططة لها ستشمل مرشحين يهودا وعربا، إلى جانب تمثيل نسائي أكبر). ورابعا، يعمل ذلك على تأسيس صوت ديمقراطي قوي ملتزم بمجتمع مشترك على أسس المساواة والعدل.

كما كان في السابق، لن يصوت جميع المواطنين العرب في إسرائيل في الإنتخابات المقررة في 17 مارس لتحالف عربي. في هذه المرحلة، أكثر من 35% من أولئك الذين يخططون للتصويت لا يزالون مترددين (قائمة موحدة ستقلص بشكل كبير هذا الرقم). سيواصل آخرون دعم أحزاب التيار المركزي في اليسار (العمل وميرتس) بينما سيستمر القليلون بإعطاء أصواتهم لليكود وشاس. من الواضح أن جاذبية القائمة المشتركة ستعتمد في جزء منها على هوية من سيقودها (أحمد الطيبي يتفوق على سائر المرشحين المحتملين في كل إستطلاع رأي أجري حتى الآن) وفي جزء آخر على المنصة المتفق عليها (التي ستكون مرفوضة على الأرجح على أي تشريع صُمم لتغيير تعريف الدولة بينما ستدعمها كل الإجراءات لضمان المساواة التامة لكل المواطنين).

مع ذلك فإن سلوك الناخبين العرب لا يعتمد فقط على أعضاء هذا المجتمع. بل هو أيضا نتيجة طبيعية لتوقعات وسلوك الأحزاب اليهودية. كل تغيير في توازن القوى في البلاد ينطوي على المشاركة الكاملة لكل مواطنيها. لذلك، على الأحزاب في الوسط واليسار التوضيح بشكل لا لبس فيه أن العرب الإسرائيليين وممثليهم هم جزء لا يتجزأ من هذا التغيير وبأنهم شركاء شرعيون في أي إئتلاف حكومي مستقبلي. الرد على ما يُسمى ب”المعسكر القومي” الذي يرأسه نتنياهو ليس بالضرورة ما يُسمى حاليا ب”المعسكر الصهيوني” الذي يقوده يتسحاق هرتسوغ وتسيبي ليفني، بل “معسكر إسرائيلي” أوسع يسعى إلى تحسين ظروف وأمن جميع المواطنين.

يشكل المواطنون العرب الفلسطينيين في إسرائيل أهم بطاقة غير متوقعة (وإن لم تكن الوحيدة) في ألإنتخابات القادمة. طبيعة ومدى مشاركتهم في وضع إطار لأجندة الحملة وفي تحديد نتائجها ستكون ذات تأثير حاسم على النتائج. هذه الإنتخابات ستعكس، أكثر من سابقاتها، من هم الإسرائيليون وماذا يريدون – وبذلك تظهر ما هي إسرائيل وما يمكنها أن تكون. لهذا السبب، كل أولئك الملتزمين بإسرائيل منفتحة ومتعددة الثقافات عليهم وضع مسألة تعامل إسرائيل مع الأقلية العربية فيها على رأس سلم أولوياتهم: هذا هو الإختبار الرئيسي لقيم الدولة اليهودية ومتانتها الديمقراطية وآفاقها لمستقبل آمن وسلمي.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.